علاوي يعتقد!

 

 

حمزة الجواهري

 

 

لابد من النظر للمشهد العراقي من الخارج، حيث أن النظر له من الداخل أمر صعب للغاية، لأن زاوية النظر لا تتسع كثيرا، لذا، وبما أني لست إسلاميا ولا بعثيا، أجد نفسي في موقع مناسب جدا أستطيع من خلاله أن أرى معظم تفاصيل المشهد.

في مقابلة للدكتور علاوي مع صحيفة الشرق الأوسط نشرت قبل ثلاثة أيام كان يقول: ""واعتقد أنا شخصيا أن على المسؤولين العراقيين أن يتحملوا مسؤوليتهم، إما بترك مواقعهم أو معالجة الأزمة العراقية وعلى الفور""!!

هكذا كما يرى الرجل أنه يترتب على الحكومة ترك السلطة له على فور، وعليهم التنازل عن كل مصالحهم وحقوقهم بالمواطنة، هكذا ببساطة، لأن الرجل قال لهم ""على الفور""!

وبما أن الحكومة العراقية فهمها بطيء كما يعتقد، وكان يخشى أن لا تصل دعوته إلى مستوى الإدراك المتواضع لهؤلاء التي جاءت بهم المحاصصة، لذا قرر أن يضيف ما يوضح الفكرة المعقدة التي اكتشفها، فقال ""واعتقد انه ليس بمقدورهم تحقيق المسألة الثانية لان النظام قام على أساس المحاصصة الطائفية""، يعني بذلك أن عليهم ترك السلطة على الفور!!!

وأن يتركوا كل ما يختزنوه من أسباب القوة، وغضب الشارع وحقده على الإرهاب، والبعث تحديدا، وأن ينسوا نتائج انتخابات شارك بها أحد عشر مليون عراقي، وأن يتخلوا عن طموحهم السياسي وأن يتركوا العراق بما فيه له، لمجرد أنه قال لهم أن اتركوا السلطة!

حقيقة يجد المرء نفسه أمام حالة غريبة جدا، حيث علاوي هو الآخر في السلطة!

وهو أحد الأسباب الرئيسية لتكريس مبدأ المحاصة الطائفية، لأن رغم ادعائه بأنه علماني، فقد كان هو السبب الرئيسي بهزيمة هذا التيار أمام التيار الإسلامي المتهم بالطائفية، لأن ليس من المعقول أن يقتنع أبناء الجنوب أو كوردستان الذين ذاقوا الأمرين من حكم البعث وأن يقبلوا بتيار يقوده بعثي يقاتل من أجل إعادة البعث للسلطة من جديد وإعادة القوات المسلحة القديمة؟

ففي محاولة شخصية مني لمعرفة تفوق التيار الإسلامي وحصوله على النتائج التي عرفناها، سألت بنفسي شريحة واسعة من المثقفين وأنصاف المثقفين العلمانيين في الوسط والجنوب سؤالا محددا، لماذا منحتم أصواتكم للتيار الإسلامي، كان الجواب حاسما في أغلب الأحيان، هو أن البديل منح الصوت لبعثي وهذا مستحيل، حتى أن البعض من هؤلاء كان شيوعيا كما عرفته سابقا، كان جوابهم بلا تردد أننا نمنح أصواتنا للشيطان ولا نمنحها إلى قائمة يقودها بعثي حتى لو كان الشيوعيون يشاركون بها، لذا أعتقد جازما أن أحد أسباب الفوز الكاريزمي للتيار الإسلامي في وسط وجنوب العراق هو أن التيار العلماني المنافس الذي كان يقوده بعثي سابق.

هذا هو نبض الشارع العراقي الحقيقي، وهو ما أعتبره أحد أهم أسباب هزيمة التيار العلماني أمام الإسلاميين في الانتخابات الماضية، لأن الشارع لا يتحرك على أساس تمنيات الساسة ولكن على أساس موضوعي ومادي؟

فإذا أراد التيار العلماني الانتصار في الانتخابات القادمة عليه إذا إبعاد أي بعثي عن تحالفاته، لأن البعثي أصلا غير منسجم مع هذه المجموعة، والعراقي بحسه السياسي البسيط سوف يرفض وجود البعثي لأنه أصبح بالنسبة للعراقيين رمزا للفاشية والشمولية والعدو الأكبر لجميع مكونات الشعب.

بنفس المقابلة مع الصحيفة، يرى الدكتور علاوي بوضوح، كما نرى نحن الزاهدين بالسلطة، أن المحاصصة كانت هي السبب وراء التدخلات الخارجية في الشأن العراقي، بقوله ""بل تحولت المسألة إلى إملاءات من الخارج وبشكل واضح على الوضع الداخلي وبشكل مفضوح"" وهذا حق، لكن حين يقدم مثاله على هذا الأمر نكتشف أن المسألة تتعلق فقط بالتدخل الإيراني، وكأن الجوار الإقليمي العراقي هو إيران فقط! حيث يقول "" عندما تجتمع الإدارة الأمريكية مع إيران في العراق وعنوان الاجتماع هو المسألة العراقية فقط لا غير، لا سلاح نووي أو ذري ولا لبنان أو فلسطين، فماذا يعني هذا سوى التدخل الواضح بالشأن العراقي؟""، لكنه خلال نفس المقابلة مع الصحيفة يستنتج ما يناقض ما قاله سابقا بقوله ""هذه البدائل مهمة وجاهزة لمساعدة العراقيين وتهيئة الأجواء لاحتواء بؤر التوتر في المنطقة، وهذه البدائل شرعية، إنها دولية وإقليمية، ومنها الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ودول الجوار العراقي وهذه الدول أصبحت معنية بالوضع وتريد أن تتحرك وتتدخل وتشارك في وضع لمسات مهمة لان يستقيم الوضع في العراق، وفي رأيي انه يجب تشجيع تدخل هذه الأطراف لمساعدة أميركا"" وهكذا نجده يرفض التدخل الخارجي مرة، ويقبل به مرة أخرى، بل ويعتبره مشروعا!!

إذا فالرجل يقر بنفسه أنه يريد لجميع هذه الأطراف التدخل بالشأن العراقي ويعتبره تدخل مشروعا، طبعا باستثناء تدخل إيران!!

وهنا بالتحديد لابد للمرء أن يسأل عن السر وراء هذه الازدواجية، أي لماذا يعتبر التدخل العربي في الشأن العراقي حميدا في حين أن التدخل الإيراني خبيثا؟

في الحقيقة لا يحتاج القارئ إلى جهد كبير ليكتشف السبب، وذلك من خلال المثال الذي قدمه للشرق الأوسط، حين كشف عن سر لم يسمع به أحد من قبله كما يعتقد، بقوله ""دعني اكشف لكم انه في مؤتمر شرم الشيخ الثاني، الذي عقد في بداية شهر مايو قدمت الحكومة الإيرانية ورقة رسمية فيها اشتراطات على ما يجب أن يحدث في العراق أو لا يحدث، ومن جملتها اعتراض رسمي إيراني علي، بان لا أكون رئيس حكومة، وهذه ورقة حكومية إيرانية موثقة ولا أتحدث عن شائعات أو أوهام"".

لكن في الحقيقة إن الورقة الإيرانية لم تحدد اسما معينا وهو ما يقر به أيضا، لكنها حددت أن لا يكون على رأس السلطة في العراق بعثي سابق، وهنا نسأل الدكتور علاوي ألم تشترط دول الجوار أن لا يكون المالكي على رأس السلطة في العراق؟ وحتى أن بعضها رفض استقباله؟ والسبب بذلك كون هذه الدول تعتقد أنه طائفي؟

في الحقيقة أن الورقة التي تكلم الدكتور علاوي عنها لم تكن سرا يفشيه لأول مرة، فقد نشرتها صحيفة الحياة، ويستطيع القارئ الكريم العودة إلى مقالنا عن هذه الوثيقة والذي كان بعنوان "الورقة الإيرانية لمؤتمر شرم الشيخ" يمكن الوصول لها من خلال الرابط التالي:

http://www.sotaliraq.com/Hamza-Al-Jawahri-article.php?id=31

وفي هذه المقالة يجد القارئ الرابط الذي يوصله إلى الورقة الإيرانية ذات ال13 فقرة فقط.

في الحقيقة إن التدخل الإقليمي أصبح أمرا واقعا ومن جميع الأطراف وقبلت به معظم الأطراف السياسية في العراق، لأن مؤتمر شرم الشيخ وحد جميع الآراء في "وثيقة عهد العراق"، بحيث اعتبر هذا النوع من التدخل حميدا من جميع الأطراف بما فيها إيران، والتي لم تطالب بشيء سوى أن لا يكون على رأس الحكومة العراقية بعثي سابق، أما باقي النقاط التي وردت بالورقة الإيرانية تتفق تماما مع وثيقة عهد العراق ومع الإرادة الأمريكية والدولية والإقليمية بالكامل، وهذا الأمر مبرر إلى هذه الدولة لأنها خاضت حربا ضروس على مدى ثمانية أعوام متواصلة مع البعث، ولحد الآن لا أحد يعرف السبب الحقيقي وراء هذه الحرب، لأن جميع مبرراتها كانت غير مقنعة لإشعال مثل هذه الحرب، تلك المبررات ربما تكون كافية لخلق توتر بالعلاقات الدبلوماسية، ولكن ليس حربا، حتى ولو ليوم واحد، لذا فإن الطلب الإيراني مبرر تماما برفضهم أن يكون بعثيا على رأس السلطة.

كأني بالدكتور علاوي يقصد أن الله قدر للعراق أن يكون رئيسه بعثيا، وعلى العراقي القبول بهذا القدر الأحمق!

حين رفضت القوى السياسية العراقية التدخل الإيراني في العراق، السبب وراء هذا الرفض هو أن الإيرانيين يحاولون تصفية حساباتهم مع أمريكا من خلال الدم العراقي، كما ورفضت أيضا التدخل الإقليمي العربي لأنهم يحاولون تصفية حساباتهم مع إيران من خلال إراقة الدم العراقي أيضا، ولكن حين تتفق دول الجوار الإقليمي للعراق في وثيقة عهد العراق، مؤكدين على أنهم سوف تبعد جميع صراعاتهم عن الساحة العراقية، اعتبرت معظم التيارات السياسية العراقية هذا النوع من التدخل حميدا ولم يعترض عليه أحد، لكن حين يعود بنا بعض الساسة إلى إبقاء الحالة على ما هي عليه، فهذا أمر مرفوض ويجب أن يرفضه كل عراقي شريف.

لعل أبلغ الدروس التي تعلمها العراقي من خلال محنته التي يمر بها هي أنه إذا أراد أن يعيد الأمن والأمان للبلد، عليه الوقوف بحزم بوجه من يسمح بالتدخلات الخارجية إذا كان الهدف منها تصفية حسابات الغير على حساب الدم العراقي، وأن يرحب بأي تدخل يخدم حقن نزيف الدم العراقي وليس على أساس حرب المصالح سواء كانت إقليمية أو دولية.

تجرنا تصريحات الدكتور علاوي لما هو أبعد، حيث إن السبب باستمرار النزيف العراقي هو المحاولات المستميتة لإعادة البعث من جديد للسلطة، كاستجابة أمريكية لرغبة أصدقاءها في المنطقة ظنا منهم أن الخيار المناسب لها هو عودة البعث كبديل أفضل من التيار الإسلامي الموالي إلى إيران، لكن فيما لو تمكن البعث من الوثوب إلى سدة السلطة بالفعل، بعدها بوقت قصير جدا ستبدأ حمامات الدم من جديد وفي دورة جديدة قد تستمر لقرون وليس للأربعة عقود فقط، وقد تكون سببا بحرب تحرق المنطقة بالكامل وربما إلى أبعد من ذلك، وقد عالجنا هذا الموضوع في مقالات ودراسات سابقة كثيرة كما عالجه آخرون بجدية وموضوعية أكثر.

هذا ما تعمل عليه الإدارة الأمريكية هذه الأيام، وذلك من خلال تطبيق خطة بيكر وهاملتون سيئة الصيت، لذا أنصح الإدارة الأمريكية التخلي عن هذه الخطة الدموية التي تهدف إلى إعادة سيناريو عام91 بقمع الانتفاضة الشعبية وإعادة تأهيل البعث من جديد، كما وأنصحها بالتمسك بقيمها التي تحترم إرادة الشعوب، وبغير هذا ستخسر ما كانت تريد تحقيقه من خلال احتلال العراق.

لذا وعلى هذا الأساس أيضا أدعوا العراقيين الذين ذهبوا إلى السودان واليمن لتجنيد إرهابيين لدعم الخطة بالعودة إلى الوطن، لأن استمرارهم بتوفير الأسباب لنجاحها، يعني فقط أن أنهار الدم العراقية ستكون أكثر غزارة، لكن في النهاية سوف لن تنتصر الخطة، كون الشعب واع تماما وهو غير الشعب العراقي في العام91، لذا عليهم التوقف عن تجييش المزيد من الإرهابيين للاستعانة بهم على أخوة لهم في الوطن، وأن ما يصبون إليه هو المستحيل بعينه.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي-11-6-2007