رؤية أمريكية "للنصر في العراق"!

 

 

 

كتب فريدريك كاجن من معهد أمريكان إنتربرايز www.aei.org عن رؤية متفائلة للوضع في العراق، ويرى الكاتب أنه ومنذ تبني الرئيس جورج بوش لاستراتيجية جديدة في العراق ووضع فريق قيادي جديد هناك، أصبحت هناك مؤشرات واضحة على تحقيق تقدم في العراق.

فأمركا طبقا لهذه الرؤية تخطو بخطوات واسعة في حربها ضد القاعدة في بلاد الرافدين، وعليها أن تواصل حربها في هذا الوقت الحرج بالذات.

وبما أن الكونغرس يتطرق مرة أخرى لمسألة دعم القوات المحاربة في العراق، فيجب على أعضائه أن ينظروا بعين الاعتبار للنجاح الذي تحارب هذه القوات من أجله، والذي بدأ يتحقق بالفعل مؤخرا.

فالتأييد الذي لاقته جهود بعض الديمقراطيين بشأن قطع التمويل عن العراق يأتي نتيجة القناعة بخسارة أمريكا لهذه الحرب.

وقد يلتمس العذر لبعض الذين اعتقدوا ذلك في خريف العام 2006، عندما كان يبدو العنف الطائفي متصاعدا، وخارجا عن حدود السيطرة.

لكن بعد تبنى الرئيس بوش لاستراتيجية جديدة، ووضع فريق جديد داخل العراق، وتقديم موارد أخرى للجهود المبذولة، بدأ الوضع بالفعل في التحسن.

إلا أن احتمال الفشل يظل قائما، كما هو حال الحروب دائما، رغم تزايد إحتمالات النصر أيضا.

كذلك أصبحت إحتمالات النجاح أوضح، خاصة فيما يتعلق بالحرب ضد القاعدة، الذي اعتقد العديد من المعارضين لحرب العراق أنها المصلحة الأمريكية الوحيدة هناك. لذا سيكون من الحماقة وقف الدعم لجهود الحرب في الوقت الذي بدأت تظهر فيه أملا براقا في صراع توفير الأمن لجميع الأمريكيين.

العراق أهم جبهة في الحرب على العراق

لا شك أن العراق أصبح حاليا الجبهة الرئيسية للقاعدة، حيث يتدفق آلاف المحاربين الأجانب عليه، عبر شبكات التجنيد التي تملأ العالم الإسلامي، لمهاجمة جنودنا والشعب العراقي. ويعترف معظم المعارضين لمواصلة الحرب بأن التصدي لهؤلاء الإرهابيين يظل من الأولويات القومية بالنسبة للولايات المتحدة.

إلا أن البعض يرى أن الانسحاب الأمريكي سوف يقلل من جاذبية العراق للقاعدة، وبالتالي سيقل عدد الإرهابيين والخطر الذي يمثلونه.

في حين يعتقد العديدون أنه من الممكن محاربة القاعدة باستخدام قوات خاصة، وصواريخ طويلة المدى، دون التورط في "الحرب الأهلية" التي يعتقدون أنها ما زالت مشتعلة في العراق، وكلا الاقتراحين غير حقيقي.

فمحاربوا القاعدة يتدفقون على العراق لأننا هناك، ولكن أهدافهم لا تقتصر على محاربتنا فقط .

فإنهم يسعون للسيطرة على المناطق السنية في العراق، لتطبيق منهجهم الإسلامي الخاص من ناحية، ولمعاقبة العراقيين الذين قاوموهم من ناحية أخرى. وهو الأمر ذاته الذي حدث بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي وانسحابه من أفغانستان، عندما لم يتخلى الإسلاميون الراديكاليون الذين حاربوا السوفيت عن أسلحتهم، بل أنهم أضعفوا الحكومة الأفغانية ودمروها واستولوا على السلطة فيها. فالقاعدة لن تتوقف عن الحرب بعد مغادرتنا العراق، بل ستضاعف جهودها من أجل السيطرة على البلاد.

كذلك لن يكون باستطاعتنا مقاومة هذا التطور بشن هجمات مستهدفة سواء عن طريق قوات خاصة، أو صواريخ طويلة المدى. فمدخل القاعدة في العراق يختلف عن مدخلها في أفغانستان. فهي لم تنشأ معسكرات تدريب بعيدة، بل إنها تختلط بالسكان وتقترب منهم .

كما أنها لم تكن يوما بعيدة عن الصراع بين القبائل والطوائف الدينية، بل إنها شجعته واستفادت منه.

فقد استغلت القاعدة العنف الطائفي لإبعاد الشيعة عن المناطق المختلطة، وإرهاب السنة الذين لم يدعموها، وكانت مقاطعة ديالا وبغداد أوضح الأمثلة على ذلك.

أما في الأنبار فقد استغلت القاعدة غضب السنة من فقد سيطرتهم على العراق لخلق ملاجأ آمنة لها، لكن حتى في هذه المنطقة وجدت القاعدة أنه من الضروري إشعال العنف ضد السنة الذين رأوا أنهم غير ملتزمين دينيا.

وبالتالي لا يمكن حل مثل تلك المشكلات إلا عن طريق إقناع كل من السنة والشيعة بأننا سنساعدهم على محاربة القاعدة وهزيمتها. وهذا ما بدأ يتحقق بالفعل على مدار الأشهر الماضية. 

ومن ناحية أخرى أدت أعمال القاعدة القذرة في الأنبار إلى تحول قطاع كبير ومتزايد من السكان السنة ضدها.

فقد تشكل التحالف القبلي الذي يضم ثلثي القبائل الرئيسية لمحاربة القاعدة، كما يرسل شيوخ هذا التحالف أبنائهم للانضمام إلى الشرطة المحلية، التي كانت تجد منذ ستة أشهر فقط صعوبة شديدة في إنضمام متطوع محلي واحد إليها. وفي نفس الوقت تواجه الشرطة العراقية القاعدة بشجاعة، رغم محاولات تلك المنظمة لإجهاض الجهود المبذولة بشن هجمات وحشية جديدة، والتي تستخدم فيها قنابل الغازات السامة.

ولا يقتصر هذا التحول على الأنبار فقط، إذ أنه في جميع أنحاء العراق بدأ كل من السنة والشيعة في إدراك أن القاعدة هي عدو أسوء وأكثر خطورة من أي عدو آخر، وأن القوات الأمريكية والعراقية هم أفضل الحلفاء المحتملين بالنسبة لهم.

وقد بدأت مجموعة جديدة من القادة السنة المحليين في الوصول إلى الحكومة المركزية، معطين أملا في هدوء عاصفة الغضب السني التي ثارت منذ الغزو، عن طريق المفاوضات الحذرة والصابرة. كما أن العراق أيضا هي حليف في الحرب على الإرهاب، وأن عدد من مات من العراقيين خلال حربهم مع القاعدة أكثر من جنود ومدنيين أي بلد آخر، كذلك فإن التصميم العراقي على مواصلة الحرب يزداد بشكل مستمر.

لذا فمن الصعب وقف الدعم في الوقت الحالي وخذل حلفائنا العراقيين.

انخفاض الغضب السني

يجادل منتقدو الحرب بأن الغضب السني لم يعد المشكلة الرئيسية في العراق، زاعمين أن العنف الطائفي أصبح التحدي الأكبر والأصعب.

فالكراهية بين السنة والشيعة تعود جذورها إلى قرون، ولا يجب وضع القوات الأمريكية بين الأحزاب المتصارعة المتورطة في عنف له جذور سيصبح لا محالة خارج حدود السيطرة.

 إلا أن الحقائق على أرض الواقع لا تدعم هذه النتيجة، ففي بداية خطة بغداد الأمنية الحالية، أصدر الزعيمان الشيعيان البارزان مقتدى الصدر وعبد العزيز الحكيم أوامرهما لأتباعهما بدعم الخطة.

ورغم الارتفاع الطفيف في معدل الهجمات خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أنه يظل أقل من المعدلات التي سبقت خطة بغداد التي بدأت في فبراير 2007. وتعد هذه الحالة نقيضا لما شاهدناه العام الماضي أثناء عمليتي التقدم معا الأولى والثانية في بغداد، عندما وصلت معدلات القتل الطائفي إلى أعلى مستوياتها، بعد أسابيع قليلة من بداية تلك العمليات. 

زرع الثقة بين العراقيين والأمريكيين

أما مفتاح هذا التغيير، الذي ينتشر في جميع أنحاء بغداد، فهو وجود نوع من الثقة المتبادلة بين العراقيين والأمريكيين.

ففي محطات الأمن المشتركة بالحرية يعيش الجنود الأمريكيون والعراقيون معا في مبنى واحد، ويأكلون معا، ويخططون معا، ويحللون المعلومات مع بعضهم البعض، كما أنهم يحاربون أيضا معا.

يعرف السكان المحليين أنهم هناك، وأنه باستطاعتهم الاستجابة بسرعة. إنهم يثقون في أن كل من الأمريكيين والعراقيين يحاولون حمايتهم من العنف.

وتنبع هذه الثقة من الوجود المستمر للقوات الأمريكية في المنطقة، ومن الاعتقاد بوجودهم لمدة من الزمن. وكما يرى أي رجل شرطة، فإن الثقة هامة جدا للحصول على معلومات حول الأشياء السيئة التي تحدث في منطقة ما، ولن تأتي مثل هذه الثقة إلا بعمل القوات العراقية والأمريكية جنبا إلى جنب لحماية الناس الذين يعيشون بينهم.

ورغم أن المؤشرات الإيجابية الأولية تشير إلى تحرك الأمور في الاتجاه الصحيح، إلا أن التحديات التي تواجه الجهود الأمريكية والعراقية لحفظ الاستقرار ما زالت مخيفة. وتظل هناك علامات استفهام حول قدرة أو استعداد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ومجلس وزرائه على تشكيل حكومة يراها كل العراقيين حكومة شرعية.

وبكل تأكيد فإن القاعدة تحارب بشراسة، وزيادة عدد الهجمات في الأسابيع الأخيرة يعكس جهود القاعدة المدبرة لإشعال العنف الطائفي من جديد.

كما أنه يعكس أيضا المحاولة اليائسة لتثبيت أقدامها في الأنبار والمناطق السنية الأخرى التي صارت تحارب الإرهاب.

وتظهر وسائل الإعلام كل هجوم إنتحاري على أنه هزيمة للولايات المتحدة، وهى وجهة النظر التي تتمنى القاعدة أن ينظر بها إلى تلك الهجمات.

لكن هذا العدو غير إنساني بالمرة حيث يتعامل مع الانتحاريين بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع مدافع الهاون وصواريخ الكاتيوشا، أي كأنهم سلاح آخر في ترسانته يطلقه عند الحاجة. ولا يجب أن نعطي هذه الهجمات كل تلك الأهمية، فما تعنيه حقا هو أن العدو يحاربنا.

من عادة الأمريكيين السيئة الاعتقاد بأن نتيجة أي حرب تكون متوقعة، هذه الحروب تكون إما قصيرة ومصيرية ومنتصرة، مثل معركة عاصفة الصحراء، أو طويلة ومؤلمة وعديمة الجدوى، مثل حرب فيتنام .

أما الحقيقة فهي أن نتائج معظم الحروب تظل غير مؤكدة حتى تشرف على النهاية. فالصراع في العراق هو مسألة رئيسية بالنسبة لسياستنا الخارجية، ومن المؤكد أنه علينا الاستمرار في الحرب من أجل الانتصار ما دام إحتمال الفوز قائما، واحتمال فوزنا في العراق قائم رغم أنه غير مؤكد.

فالمؤشرات حاليا تبعث على الأمل أكثر مما كانت قبل عدة أشهر، لذا قد يكون الأمر مأساويا بالنسبة لأمريكا والعراق إذا توقفنا عن القتال في الوقت الذي بدأت فيه إحتمالات النجاح في الظهور.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق

المصدر: تقرير واشنطن-العدد111