سفارات أميركا بين الاعتبار الأمني والكفاءة الدبلوماسية

 

 

ريتشارد فينبورج

 

 

مع تنامي الأخطار المحدقة بالقوة الأميركية، وبتراجع مكانة الولايات المتحدة الأميركية في العالم، أصبح دور المسؤولين المهنيين في المصالح الخارجية الأميركية يتصف بأهمية قصوى أكثر من أي وقت مضى. لكن مع الأسف تشكل المقاربة المعتمدة لضمان حمايتهم، مصدر إعاقة حقيقياً لقيامهم بمهامهم. فمن خلال التحصينات المشددة التي تحاط بها السفارات الأميركية في أنحاء العالم، وانعزالها التام عن المجتمعات التي يفترض أنها تحرص فيها على جمع المعلومات الاستخباراتية ونشر القيم الأميركية، فإنه من المنطقي تماماً أن يتبادر إلى أذهاننا لجوء بعض هؤلاء المسؤولين في المصالح الخارجية، إلى مراقبة العالم من داخل مكاتبهم في واشنطن!

والحال أن عدداً متزايداً من السفارات الأميركية أصبح أكثر شبهاً بالحصون المنيعة في القرون الوسطى، حيث باتت بعيدة عن الناس ومخيفة في الوقت نفسه.

وباتخاذها لمواقع فوق التلال، أو في ضواحي العواصم، هرباً من الأخطار الأمنية وسعياً وراء مزيد من التحصن، تحيط السفارات الأميركية نفسها بطبقات من الحواجز الأمنية والجدران الإسمنتية، فضلاً عن النوافذ المقاومة للرصاص، وجيش صغير من الحرس!

وبينما يرسَلُ الدبلوماسيون إلى الخارج لجمع المعلومات حول القضايا السياسية والثقافية للبلدان، كي يتمكن المسؤولون في واشنطن من اتخاذ القرارات المناسبة اعتماداً على المعلومات الاستخباراتية المتوفرة، يضطر الدبلوماسيون إلى العيش داخل حصون منعزلة وإلى لتحرك في سيارات مدرعة، فضلاً عن عدم السماح لهم بالدخول إلى أحياء يعتبرها الأمنيون الملحقون في السفارات خطرة على أمن الدبلوماسي.

وبالإضافة إلى المهمة الأولى للسفارات والمتمثلة في الاختلاط بالمجتمعات وجمع المعلومات، هناك وظيفة ثانية لا تقل أهمية تتجلى في عملية نشر القيم والأفكار الأميركية. فهل تساهم السفارات الأميركية بوضعها الحالي في الاضطلاع بتلك المسؤوليات؟ إن مجرد انعزال السفارات الأميركية عن محيطها، لا يوحي بالثقة أو بجود نوايا طيبة، ناهيك عن نشر قيم التسامح والديمقراطية، بينما تصر على إقامة حواجز تخلف انطباعاً بالتفرقة والعسكرة.

فعلى سبيل المثال تقبع السفارة الأميركية في كاركاس، عاصمة فنزويلا، فوق تلة مرتفعة تشرف على المدينة المترامية الأطراف، وهو ما يحرم الدبلوماسيين من الاختلاط بمجتمع رجال الأعمال والمنظمات الأهلية، فضلاً عن وسائل الإعلام المختلفة التي يتعين التأثير فيها إذا كانت هذه السفارة تسعى فعلاً إلى مواجهة المشاعر المناهضة لأميركا والتي تروج لها حكومة "هوجو شافيز".

ولأنه لا أحد يقترب من الناس ويختلط بهم، فإنه سيبقى غائباً عنا التأثير الذي يمارسه "شافيز" على الفنزويليين والطريقة المثلى للتصدي له.

ولا يختلف الوضع كثيراً في نيكاراجوا، حيث تعتزم الولايات المتحدة افتتاح سفارة مهولة هناك أواخر السنة الجارية.

وخلافاً للأعراف الدبلوماسية، سيقيم السفير الأميركي بصورة دائمة في مبنى السفارة المكون من سبعة طوابق، وبسبب الدواعي الأمنية تم نقل برنامج المساعدات التنموية، الذي كان يحتفظ بمقر مستقل بعيداً عن السفارة تفادياً لربط المساعدات بالتدخل الأميركي، إلى مقر السفارة، وهو ما يعزز في أذهان الناس الفكرة الرائجة بأن المساعدات الأميركية ليست سوى أداة لممارسة النفوذ.

وإذا كان مفهوماً لجوء السفارات الأميركية إلى الاحتماء وراء التحصينات المنيعة في المدن الخطرة، مثل بغداد التي يضطر فيها الدبلوماسيون إلى العمل ضمن نطاق المنطقة الخضراء درءاً للهجمات الانتحارية والسيارات المفخخة، فإن المقاربة الأمنية تلك بالكاد يمكن تبريرها في مناطق أخرى من العالم.

ورغم ذلك أصبح نموذج السفارات الأميركية المحصنة، حتى في المدن الهادئة من سنغافورة إلى سنتياجو، القاعدة السائدة بعدما عُممت الإجراءات الأمنية في جميع أنحاء العالم. والواقع أن العديد من تلك الإجراءات المتشددة سبقت هجمات 11 سبتمبر، بل وحتى تفجيرات 1998 ضد السفارتين الأميركيتين في شرق أفريقيا.

فقد بدأت التحصينات تقام حول السفارات الأميركية منذ تفجير ثكنة لجنود مشاة البحرية الأميركية "المارينز" في بيروت عام 1983، حيث تم التركيز على الجانب الأمني وأُغفل البعد الدبلوماسي الأكثر أهمية.

وبالطبع لا يمكن التخلي عن الإجراءات الأمنية في المناطق الخطرة، كما أنه يمكن اللجوء إلى المواقع الإلكترونية التفاعلية للاستعاضة عن التقارب الحقيقي... لكن مع ذلك تظل التحصينات المبالغ فيها غير مبررة.

صحيح أننا نعيش في عالم مليء بالأخطار، لكن ذلك لا يعني التمترس خلف الجدران العالية، ذلك أنه حتى الشرطة المسؤولة عن حفظ الأمن تغادر مراكزها وتجوب الشوارع الخطرة في مدننا.

وقد أصبح رجال الشرطة اليوم مطالبين بالنزول إلى الشوارع والاختلاط بالناس، كأفضل أسلوب لضمان تطبيق القانون وحماية الناس.

هذه المقاربة هي ما يتعين على الدبلوماسيين إدراكه من خلال تغيير أسلوب عملهم والبدء في التقرب إلى الناس وإقامة التوازن الضروري بين الاعتبارات الأمنية والكفاءة الدبلوماسية، كما يتعين على الأمة أن تدرك أن الدبلوماسي لا يختلف كثيراً عن الجندي في مواجهته للأخطار المحدقة.

وفي المرة المقبلة التي يقتل فيها دبلوماسي أميركي في الخارج، على وزارة الخارجية أن تكف عن تبني نبرتها الاعتذارية وتعلن الآتي : "إن مهنيينا من الدبلوماسيين هم جنود في معارك القرن الحادي والعشرين من أجل المعلومات والأفكار. إنهم يجسدون هوية أمتنا وقيمها، وهم عبر خدمتهم لبلدهم يتعرضون في كل مدينة كبرى في العالم إلى أخطار ماحقة. لكننا لن ندع أعداءنا يرغموننا على عزل أنفسنا، ذلك أن هؤلاء الدبلوماسيين الشجعان الذين يقدمون أرواحهم خلال تأديتهم لمهامهم، يقومون بذلك من أجل الشرف والوطن".

أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كاليفورنيا وعمل في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس كلينتون

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست "-27-5-2007