توقيت سياسي

 

 

المهندس صارم الفيلي

 

لاشك ان أول الطريق إلى العلاج الصحيح لأية مشكلة ,‏ هو الاعتراف بوجودها وتوصيفها بدقة واستعراض جميع جوانبها في وضوح كامل وصدق مع النفس وتجرد وموضوعية تضع الأمور في نصابها الصحيح ومنذ البداية كان تشخيص البعض  دقيقا بخصوص تحديد الإرادات المعيقة للتحول الاجتماعي في العراق الجديد بأبعاده السياسية والإقتصادية والثقافية .

فكانت الإرادات الداخلية المعيقة تلتقي في بعض المساحات مع مثيلاتها الخارجية على قاعدة المصلحة , أو انطلاقا من خلفيات أخرى تؤدي بها إلى رفض التحول الديمقراطي في العراق  .

دون أن نهمل المستوى الآخر من المعيقات وأقصد استدعاء التناقضات الأقليمية والدولية لتأثيراتها لتتجسد على  الساحة العراقية  وتتقاطع مع الحراك السياسي والدستوري في ميدان العمل الوطني من جهة , ولتغذي بدورها الإرادات الداخلية المضادة بدرجاتها المتباينة والتي كانت تتحرك من الرفض الكامل للعراق الجديد ونية العودة إلى المربع الأول وبين من كان في موقع المتردد أو المتشكك من جدوى مشاركته وحجمها فيه لتشكيل المصاديق المتعددة للمنجز الوطني .

ولذلك لايمكن إلقاء مسؤولية الإرهاب بالكامل على  بعض دول الإقليم أو دول خارج الإقليم ,لأنه مهما كان حجم التدخل الخارجي كبيرا فإن  تأثيراته تظل في إطار هامشي ومحدود في ظل عراق تكون كل قواه ومكوناته متصالحة في  إطار أهداف متفقة عليها تحقق الصالح المشترك وتحفظ للوطن وحدته ومنعته .

فقاعدة الاتفاق على أهداف مشتركة تضمن للسياسة الواقعية أفقا للحركة  باتجاه تعميق التوافق الوطني واستغلال التوقيت السياسي الداخلي والدولي لتحريك ما مجمد من مطالب وطاقات . والتوافق لا يعني الاتفاق الكامل على كل صغيرة وكبيرة. فالاختلاف ,  فضلاً عن أنه طبيعي , فهو أيضاً ضروري لتقدم المجتمعات بإفساحه المجال لبدائل متعددة لمواجهة المشاكل , ولكن التوافق - وإن لم يتطلب هذا الاتفاق الكامل - فإنه يفترض أيضاً قبولاً للخطوط العامة لتوجهات المجتمع العراقي , وإن للجميع حقوقاً متساوية في تحديد مستقبل هذا الوطن , وليس لفئة أو اتجاه الحق في مصادرة حقوق الآخرين واختياراتهم داخل الإطار الوطني .

والتوقيت السياسي الخارجي يشير إلى  وجود فسحة زمنية بدأت تضيق بسرعة أمام الأطراف الخارجية المؤثرة في الملف العراقي تدفع بها هي الأخرى لتحقيق توافقات تناسب أوضاعها ومصالحها . فأميركا  وهي اللاعب الخارجي الأبرز بحكم الواقع الموضوعي  على الأرض العراقية، تشهد نظاما وشارعا سياسيين منقسمين بصورة حادة , ناهيك عن ضغط عامل الزمن الانتخابي المقبل ما يحتم عليها أن تتحرك في مسارات سياسية إجبارية خلال افق زمني محدود.

هذا أعطى دفعة إضافية للقناعات التي ربما توصلت لها بالأساس بعض دول الإقليم المتورطة يشكل وآخر بالشأن العراقي على ان عراقا غير مستقر أو يشهد فراغا أمنيا  في المقطع الزمني المقبل، سوف يتحول الى عامل تهديد لكل جيرانه , ويمكن أن يكون لذلك تداعيات على التوازن الداخلي لبعض البلدان  .

في تقديري يجب أن تنفعل جميع الأطراف السياسية العراقية في هذا المفصل الدقيق مع مايلوح في الأفق  , وأن تنطلق إلى موقع الفعل لتحريك الموقف السياسي - وهذا يبدو حاصلا - , بأن يدفع الكل جزءاً من  ثمن بناء سياج الأمن والحفاظ على وحدة العراق وهذا يبدأ بترسيخ العمل بين جميع القائمين على العملية السياسية , واتباع آليات المرونة بغية تذويب  بعض المواقف الصلبة  تمهيدا للالتقاء في نقطة تضمن  حقوق الجميع . وهنا يجب تجنب  خطابات التصعيد السياسي وخطابات الإثارة الطائفية في المؤسسات الرسمية وكذلك في ما يتصل بالمقابلات الفضائية للمسؤولين، لما كانت تثيره في النفوس من توجس ومرارة وفي المجتمع من إهتزازات تعمق من شدة الاستنفار والاستقطاب في ساحته .

وأن ينطلق جميع الرسميين من مواقع النية الحسنة  بالتحرك بصدق كي يعطى للتسامح أفقه المناسب .

لا أن يراوح البعض في دائرة الترديد اللفظي بمعاداة الطائفية ولا يعمل في تفعيل المفهوم في أرض الواقع.

وليكن الهدف الستراتيجي هو الكسب المتواصل والواعي والحكيم للمزيد ودفعهم إلى ساحة العمل الوطني , بغية تضييق المساحة على الإرهابيين والقتلة  الذين يعملون بوسائلهم المنحرفة لهدف تطويع إرادة العراقيين , لتحقيق ما هو ذهني منعكس في دواخلهم من مطالب غير مشروعة ومستغرقة في حلم العودة إلى المربع الأول .

لأن الإرهاب الأسود وفي كل دول العالم لايحاور إلا بلغته التي اختارها ليحصل من خلالها على مكاسب غير مشروعة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-27-5-2007