المثقف والاستلاب السياسي

 

 

سعد مطر عبود

 

 

ان الخروج من الازمة المعاصرة يقتضي وعياً تجديدياً به يقع تجاوز المرحلة النكوصية التي طابقت بين الهوية وتجربة الماضي وبه يكون الدخول الى العصر بفكر معاصر ينظر من خلاله الى الماضي والحاضر والمستقبل في سياق معقلن وموصول والمعضلة الاساسية اليوم هي تلك الفجوة التي زرعها النظام المباد بين السلطة والمواطن بحيث تحولت فيها السلطة الى”طوطم“ اختزلت قدسانية المقدس الشرعي وافرغت وعي المواطن من محتواه المعرفي ليكون”روبوتا “ تسيره في اتجاهات لا يفهم قصديتها واخرجت المثقف من دائرة حراكه، لكي لا يخترق تلك الاتجاهات ويعيد تشكيل الوعي لدى المواطن فكبلته بمحرمات سلطوية، وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها لتحصل على ديمومتها في الفراغ الثقافي واستثمرت ما تبقى من الابداع الفكري او الادبي او الفني ليصب في وديانها.

النكوص الى الماضي والاحتماء بامجاده وايامه السعيدة اولوية شائعة في حالات الفشل، فالطفل الذي يعاني من آلام الحاضر نتيجة احداث غيرت مكانته وقيمته في نظر نفسه، يعود الى الماضي الطفلي، ايام كان صغيرا يحظى بالحب والحنان والرعاية والرضا، وهو يعود الى ذلك من خلال النكوص السلوكي الى عادات سابقة والشيخ الهرم الذي لم يعد له حاضر ولم يبق له امل في الغد يهرب من واقعه المؤلم في الماضي حيث يستعيد ذكريات الشباب وامجاده والفشل على كل صعيد حياتي بشكل يمس القيمة الذاتية والاعتبار الذاتي يدفع بصاحبه احيانا اذا اوصدت امامه ابواب المستقبل، الى الاحتماء بماضيه، وخصوصا تلك الفترة الاكثر اشراقا منه، وكلهم يجد في تلك العودة تعزية وملاذا وكلهم يبعد عن نفسه تهديد انعدام القيمة بالاحتماء بالقيمة التي كان يتمتع بها ماضيا.

وكلهم يستبدل الصورة البائسة من الوجود الراهن، باكثر الصور مجدا واشراقا من الماضي.

ويشكل التمسك بالتقاليد اولوية دفاعية بالقدر الذي يتيح تصريف العدوانية المتراكمة نتيجة للقهر المفروض على الانسان المستلب، الأوجه الدفاعية للتمسك بالتقاليد والطائفية عديدة ومتنوعة ابرزها التحصن بتلك التقاليد وتلك الطائفية للشعور بالحماية ضد التهديد الخارجي ضد خطر الذوبان والملفت للنظر ان المتسلط يؤكد على الطائفية والاعراف والتقاليد القبلية ليبقى يتمتع بامتيازاته وليجعل المواطن البائس والمستلب ان يقبل بالامر الواقع.

وعقيدة المتطرف تستمد من المخزون التاريخي بمحاكاة الصور الخارجية لرموز الدين وابطاله بعيدا عن قراءة نظام القيم والمثل الذي يصاغ على اساسها بناء الشخصية. حينئذ سيتورط ورثة التاريخ الديني باثقال التضخيم التاريخي فيروعهم ان قمصان التاريخ لم تكن مفصلة على قياس جسومهم الهزيلة وبذلك يقع المتدين غالبا في مأزق التوفيق والمواءمة بين انتصارات الماضي وهزائم الحاضر لا سيما مع افتقاره لضبط المسافة بين الممكن والمستحيل بسبب تجاهله او جهله بالشروط الموضوعية لتحقيق الذات الدينية التي لا يمكن استثناؤها عن السنن التاريخية وقوانين المجتمع.

ومن الاسباب التي تكمن خلف هذه الظواهر التي تعيق التقدم والاستقرار ”الاستلاب السياسي“ فالاستلاب هو اغتراب الناس عن الحياة السياسية يعادل الانعزال والتقوقع والانكفاء وترك السياسة الى الفئة الحاكمة لتفعل ما تشاء وما تريد وليس غريبا ان تسعى الفئة الحاكمة على مر التاريخ الى احتكار السياسة والفعل السياسي ضمن اطارها وفعاليتها، كما انه يصبح بديهيا ان يناضل الناس ايضا باستخلاص حقوقهم بالعمل السياسي والممارسة السياسية، وما توصل بعض المجتمعات الى صيغة المجتمع المدني الا محصلة لهذا النضال فالمجتمع المدني باحزابه المتعددة الالوان، وجمعياته ونقاباته ووسائل اعلامه، يقف في وجه طغيان السلطات ويتوقف زحفها على الحقوق السياسية والاجتماعية كما يوفر للمجتمع ضمن صيغ دستورية الحيوية والتفاعل والتطور نحو الارقى، من اجل الوصول الى المجتمع المدني الديمقراطي ولابد من مكابدة عسيرة وشاقة وعبر الولادات العسيرة والاجهاضات المتكررة وقد لا تتوصل نهائيا عبر مدى منظور لمرحلة تاريخية معينة، فالاستلاب السياسي ظاهرة مزمنة وخطيرة لعل ابرز تجلياتها حين تدمر مصالح الشعب او ينتشر الفساد في جهاز دولة ما، بشكل مريع بينما المواطن العادي وصل الى درجة من السلبية واليِأس والعجز، ان الاستبداد يؤدي الى تغييب العقل والعقلانية في الممارسة السياسية والاجتماعية، ويظهر البديل عنه ردود الفعل العفوية والانفعالية والارتكاسات الشعورية واللاشعورية وسيطرة الخرافة وبالتالي الجهل، حيث تزداد الممنوعات في ظل الاستبداد ولا سيما ما يخص المناطق الحساسة التي تمسك باعناق المواطنين تزداد بالتالي المساحة المسكوت عنها، يسود الصمت.

نستنتج مما تقدم ان كل تلك العوامل تشكل ضغوطا على الفرد العراقي، وصدمة نفسية تجعله واقعا تحت تأثير النزعة القبلية والطائفية ويخضع لانزياحات لا شعورية تشكل سلوكه وفق مقتضيات الحاجة ومتطلبات الغريزة.

فأين دور الثقافة والمثقف في اخراج ذهنية الشخصية العراقية من التحيز الطائفي والقبلي الى هوية المواطنة والانفتاح على الاخر، واحترام التنوع واعتماد الحوار في الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي؟.

يؤكد افلاطون ان المثقف هو ذلك الذي تفرغ بالكلية للتأمل المجرد والتفكير في العلل والمبادئ الاولى، وبلغة اخرى ذلك الذي يتفلسف طلبا للتشبه بالالهة طلبا لمعرفة الحقيقة في حد ذاتها ولذاتها، والمثقف لدى السوفسطائيين الذين سبقوا افلاطون هو الرجل الفصيح المجادل ذو البلاغة العالية الذي يسعى الى اشاعة ما يمكن تسميته الفضيلة السياسية عن طريق”علم البيان، الخطابة، سحر اللغة، البلاغة “ ولكن سقراط يعرف المثقف هو الشخص الذي يمتلك خاصية توليد الافكار وفي تعريف ديكارت للمثقف هو ذلك الانسان الذي يمتلك الحس الاشكالي اي التسلح بالحذر الفلسفي خلافا لما تتسم به العامة من تعجل وانبساط مع المواضيع التي تريد الخوض فيها، اما نيتشه فيصف المثقف بانه ذلك الفرد المتجاوز لذاته، والثقافة النقدية عند كانت تمارس دور الرقابة اي رقابة العقل على العقل حتى لا يسقط في ما يسميه كانت ”بيداء الوهم“ فالفعل الفلسفي حسب كانت يكمن اساسا في تفكيك العقل وهو يعمل اي الوقوف على آليات المعارف. والمثقف يمارس ادواره التأريخية بمواجهة الموقف بتحويل الطاقة اللاشعورية ”اللبيدو“ الى طاقة ابداعية مجسدة في صورة شعرية او لوحة فنية او مشهد مسرحي درامي ، وهو الذي يحرك في داخل المتلقي الطاقة الانفعالية المخزونة ”المكبوتة“ ويحرر جوانبه بقبول التغيير وينمي لديه خاصية التأمل ويشذب مشاعره واحاسيسه ويجذبه الى التفاعل مع الاخر وقبول شراكته في الحياة.

فالمثقف القاص يمرر المتلقي بمراحل التحول من خلال تقنيات السرد والحبكة والصراع والذروة لامتصاص معطيات الثيمة القصصية وتمثيلها في سلوك حضاري من خلال الاندماج والتوحد مع الاخر، ويكون المتلقي معادلا موضوعيا للشخصية الرئيسية والنموذج القصصي بردمه لثغراتها والتفاعل معها.

اما المثقف الفنان فهو الذي يكشف عن وجه الحياة ويخرج ذهنية المتلقي من زنزانة التعويم والتماهي في سديمية الجهل والتخلف فمن خلال اللوحة والالوان والخطوط التعبيرية يشبع المتلقي فضوله المعرفي ويحرر وجدانه ويرفض اشكال القبح والشر ويكون مستعدا لخوض غمار الجمال. وكذلك المثقف المسرحي الذي يكشف للمتلقي جوانب غامضة في الحياة ويبصره ان الحوار هو الطريق الحقيقي لبلوغ التفاعل والتواصل مع الاخر.

والاعلامي يبرز الحدث ويكشف عن خفاياه وينسج من خلال الصورة التلفازية او من خلال التكنيك الاخباري ابعاد الحقيقة.

ومن خلال هذه الادوار الابداعية والثقافية يخلخل المثقف جدار التحيز الفئوي باعادة تشكيل الوعي بهوية المواطنة وفق آليات النهج الديمقراطي الذي طرحه النص الابداعي شعرا وقصة وفكرا وتشكيلا وتجسيد ذلك بالنموذج الثقافي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق

المصدر: جريدة الصباح-27-5-2007