الحوار الأميركي - الإيراني : إسقاط فرض أم ممكنات نجاح؟

 

 

جابر حبيب جابر 

 

 

بعيداً عن التوهمات الآيديولوجية التي يحأول الكثير من المراقبين العرب إضفائها على طبيعة الصراع في العراق، إلا انه كان وما زال صراعاً على القوة والنفوذ بامتياز، ليس بين المشاركين في هذا الصراع أشرار وأخيار بالمعنى المطلق، كما ليست هناك حدود واضحة تماماً تخضع لاتفاق الجميع حول من يمارس الظلم ومن يتعرض له، لكن الشيء الأكيد أن الجميع متورطون، والجميع أرادوا استثمار هشاشة الوضع العراقي لتحقيق مكاسب أو لدرء مخأوف أو لربح نفوذ تفاوضي، أو لمجرد البحث عن دور.

الى حد كبير، وصل الأميركيون الى إدراك مفاده أن من العصي عليهم حسم الصراع لوحدهم، وأن العراق أعقد من أن يكون خاضعا لمنطق السلام الأميركي بشكل مطلق، فهناك إرادات نازعت الإرادة الأميركية كما تنازعت في ما بينها، وفي أتون هذا الصراع كان الأميركيون أكبر الخاسرين لأنهم الغرباء في أرض لا يعرفون تضاريسها، وبين ظهراني ثقافة يجهلون طلاسمها، وفي منطقة عرفت بصحرائها الشاسعة التي لا يعلم دروبها غير أبنائها.

وفي الوقت الذي يحاول فيها السياسيون في واشنطن الوصول الى تسوية لتمويل الفاتورة الأخيرة في حرب بوش، وفي البحث عن مخرج من مستنقعات هذه الحرب غير مجرد «البقاء حتى النصر»، يحاول الديبلوماسيون الأميركيون البحث عن قواعد لفض اشتباك الإراداتو تمهيدا لما يبدو انه رحيل مقبل.

لذلك يتحاور الأميركيون مع كل «المتورطين» وفي غضون ذلك، ما زالوا يمسكون بأهم خيوط اللعبة العراقية، فبعد كل شيء هم وحدهم القادرون على ضمان أي مخرج للمأزق الذي صنعوه بأنفسهم.

والحوار الذي سيجري غداً مع إيران على مستوى السفراء يوحي أيضا أنهم يريدون الكف عن سياسة تجاهل وجود إرادات فاعلة لها مخاوفها ومطامحها وقدرتها على أن تخرب أي مسعى أميركي للحل وربما تجعل الخروج مكلفا كما أمسى الدخول.

ربما يعتقد البعض أن عقد الحوار على مستوى السفراء يضعف أمكانية الوصول الى تسويات بسبب تدني حجم التمثيل، لكن هذا المأخذ هو بحد ذاته قد يكون سببا للوصول الى تسوية إذ إنه يخرج الحوار من الهالة الدعائية وتسليط الضوء الإعلامي الذي قد يحصل إذا ما جرى على مستوى أعلى ويفسح المجال أمام نقاش هادئ بعيد نوعا ما عن الأضواء، وتوحي الكثير من تجارب المنطقة بأن المفاوضات خلف الأبواب المغلقة تعطي نتائج أكثر نجاعة من تلك التي تجري في العلن لأنها لن تفرض على كل طرف التمظهر الدعائي وكأنه في موقع القوي الذي يملي الشروط وقافزاً بغرور على توازنات القوى.

مع ذلك فان هناك الكثير من الأسباب التي تجعل بالإمكان المراهنة على الحوار القادم على الأقل في إضعاف صراع الإرادات الجاري على الأرض العراقية، الأول أنه يجري في مناخ إقليمي بدأ يتلمس أن اللعب بالنار العراقية قد بلغ نقطة حرجة، وأن استمراراً بالنهج الحالي سيؤجج هذه النار لتحرق الجميع إذا لم تتم محاولة احتوائها.

 إن المراهنة على الأميركيين في الإمساك بالوضع العراقي، وفي نفس الوقت عمل كل شيء لجعل هذا الإمساك عسيرا، هي مراهنة يتعداها الزمن، فالولايات المتحدة لم يعد في جعبتها الكثير من الصبر وهي قد تضطر الى إفلات الوضع برمته وترك شراراته تتطاير هنا وهناك أو الى الاصطدام بكل من يجعل حياتها صعبة في العراق، وبين الخيارين محاولات للتفاهم لا بد أن يتشبث بها المتعقلون.

الحوار يمثل اعترافا أميركيا بالدور الإيراني في العراق، وهو ما يرضي بعضا من الغرور الإيراني أو الشعور المستتر بالتهميش بفعل إحساس الإيرانيين بأن الولايات المتحدة تحاور الجميع حول العراق إلا ايران، مما يدفع طهران الى مد المزيد من الأصابع في الوضع العراقي لتأكيد أنها محطة لا يمكن تجاوزها.

رغم أن التعويل على هذا الحوار يتأتى من كون طرفيه هما اللاعبين الأهم في الساحة العراقية وأن فتح باب الحوار الموصد بينهما منذ ثمان وعشرين سنة والوصول الى توافقات من شأنه أن يحل جزءا كبيرا من إشكالات الواقع الراهن، فإن النجاح بإيجاد تطمينات وبناء حد من الثقة سينأى بالساحة العراقية ويحيدها من أن تظل ميداناً لصراعات الطرفين، إلا أن هناك بالمقابل من يشكك في جدوى هذا اللقاء، إذ يجد أن لا سبب يدعو إيران الى أن تفكك الملفات وتجزئ النقاش وأن تحل مشكلة الأميركان بدون أثمان، أو يدعوها لفقدان فرصة إسقاط الإدارة الجمهورية الحالية المعادية لها لمصلحة إدارة ديمقراطية ستكون أقل جنوحاً نحو سياسات القوة، أو للتخلي عن فرضية أثبتت صحتها وهي أن عراقا غير مستقر يقابله أمريكاا مقيدة اليدين ومعاقة عن الفعل.

ولكن الذي يرد على ذلك مسألتان: إحداهما ما بدا من مبررات أعطيت من الجانب الإيراني لهذا اللقاء بأن إيران لا تريد بخطوتها هذه أن تساعد الاحتلال في البقاء في العراق، بل تساعده في الخروج، وتوصيف المرشد الأعلى خامنئي بأن أميركا تقيد يد الحكومة العراقية بغية إفشالها، والمسألة الأخرى أن التناقض الذي عاشته إيران تجاه الوضع العراقي لحظة سقوط النظام، هو نفسه عاشته لاحقاً ولكن بشكل مختلف ظاهرياً لا جوهرياًُ، فإيران كانت ما بين فرحها ورغبتها بالتغيير وبإسقاط نظام عدو لها، ومرارة كون سقوطه تم على أيدي الأميركان وان ثمنه جلبهم لجوارها، وهذا التناقض هو الذي ظل يحكم سياستها فهي من جهة تريد أن تساعد الحكومة العراقية التي تهيمن عليها قوى سياسية صديقة لها ومن جهة ثانية تحدوها الرغبة لإفشال المشروع الأميركي. إلا أن هذا التناقض بتقديري أوصله الواقع العراقي المتدهور الراهن الآن الى نقطة الحل، حيث بات الوجود الأميركي في العراق مسألة زمن، ولا بد بالتالي من مساعدته عبر إيجاد مقدمات الاستقرار المسهلة لخروجه، وهذا الاستقرار عينه مطلوب أيضا لمساعدة الحكومة العراقية لتجنبيها السقوط أو الفشل بما يفضي الى الإتيان بخيارات جلها ستكون ضارة بإيران.

بجانب أن أي تحسن يفضي اليه تعاون إيراني جاد سينعكس بايجابية على الوضع الاقليمي الذي بات يعاني من اختناقات خطيرة مضافة، اذ ان من شأنه ان يخفف من تزايد الاحتقان الطائفي في المنطقة الذي لن يكون في مصلحة إيران على المدى البعيد، اذ أنه سيوجد ضدها جبهة إقليمية ذات توجه طائفي مضاد لها والتي ستشكل فضاء متجاوبا ومتعاطفا وربما متعاونا مع أي سياسات هادفة لتحجيمها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-27-5-2007