السياسة الأميركية و انعكاساتها على مستقبل العراق

 

 

د .ظاهر محمد صكر الحسناوي

 

 

في الرابع والعشرين من آذار 2007 قرر مجلس النواب الاميركي رصد الاموال اللازمة لتمويل الحملة العسكرية الاميركية في العراق لكنه ربط ذلك بشرط جدولة انسحاب القوات الامريكة منه خلال عام 2008 خلافا لرغبة الرئيس جورج دبليو بوش الذي يرفض باصدار وضع اي جدول زمني للانسحاب من العراق تحسبا لانعكاسات ذلك بشكل خطير على الامن والمصالح الاميركية وهنا سنحاول ان ننظر الى هذا القرار وانعكاساته على مستقبل العراق السياسي من عدة زوايا هي :

1- من وجهة نظر الرئيس بوش ان وضع اي جدول للانسحاب من العراق قبل تحقيق الامن والاستقرار فيه وقبل اكمال بناء القوات المسلحة العراقية وجهوزيتها الفاعلة للمحافظة على استقرار الاوضاع في العراق من شانه توجيه رسالة الى تنظيم القاعدة والقوى الارهابية بان تعمل على الاستتار مرحليا واكتناز امكانياتها الى مرحلة ما بعد الانسحاب لتنقض من جديد على العملية السياسية ونسفها من الجذور ومن ثم تحويل العراق الى أكبر قاعدة للارهاب في العالم فضلا عن اغراق العراق وربما المنطقة برمتها في حروب داخلية وتفكيكها الى كيانات سياسية هزيلة الامر الذي سينعكس سلبا على المصالح الاستراتيجية الاميركية كما ان مثل هذا الانسحاب من شانه ايضا ان يبعث برسالة خاطئة الى القوى المعادية للولايات المتحدة التي قد تنظر اليه على انه ثمرة (لجهادها) وانتصارا لها على الولايات المتحدة وقد يشجعها ذالك على توسيع نطاق الحرب ليشمل المصالح الاميركية داخل الولايات المتحدة وخارجها .

2- من وجهة نظر دستورية فان الامر لم يحسم بعد ،فما زال بيد الرئيس بوش سلاحا نوه باستخدامه لاجهاض هذا القرار الاوهو حق النقض (الفيتو) وعلى وفق السياق الدستوري يمنح الرئيس مدة عشرة ايام بعد مصادقة مجلس الشيوخ على القرار للتوقيع عليه او نقضه واعادته الى الكونجرس لمراجعته وفي هذه الحالة يقتضى الامر الحصول على ثلثي الاصوات في الكونجرس لاقراره مرة اخرى وهنا قد ينتهي القرار الى الفشل فبالرغم من ان الحزب الديمقراطي المعارض للرئيس يمتلك الاغلبية البسيطة في الكونجرس الا انه لايمتك الثلثين من الاصوات فاذا ماوقف نواب الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه الرئيس ايضا ضد القرار فسيكون مصيره الفشل حتما .

3- من جهة نظر الكونجرس الذي يمتلك فيه الحزب المعارض الاغلبية فليست هذه حالة جديدة او غريبة في تاريخ الولايات المتحدة فقد حدث مثل ذلك مرات عديدة في السابق، فقد واجه الرئيس وودرو ولسن خلال الحرب العالمية الاولى وهو من الحزب الديمقراطي ،اغلبية برلمانية جمهور ية في انتخابات الكونجرس عام 1918 التي سيطر فيها الجمهوريون على مجلسي النواب والشيوخ ،وقد اثار الرئيس ولسن غضب الكونجرس بتفرده باتخاذه القرارات خلال الحرب وتجاهله للكونجرس وعدم اشراك زعماء المجلس في الوفد الاميركي الى مؤتمر فرسايا لامر الذي دفع الكونجرس من بين اسباب اخرى الى رفض التصديق على معاهدة الصلح كما رفض الاعتراف والمشاركة في عصبة الامم التي هي ثمرة جهود الرئيس ولسن نفسه نكاية به وبحزبه وبالتالي التمهيد لفوز مرشح الحزب الجمهوري هاردنغ في انتخابات سنة 1920 .وفي عام 1932 .واجه الرئيس الاميركي هربرت كلارك هوفر خلال فترة رئاسته (1930_ 1933) وهو من الحزب الجمهوري ايضاً ،اغلبية برلمانية ديمقراطية كما هو الحال اليوم مع الرئيس بوش ،وكانت الازمة الاقتصادية العالمية في ذلك الوقت (1929_ 1933 ) تعصف بالاقتصاد الاميركي بشكل لم يسبق له مثيل اذفاقت خسائر الاقتصاد الاميركي فيها خسائر الاقتصاد الاميركي فيها خسائر هذا الاقتصاد في الحربين العالميتين مجتمتين بعدة اضاف ، وفي ظل تلك الظروف القاسية تغلبت المصالح الحزبية الضيقة على المصالح الوطنية اذ عملت الاغلبية الديمقراطية على عرقلة جميع المساعي التي بذلها الرئيس هوفر للحد من تاثير الازمة الطاحنة وتركته وحدة يتحمل تبعة الاخفاق .وهناك حالة اخرى جديرة بالملاحظة تلك هي حالة الرئيس ترومان الذي تراس الولايات المتحدة في الفترة (1945_ 1952) وهو من الحزب الديمقراطي ،عندما واجه اغلبية جمهورية في الانتخابات النصفية عام 1946 فكان من المتوقع ان يشتد الصراع بين الكونجرس والبيت الابيض ولكن تطورات الاوضاع الدولية وظهور بوادر الحرب الباردة القى بظلاله على مجمل السياسة الاميركية وتبين انه مهما بلغت حدة الصراع بين البيت الابيض والكونجرس فانها لابد ان تقف عند حدود معقولة فالسياسيون لايسترسلون في معارضتهم للرئيس الى الدرجة قد تزعزع سلامة الدولة، فمن الوجهة القانونية البحتة يملك الكونجرس المعارض امكانية حرمان الرئيس من شتى الاعتمادات المالية،الا ان العقلاء في الكونجرس يرون ان السياسة سليمة العواقب هي ليست التطرف في العرقلة والذلك قلما تشتد وطاة الصراع بين الطرفين وهذا ما حصل بالفعل مع الرئيس ترومان عندما قدم مشروع مارشال الى الكونجرس حيث لقى المشروع تاييدا صادقا من زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ المستر فاندنبرغ ،الذي اقنع اعضاء حزبه في المجلس بانه ليس من مصلحتهم ان يعارضوا الرئيس فيما يقترحه ، لانه اذا لم يوافق  الكونجرس على المشروع ثم ترتب على ذلك فوز الشيوعيين في الانتخابات الايطالية التي كان من المقرر اجراؤها عام 1948 فان الشعب الاميركي سيحمل اعضاء مجلس الشيوخ المعارضين للمشروع المسؤولية المباشرة عن الكارثة الايطالية المتوقعة .وهو الحال نفسه الذي ينطبق على العراق فيما اجبر الكونجرس الرئيس بوش على سحب القوات الاميركية وتمكن المتطرفون والقاعدة من السيطرة على البلاد وفي السياق نفسه كانت الاغلبية الديمقراطية تسيطر على الكونجرس عام 1990 وقد عارضت مشروع الرئيس بوش (الاب) بتزويد مصر والسعودية بالسلاح لكن الكونجرس تراجع عن هذا الموقف بعد غزو العراق للكويت ووقف الى جانب الرئيس في كل قراراته المتعلقة بشن الحرب على العراق عام 1991.

4- ومن وجهة نظر حزبية وانتخابية ايضا فأنه من المفترض ان الرئيس الذي يفقد حزبه الاغلبية البرلمانية في الانتخابات التي تجري في منتصف رياسته بانه سيخذل حتما عندما يتقدم لاعادة ترشيح نفسه بعد مضي سنتين ،لكن هذا الافتراض لا ينطبق على الرئيس بوش لانه استنفذ هذا الاستحقاق الانتخابي ولايحق له الترشيح لمرة ثالثة ،وبالرغم من جود اغلبية ديمقراطية اليوم في الكونجرس الا ان اتخاذ مثل هذا القرار قد يصب في صالح الجمهوريين في الانتخابات المقبلة وفوز جمهوري اخر بالرئاسة اذا ما ترتبت عليه نتائج مضرة بالمصالح الاميركية وهذا ماحصل مع الرئيس الاميركي الاسبق ترومان الذي حول معارضة الاغلبية الجمهورية لسياسته الداخلية الى سلاح انتخابي بيده في حملته الانتخابية الثانية، ومن ذالك قيام الكونجرس باتخاذ قرارات كان ترومان يعارضها بشدة مثل قانون خفض الضرائب الذي استخدم ترومان حق الفيتو ضده ثلاث مرات وكذلك القانون تافت- هاردلي الذي يمنع الاضرابات العمالية وقد استغل ترومان قيام الاغلبية الجمهورية في الكونجرس باصدار هذه القرارات بالرغم من معارضته لها ووجه الى الكونجرس انتقادات شديدة خلال حملته الانتخابية الامر الذ ساعد على فوزه برئاسة ثانية .واذا نظرنا الى هذا القرار من زاوية سياسية انتخابية بحتة سيبدو لنا ان كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري يحاول ان يوظف قضية الانسحاب لصالحه في الانتخابات الرئاسية في العام القادم فالديمقراطيون يريدون تمهيد الطريق امام رئاستهم المقبلة اذا ما فازوا في الانتخابات ويتخلصوا من مشكلة العراق وتبعاتها ،والجمهوريون بما فيهم الرئيس بوش وبغض النظر عن المصالح الاميركية والاعتبارات الاخرى التي ذكرناها يرون ان البقاء في العراق وامكانية تحقيق النصر على الارهاب فيه سيوفر لهم فرصة ذهبية للفوز برئاسة جديدة.

5- ومن وجهة نظر عراقية يمكن القول ان هناك انقساماً في الرأي بشأن الانسحاب الاميركي المقترح وهناك خلاف ليس على المبدا نفسه وانما على التوقيت فقط ، فليس هناك من يرغب بيقاء الاحتلال ولكن هناك من يخشى من عواقب انسحاب مستعجل قد تؤدي الى نتائج خطيرة على الاوضاع في العراق وعلى مستقبله السياسي ، حتى ان بعض القوى السياسية العراقية التي كانت تناوي بخروج المحتل ليل نهار ، نراها اليوم قد تراجعت عن هذا الموقف بعد ان ادركت ان التوازنات الداخلية ليست في صالحها بعد خروج المحتل فاضطرت الى تغيير سياساتها وستراتيجيتها بناء على ذلك وعلى اية حال فان القوى الداعية الى الانسحاب (وهي القوى المتفائلة) ترى فيه انتصارا لها على المحتل ، اما القوى الداعية الى انسحاب مؤجل من العراق لحين استقرار الوضع فيه (وهي القوى المتشائمة) فهي ترى ان الانسحاب المتسرع من شانه ان يؤدي الى كارثة حقيقية في العراق .ومهما كان الامر فليس من الصواب ان يبقى مصير العراق معلقا على قرارات الادارة الاميركية ، بل ان من مصلحة جميع الاطراف عراقية كانت ام امريكية ان يتم حسم هذه القضية لصالح العملية السياسية الجارية في العراق اليوم باسرع وقت ممكن حتى لايبقى امن العراق ومستقبله السياسي سلعة رائجة في سوق الانتخابات الاميركية لاسيما ان تباشير الخطة الامنية باتت تلوح في الافق ، ولكن في اسوا الاحوال على العراقيين ان يدركوا قبل غيرهم ان مستقبل وطنهم مازال بين ايديهم هم وليس لغيرهم اذا ما تخلوا عن الشعارات الجوفاء وانتهجوا سبيلا عقلانيا في حل خلافاتهم بعيدا عن العواطف والاهواء صحيح ان التاريخ يشهد ان الاميركيين لايتخلون عن اصدقائهم وحلفائهم بسهولة ، لكنهم ربما يغيرون سياساتهم اذا ما اضطروا الى الوقوف عند حد معيين ، فقد شطروا برلين الى شطرين بعد الحرب العالمية الثانية ،ثم حصل هذا في الحرب الكورية اوائل الخمسينيات عندما عجزوا عن تحقيق نصر حاسم على الشيوعيين في الشمال فقسموا كوريا الى قسمين وما تزال على هذه الحال ،وحدث مثل ذلك في فيتنام ايضا ،وفي ذلك عبرة للاخرين فقد يتكرر هذا في العراق غدا او بعد غد وكل الذين ينادون بوحدة العراق مطالبون باثبات صدق نواياهم قبل ان تحل الفاجعة فيلعنهم التاريخ على سوء ما فعلوا .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-24-5-2007