صناعة الأدوية بين الربحية والاعتبارات الإنسانية

 

 

 

سؤال قلما يثيره أحد عندما يلج الممارسة الطبية: ماذا تفعل عندما يأتيك مريض غير قادر على الدفع؟ بعض الأطباء يرفضون ببساطة رؤية المرضى، أو الكشف عليهم، متذرعين بتكاليف الحياة الباهظة والمسؤوليات المتعددة. لكنني ترعرعت في منطقة ريفية بولاية "أوهايو" الأميركية، حيث يعيش عدد غير قليل من الفقراء الذين يعجزون عن دفع النفقات الصحية لهم ولأولادهم. ولم تكن أمي، التي كانت طبيبة للأطفال في الولاية، تتصور أنها قد ترفض يوماً علاج طفل مريض فقط لأن والديه غير قادرين على الدفع. فقد كان 20% من المرضى الذين يتوافدون على عيادتها خارج التغطية الصحية، وكان أكثر من نصفهم خاضعاً لبرنامج الرعاية الحكومي، الذي يقدم تعويضات زهيدة للأطباء، وبالتالي يرفضه معظمهم. ومع أن بعض المرضى لم يحفظوا الجميل، ومنهم من لم يكن فقيراً حقاً، إلا أننا كنا نعتمد على عمل والدي المتخصص في المسالك البولية لتعويض ما كانت تقوم به والدتي.

والواقع أن الرسالة التي حرص والداي على توصيلها وظلت معهما طوال ممارستهما الطبية كانت واضحة: نحن نزاول مهنة الطب ومعها تأتي مسؤولية أخلاقية لا مفر منها. لذا تعلمت أن جزءاً أصيلاً من عملي يتمثل في استقبال المرضى العاجزين عن الدفع -حتى لو آلمني ذلك أحياناً. وسياق هذا الكلام هو الجدل الدائر حالياً في الأوساط الصحية عبر العالم حول طريقة تعامل شركات صناعة الأدوية مع الدول النامية والفقيرة. وهنا يبرز تاريخ مرض الإيدز، الذي لم تكن بدايته مشجعة، ذلك أنه لعقد من الزمن تجاهلنا، نحن في الغرب، احتمال استخدام العقاقير المضادة للفيروسات من قبل المرضى في الدول النامية وعجزهم عن سداد التكلفة الثقيلة على جيوبهم. ولعلنا مازلنا نذكر زعم الحكومة الأميركية عام 2001 بأن الأفارقة لا يستطيعون استخدام العقاقير المضادة للإيدز، لأنهم لا يتوفرون على ساعات تشير إلى وقت تناول الدواء!

ومع استمرار الضغط الدولي اضطرت شركات صناعة الأدوية إلى فرض تخفيضات على أسعار العقاقير المضادة للفيروسات، لكنها ظلت مع ذلك تفوق ما تستطيع تحمله موازنات المرضى في الدول الفقيرة. ولم يتم تعميم الدواء على الدول النامية إلا بعدما أقدم مصنع في الهند على استنساخ الدواء بسعر لا يتعدى 150 دولاراً في السنة. ويبدو أننا اليوم بصدد معركة جديدة تدور حول نسخة مطورة من العقاقير المضادة للفيروسات تتمتع بفعالية أعلى صنعتها مختبرات "ميرك" و"أبوت". ولم تتردد مؤسسة كلينتون في تأييد القرار الذي اتخذته كل من تايلاند والبرازيل لكسر احتكار الشركات لحقوق الملكية الفكرية واستغلالها، ثم البدء في استنساخ عقاقير مشابهة لتلك التي يصنعها المختبران. لكن شركة "أبوت" ردت بسحب عقاقيرها من السوق التايلندية، بما فيها مضادات حيوية ومسكنات الألم، فضلاً عن أدوية الضغط المرتفع لتستعر الحرب بين الطرفين. والواقع أنه من الصعب التنبؤ بما سيؤول إليه الصراع المفتوح بين شركات صناعة الأدوية من جهة والحكومات في الدول النامية من جهة أخرى في ظل تمسك كل طرف بما يراه حقاً لا يمكن التنازل عليه.

فالمعروف أن تكلفة تصنيع عقار جديد تصل إلى مليار دولار، لذا تحتاج الشركات إلى هامش معقول من الربح لاسترداد التكلفة والاستثمار في عقاقير جديدة. لكن من جهة أخرى فإنه من العبث احتكار دواء معين لفترة تصل إلى عشرين عاماً وانتظار انتهاء مدة براءة الاختراع بينما الملايين من الأشخاص يموتون في أنحاء العالم، لعدم قدرتهم على دفع الثمن المرتفع للدواء. لكن مع ذلك لم تتخلَّ الشركات على المعايير الأخلاقية وتفهمت مطالب الحكومات في العام الثالث، حيث قامت في هذا الإطار شركة "جيليد ساينسز" بمنح الترخيص للشركات العاملة في مجال استنساخ الأدوية لتصنيع عقار يؤخر ظهور أعراض مرض الإيدز. وقد استفادت من هذا الترخيص مئة أفقر دولة في العالم مقابل هامش أرباح ضئيل لا يتجاوز 5% من سعر تصنيع العقار. كما قامت شركة "بريستول مايرز" بمنح موافقتها على تصنيع عقار دون مقابل لشركات استنساخ الأدوية في الهند وجنوب أفريقيا.

ومن خلال الترتيبات التي رعتها منظمة الصحة العالمية في مجال تسويق بعض الأدوية، تمكنت شركات صناعة الأدوية من تحقيق أرباح طائلة عبر بيع التطعيمات بسعر منخفض، لكن على نطاق واسع. وهو التفاهم الذي يخدم الطرفين ويتعين البناء عليه لتوفير الدواء للمرضى الفقراء، وفي نفس الوقت تأمين أرباح معقولة للشركات تضمن استمرارها في إنتاج تلك الأدوية. وإذا كانت الشركات قد تنازلت قليلاً فيما يتعلق بتسويق عقاقير الإيدز من خلال مجموعة من الشبكات وانخراط المنظمات غير الحكومية، إلا أن الأدوية الأخرى، لاسيما تلك التي تعالج السرطان، أو أمراض القلب مازالت بعيدة عن متناول الشرائح الفقيرة في الدول النامية. وتبرز أهمية تعميم تجربة عقاقير مكافحة الإيدز الناجحة على أنواع الأدوية الأخرى في ظل الإحصاءات التي تشير إلى أن سبب الوفاة الأول في بلدان مثل الهند والصين وفيتنام لم يعد الإيدز، بل يتمثل في أمراض القلب، والسرطان. وكما أبدى مصنعو الدواء بعض المرونة تجاه عملية استنساخ الدواء لإنقاذ حياة الملايين من الفقراء، فإنه يتعين بالمثل تعميم التجربة على التكنولوجيا الطبية التي تصنع الآلات الضرورية لكشف الأمراض والتدخل لعلاجها.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق

المصدر: الإتحاد الإماراتية-20-5-2007