بلير كما وصفه تشرشل!

 

 

 

جيمس بينكرتون

 

 

"سير وينستون.. هذا المبنى من المباني التي يُحظر التدخين فيها"، كنت قد تدربت جيداً على أيدي الشرطة المختصة بمراقبة حسن السلوك السياسي.. ولذلك فإن أول رد فعل صدر منى عند استقبالي لرئيس الوزراء البريطاني الأسطوري الذي قاد بلاده إلى النصر في الحرب العالمية الثانية، هو أنني طلبت منه إطفاء سيجاره الشهير.

ورد عليَّ تشرشل قائلاً: "ابني العزيز إنني لم أكن بعيداً في أي وقت منذ بلوغي لسن الرشد عن السيجار الكوبي الفاخر، ولكن ذلك لم يحل بيني وبين حشد الحضارة الغربية بأكملها ورائي من أجل النصر في الحرب العالمية الثانية فقط كما لم يحل بيني أيضاً وبين أن أعيش حتى بلغت من العمر 90 عاماً".

علقت على ما قاله تشرشل قائلاً:" عندك حق! هل لديك سيجار كوبي فاخر إضافي يمكنك أن تعطيه لي؟" لم يتردد تشرشل ومنحني سيجاراً ولكنه كان سيجاراً رفيعاً من النوع الرخيص الثمن.

واستأنف تشرشل حديثه بعد أن قرأ ما يدور في ذهني قائلاً: "أعتقد أنك كنت جالساً تفكر في الكيفية التي أرى بها توني بلير كرئيس وزراء أليس كذلك؟" فأومأت برأسي موافقاً.

"هناك ثلاث نقاط" هكذا بدأ تشرشل حديثه رافعاً ثلاثة من أصابعه المكتنزة: "أولاً، بالنسبة لموضوع العراق لم يكن توني بلير كلباً مدللاً لبوش" كما أطلقت عليه صحف لندن. فالإنجليز قد احتلوا الكثير من دول العالم لمدة 500 عام من الزمان أو يزيد، تحملوا خلالها "عبء الرجل الأبيض" حسب التعبير الشهير لشاعر الإمبراطورية البريطانية الشهير روديارد كبلينج... وهذه الحقبة لم تنتهِ فجأة عام 1940 باندلاع الحرب العالمية الثانية على الرغم من أن هناك عدداً قليلاً من زعماء حزب "العمال" ومنهم "كليمينت أتلي" كان يرغب في ذلك.

وأعلن تشرشل أن المهمة الإنجليزية التي أشار إليها كبلينج "مازالت مستمرة وإنك عندما تقول لشخص إنجليزي قح هل سمعت الأنباء الواردة من ممر خيبر أو من مضايق ملقا فإنه سيرفع رأسه منتبهاً ومعرباً عن استعداده لخوض جولة جديدة من اللعبة الكبرى".

وسألته: "هل تقصد بذلك: الصراع من أجل السيادة الجغرافية"؟

"نعم" هكذا كانت إجابته، واستطرد تشرشل: "النقطة الثانية بخصوص الطريقة التي أنظر بها إلى بلير هي أنه نظراً لأن الإمبراطوريات لا تزال مهمة فإننا يجب أن ندير أمورها بشكل سليم... وهنا تحديداً النقطة التي أنتقد بلير بشأنها، وهي أنه لا يفهم في الأمور العسكرية ولم يعمل على تثقيف نفسه فيها كما لم يستشر من يفهمونها".

وأضاف السير وينستون تشرشل: "أما النقطة الثالثة، وهي تنطبق أيضاً على رئيسك بوش، فهي أنك إذا ما أردت أن تكون ناجحاً فإنك يجب أن تكون مستعداً لتجربة أمور جديدة.. وعندما تواجهك مشكلة فإنك يجب أن تبحث لها عن مخرج وأن يكون ذلك بشكل مبتكر، ولا داعي لأن أحدثك هنا عن تجاربي في الحرب العالمية الثانية فأنت بالتأكيد تعرفها".

"هذه التجارب وهذه الحلول المبتكرة هي ما كان الأميركيون والبريطانيون يحتاجونه في العراق على مدار الأعوام الأربعة الماضية، حيث كان يجب عليهم استخدام كافة الوسائل مهما كانت لتحقيق أهدافهم إلا إذا ما تحقق الهدف قبل أن تضطرهم الظروف إلى ذلك".

وواصل تشرشل: "بعد أن يخرج توني بلير من منصبه سيخرج إلى عالم النسيان ولكن يجب أن تعرف أنه لا يزال في الرابعة والخمسين من عمره.. أي أنه أصغر منى عندما دخلت إلى "10 دوانينج ستريت" للمرة الأولى بأحد عشر عاماً كاملة، وعليك ألا تنسى أيضاً أنني عندما أنهيت فترة ولايتي الثانية كرئيس وزراء كان عمري قد وصل إلى 80 عاماً". تساءلت: "هل تقصد أننا يجب ألا نستبعد عودته مجدداً؟" رد تشرشل: "بالضبط، وكل ما يريده الرجل كي يحقق ذلك هو نوع من الكيمياء النفسية الصحيحة".

قال لي تشرشل ذلك واختفى عن ناظري فجأة ذاهباً ربما إلى موعد آخر على جناح الخيال، وسط سحابة من دخان سيجاره الشهير، وعندها تلفتُّ حولي آملاً ألا ينطلق صوت جهاز كشف الدخان المزعج.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-20-5-2007