انقلاب المالكي.. هل ينجح؟

 

نجاح محمد علي

 

يبذل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي جهودا حثيثة هذه الأيام لإعادة صياغة خارطة جديدة لعراق ما بعد صدام.

وهو يعتقد، مع الذين يدعمونه حاليا، أن هذه الجهود ستُـوصل السفينة إلى بر الأمان، برغم كل الإحباطات التي يشعر بها العراقيون من استمرار أعمال العنف، خصوصا تفجيرات السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة.

لم تمض سوى أيام معدودة على أعمال مؤتمر شرم الشيخ، الذي نجح المالكي في الحصول منه على وثيقة "العهد الدولي" كمدخل اقتصادي وسياسي يدعم جهود رئيس الوزراء المبذولة، لنزع سلاح المليشيات - القنبلة الموقوتة، التي يُـهدد انفجارها الجميع -، وإنضاج مشروعه المتعثِّـر في المصالحة الوطنية، حتى أكّـد المالكي التزامه بما ورد في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر شرم الشيخ وتعهد بالعمل على إيجاد إصلاحات، من شأنها أن تجعل العراق بلدا تملك الدولة وحدها السلاح فيه.

هذا الهدف قد يتحقق من خلال خطّـته الجديدة المكونة من خمسة فصول، الرامية إلى "توحيد الجبهة الوطنية" في الداخل لتتوافق مع وعود شرم الشيخ، عندما حصل على دعم دولي موحّـد لصالح العراق، إلا أن أهم أهدافها - كما يبدو - وقد وضعت في إطار الدستور من رحم العملية السياسية، يتمثل في منع حصول انقلاب عسكري يوقِـف العملية السياسية عبر حلّ البرلمان وتجميد الدستور وإقصاء الحكومة المنتخبة، بحُـجة الوضع الأمني المتردي، وقد كثُـر التبشير أو التلويح به، خصوصا من جانب رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي وأطراف تدعمه، ولإجهاض مجرّد التفكير به، حتى لو كان تحت ظل ما يُـروِّج له علاوي باسم "مشروع إنقاذ العراق"، كحل غير سياسي ولا ديمقراطي لأزمة سياسية.

لقد كتب المالكي فصول خطَّـته الجديدة، مستندا إلى نظريته التي طالما تحدث عنها، والتي تختصر الأزمة الأمنية بكونها انعكاسا للأزمة السياسية، ليُـحرِج السياسيين، الذين يرى أنهم يتحمَّـلون مسؤولية تفاقمها، وعليه، يجب عليهم أن يشاركوا في حلِّـها سياسيا، بالموافقة على الطريقة التي اقترحها لإعادة تأهيل الحكومة وإجراء تعديل يعتمِـد الأهلية الشخصية للوزراء، بالانسجام التام مع منهج الحكومة السياسي وبرنامجها الذي وافق عليه البرلمان.

وقد تحدّث المالكي إثر عودته من شرم الشيخ، وهو يُـدرك مخاطر الإقدام على خطوة نزع سلاح الميليشيات في هذا الظرف، عن هذه الخطّـة في اجتماع لقادة الائتلاف العراقي الموحّـد، ترأسه السيد عبد العزيز الحكيم وأوعز إلى مقربين منه بـ "الانفتاح غير المعلن" على الكتل البرلمانية وما يمكن تسميتها بـ "القوى المعارضة"، للحصول على رأي إيجابي، وسعيا منه لإيجاد مناخ إيجابي يُـساعد إنجاح خطة المالكي الجديدة، التي تتألَّـف من الفصول الآتية:

توسيع المشاركة السياسية، لتشمل قوى وتيارات لم يُـسعفها الظرف لتكون من ضمن القوى التي دخلت في البرلمان أو الحكومة.

المضي في مشروع المصالحة الوطنية وتوسيعها لتشمل من لديهم آراء مخالفة للحكومة، ولكن لا يستخدمون العنف ضد المواطنين، وتتضمن ثلاث خطوات هي:

فتح قنوات الحوار مع الجماعات المسلحة وإعادة النظر في اجتثاث البعث واستيعاب القوى السياسية الميدانية الرافضة للعملية السياسية.

تطبيق آليات وأطُـر لخلق توازن في مؤسسات الدولة، اعتمادا على أدوار رسمتها المسارات الديمقراطية والاستحقاقات الانتخابية.

إيجاد طرق للمشاركة في اتِّـخاذ القرارات السياسية والمهمة من قِـبل الجهات اللاعبة في العملية السياسية.

إبعاد الوزارات عن التجاذبات السياسية أو الطائفية، وتتِـم هذه الخطوة عبر تعديلات وزارية جديدة، يكون الوزراء فيها من التكنوقراط الأكِـفَّـاء، فضلا عن إعادة النظر في تشكيلات مؤسسات الدولة.

فخ الميليشيات!

ومن المتوقَّـع جدا أن يجري الإعلان عن هذه الخطَّـة السياسية، بالتَّـزامن مع تطبيق المالكي لإجراءات أمنية، وصفها مقرّبون منه بالحازمة، وتتضمن القيام بعمليات واسعة لنزع سلاح الميليشيات، إذ لا يملك المالكي الوقت الكافي لكي يقدِّم جردَة حساب شاملة عن انجازاته، وإلا فإن البديل له بات جاهزا من خلال تسويقه عبر دول إقليمية وحسابات سياسية واضحة من الإدارة الأمريكية، وسفيرها الجديد في العراق ريان كروكر.

وتسرّب مؤخرا في هذا الصعيد أن إيران، استضافت زعيم حزب البعث، المنشق محمد يونس الأحمد، وأجرت معه محادثات في إطار من السرِّية الكاملة عن دور إيجابي للبعثيين في الحكومة العراقية، وإمكانية مشاركتهم كمستشارين في جميع الوزارات، وإعادة غير المتورِّطين منهم في جرائم، إلى وظائفهم السابقة، ومراجعة "قانون اجتثاث البعث"، بما يضمن تحقيق قَـدر أكبر من"المصالحة الوطنية" ويهمِّـش البعثيين، الذين يقودهم نائب الرئيس السابق عزّت الدوري.

وفي نفس السياق أيضا، عُـلم من مصادر موثوقة أن أحد زعماء "هيئة علماء المسلمين"، التي تتَّـخذ موقفا مُـعارضا جدا للعملية السياسية، وهي حاضنة لبعض الجماعات المسلحة كـ "كتائب ثورة العشرين"، زار طهران بعد زيارة نوعية قام بها إلى العاصمة الإيرانية، القيادي البارز في المجتمع السُـني، الدكتور طارق الهاشمي وبحث سُـبل إيجاد حلٍّ سياسي للأزمة المتفاقمة في العراق، دون أن يرشح شيئا عن تفاهمات أو اتفاقات، مع ملاحظة أن المالكي أحِـيط عِـلما بهذه التحركات وبضرورة اتخاذ موقِـف حازم من الميليشيات "الشيعية بشكل خاص"، وتم تحذيره أن التأخير في حسم ملف الميليشيات، سيُـفرط بالتضامن الدولي الذي تمّ خلال مؤتمر شرم الشيخ حول العراق.

ومن المؤمل، وفق ما يجري داخل كواليس الائتلاف الحاكم، أن يتَّـخذ المالكي قراره بإعادة تشكيل الحكومة من شخصيات تكنوقراطية، محاولا الخلاص من شرنقة المحاصصة، التي تكاد تخنقه.

ويسعى المالكي من خلال المُـضي في مشروع الانفتاح على البعثيين، والمعارضين للعملية السياسية أو المقاومين لها بقوة السلاح، إلى الزجِّ بخصومه السياسيين في معركة مفتوحة مباشرة مع الإدارة الأمريكية، خصوصا أولئك المشاركين في الحكومة والبرلمان، والذين يهدِّدون باستمرار بالانسحاب ويُـمارسون عليه ضغوطا، يصِـفها بغير العادلة.

وفي هذا الواقع، يُنتظر أن يتخذ المالكي قريبا "حزمة " من الإجراءات السياسية والأمنية والاقتصادية، مُـعوِّلا على إجراءات سريعة لإضفاء مصداقية سريعة على التزاماته في شرم الشيخ، للحصول مقابل ذلك على الدعم الدولي.

مذكرة هادلي

خطة مالكي الجديدة هي في الواقع تطبيق شِـبه كامل لأهم النقاط التي وردت في مذكرة مستشار الأمن القومي الأمريكي ستيفن هادلي، التي وضعها في شهر نوفمبر الماضي بعد أن زار بغداد والتقى المالكي وحثَّـه على أن يكون قويا بما فيه الكفاية لإخراج العراق من أزمته الراهنة، مقترحا عليه غربلة وزارته، أي إجراء تعديل وزاري، يقوم بمُـوجبه بتعيين وزراء تكنوقراط مؤهَّـلين وغير طائفيين في المواقع الحساسة، وإجراء تغيير جِـذري بجهازه الخاص بشكل يعكس وجه العراق، وتوسيع دائرة مستشاريه، كما طالب هادلي المالكي بأن يُـوسِّـع قاعدته السياسية ويتحرر من نهج المحاصصة الطائفية، الذي أوصله والوزراء معه إلى مناصبهم.

وفي ضوء ما يتردد من مشاريع لتفكيك التحالفات الراهنة، خصوصا ما حصل للائتلاف العراقي الموحَّـد الذي ينتمي إليه المالكي بعد انسحاب حزب الفضيلة، وما يقال عن احتمال انضمامه إلى مشروع إياد علاوي، فإن اعتماد المالكي مذكرة هادلي، برغم كل ما يعترضه من صعوبات، منها أن المالكي سيُـتهم بأنه أدار ظهره لتاريخه المُـمتد طويلا في حزب الدعوة الإسلامية، الذي كان أحد أهم أهداف البعثيين طِـوال سنوات حُـكمهم، ولأقرب حلفائه الذين أوصلوه إلى الحكم.

وإذا كان المالكي اعتمد مذكِّـرة هادلي، فإن زعيم الحزب الإسلامي "السُـني" طارق الهاشمي، وهو نائب رئيس البلاد، لم يخرج كثيرا عن توجيهات الرئيس الأمريكي جورج بوش، عندما وافق على إجراء سلسلة حوارات بين الحزب الإسلامي والمجلس الأعلى وحزب الدعوة والحزبيين الكرديين، الديمقراطي والاتحاد الوطني، لتأسيس قاعدة لتحالف جديد مرغوب من قِـبل الإدارة الأمريكية.

الورقة الإيرانية!

بقدر مطابقتها للبنود والرغبات الأمريكية، تنسجم خُـطة المالكي الجديدة، وهي تعمل على إجهاض مشروع الانقلاب السياسي أو العسكري على حكومته، مع مفاصل الورقة الإيرانية، التي يُـقال إنها قدِّمت إلى مؤتمر شرم الشيخ، خصوصا في شقها الذي يسحب البِـساط من تحت أقدام علاوي، وإصرار طهران على أنها ضِـد تولي بعثي سابق رئاسة الوزراء في العراق، إذا تم التوافق على تغيير نوري المالكي في إشارة واضحة إلى علاوي.

وبينما يُـعارض المالكي أي انسحاب للقوات الأمريكية والبريطانية من العراق قبل اكتمال بناء الأجهزة الأمنية وتحقيق مشروعه في المصالحة الوطنية ونزع سلاح الميليشيات، فان الورقة الإيرانية دعت إلى وضع خطة واضحة للانسحاب، وأن يكون مُـبرمجاً خوفاً من إعادة خلط الأوراق وتوزيع السلطة من جديد.

ويمكن القول في ضوء معلومات عن موافقة إيران على تبديل رئيس الوزراء، في حال اتفقت كل الأطراف على ذلك، ومنها بالطبع أطراف إقليمية نافذة، أن المالكي ربما سيُـصبح "كبش فداء" تفاهمات إقليمية ودولية تجري من وراء ظهره، وهو ما انتبه له بعض رِفاقه، الذين كثَّـفوا من زياراتهم إلى طهران ولم يُـخفوا تهديدهم أن المالكي سيكون "آخر رئيس وزراء للعراق الجديد"، على حد تعبيرهم إذا ما نفذ "أولئك" تفاهمات على حسابه، ولوّحوا بحرب أهلية من العيار الثقيل، وبتفكيك العراق على قاعدة "اقتلوني ومالكا" و"عليّ وعلى أعدائي"!....

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو-10-5-2007