القضايا العربية والقيادات الجديدة

 

 

مصطفى الفقي

 

تلوح في الأفق تغييرات في قيادات عدد من الدول الكبرى بدأ بعضها بالفعل وسوف يتبعها الباقي، فالرئيس الفرنسي جاك شيراك يغادر «الاليزيه» وسوف يلحقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مغادراً الكرملين ويتبعهما بشهور قليلة رئيس وزراء بريطانيا توني بلير مغادراً «10 داوننغ ستريت» ثم تأتي بعد ذلك كله الانتخابات الرئاسية الأميركية لتدخل البيت الأبيض شخصية جديدة، والأمر يقتضي أن نرصد النتائج المحتملة لهذه التغييرات على القضايا العربية وفقاً لهذه التطورات المرتقبة وسوف نختار تحديداً القضية الفلسطينية والمسألة العراقية ومشكلة دارفور، ونحن نسجل في البداية أن معظم هذه الدول يتمتع بنظم ديموقراطية تجعل دور الفرد محكوماً بقواعد وضوابط تختلف عن حكم الرئيس صاحب القرار الأوحد كما هي الحال في دول الجنوب عموماً أو دول العالم الثالث، ولكن ظل العنصر البشري صاحب هامش في التأثير لا ينتهي أبداً وقد تظل الخطوط العريضة للسياسات ثابتة ولكن التفاصيل يمكن أن تتغير والأساليب تختلف، ونحن نستطيع أن نستشرف المستقبل الذي تشكله التغييرات القادمة على النحو الآتي:

1- إن فرنسا دولة ذات أهمية خاصة في العلاقات الدولية عموماً والأوروبية خصوصاً فضلاً عن دورها الواضح في سياسات الشرق الأوسط لا سيما وأنها لا تعاني من التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأميركية مثلما هي الحال بالنسبة الى بريطانيا فقد أرسى منقذ فرنسا العظيم شارل ديغول قواعد استقلال القرار السياسي لبلاده وهو أمر ما زالت آثاره ملموسة حتى الآن، ولعل الموقف الفرنسي والذي انضمت إليه ألمانيا أيضاً تجاه الحرب على العراق لا يزال مترسباً في الذاكرة العربية كما أن الموقف الفرنسي يتميز بدرجة من الاعتدال والتوازن بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وذلك في حدود الالتزام الغربي العام بضمان أمن إسرائيل وسلامتها، ولكن الموقف الفرنسي يبدو في أشد حالاته اقتراباً من الوضع العربي العام إذا كان لبنان طرفاً فيه بحكم العلاقات التاريخية التقليدية بين الدولتين ولذلك فإن غياب شيراك من مسرح الحياة السياسية الفرنسية سيؤثر على كل المظاهر السابقة مهما عبر الفرنسيون عن التزامهم تجاه قضايا العرب والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.

2- إن العلاقات الروسية العربية تحتاج إلى مراجعة شاملة لأنها ظلت محكومة بعوامل ثابتة لسنوات طويلة فروسيا القيصرية حكمتها نظرة الكنيسة الارثوذكسية الى الشرق الإسلامي، وروسيا السوفياتية تأثرت بالسيطرة الغربية على معظم المناطق العربية التي كانت خاضعة للنفوذ الاستعماري القديم، ثم استطاعت أن تستقطب بعض النظم العربية في تحالف سياسي ضد ما كان يطلق عليه الامبريالية العالمية. ولعل نموذج علاقة نظام الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر بالاتحاد السوفياتي خير مثال على ذلك التعاون الذي امتد لسنوات بينهما وإن شابته في بعض الأحيان أزمات معروفة لأن الرئيس المصري كان يمضي مع النظام الاشتراكي إلى نصف الطريق فقط ثم يقف عند مسمى «الاشتراكية العربية» وإن بلغ الأمر أحياناً درجة عالية من التغلغل الثقافي السوفياتي في مصر، خصوصاً في دوائر المثقفين والكتاب والصحافيين، ويكفي أن نتذكر أنه جاء وقت كان يحتفل فيه الجيش المصري بذكرى فلاديمير لينين لأنه كان معتمداً في كل تسليحه على الكتلة الشرقية حينذاك. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي أصبح العرب أمام وضع مختلف فالعدو أمامهم والبحر وراءهم ولم يعد هناك مجال للعبة التقليدية بين قطبي العالم في ظل ثنائية الاستقطاب الدولي خلال سنوات الحرب الباردة. وعندما وصلت إلى الكرملين تلك الشخصية ذات التاريخ الغامض الذي وصلت به إلى رئاسة الاتحاد الروسي ونعني بها الرئيس بوتين وجدناه صاحب يد قوية بدأت تعيد لموسكو شيئاً من هيبتها في إطار المحافظة على علاقات ندية مع واشنطن واتخاذ مواقف غير بعيدة عنها في ما يتصل بالقضايا العربية حتى وجدنا أنفسنا أمام طراز جديد من الحكم الروسي الذي يتعامل مع الدول العربية في حدود معينة فلا يخسرها تماماً، ومع الدولة العبرية بشكل مختلف لا ينحاز إليها دائماً. إنها لعبة التوازن التي اجادتها موسكو في السنوات الأخيرة والتي تجلت بشكل واضح في المسألة العراقية حتى أن التصويت الروسي في الأمم المتحدة أصبح يعكس تلك السياسة الوسطية والتي تجلت بشكل واضح في موقف موسكو من الملف النووي الإيراني مثلاً وليس ذلك أمراً غريباً، فالصين ذاتها - التي كانت داعماً متشدداً للقضايا العربية - بدأت هي الأخرى تنحو تجاه المواقف الوسطية في الصراع العربي - الإسرائيلي وفي المعضلة العراقية وغيرهما من المشكلات الإقليمية في الشرق الأوسط، وإذا كان الرئيس الروسي بوتين أعلن أنه لن يتقدم لفترة رئاسية جديدة مكتفياً بفترة حكمه منذ عام 2000 فإننا نكون أمام تغيير جديد في السياسة الروسية قد ينعكس على موقف موسكو من القضايا العربية وهو أمر نلفت النظر إليه ونطلب متابعة تطوره.

3- إن نهاية حكومة توني بلير رئيس وزراء بريطانيا التي امتدت عشر سنوات كاملة وهو الحليف الأول للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ستنعكس هي الاخرى على قضايا أمتنا إذ أن المملكة المتحدة هي شريك أساسي لواشنطن في كل ما تفعل وهي تصوت تلقائياً إلى جانبها في مجلس الأمن أثناء كل الأزمات العالمية والمشكلات الدولية ولا أكاد أتذكر خروجها عن هذا السياق إلا عندما طرح اسم الدكتور بطرس بطرس غالي لفترة ثانية كأمين عام للأمم المتحدة فقد انفردت يومها واشنطن باستخدام حق الفيتو بينما صوتت أربع عشرة دولة لصالح استمرار الأمين العام العربي في موقعه، وإذا كانت شخصية توني بلير مثيرة للجدل فإن ذلك يضيف بعداً جديداً للتأثير المحتمل لاختفائه من المسرح السياسي الأوروبي لأن توني بلير هو عراب غزو العراق وما بعده والموافق دائماً بل والمتحمس بشدة لسياسات واشنطن حتى أننا نظن أن زوال حكم حزب العمال في بريطانيا أو حتى اختفاء توني بلير فقط سوف يضعنا أمام خيارات جديدة قد يكون منها الإسراع بخروج بريطانيا من الأراضي العراقية , وننبه هنا إلى أن اختفاء توني بلير وحكومته وعصره وسياساته لا يعني أبداً انتهاء العلاقة الوثيقة التي تربط لندن بواشنطن ولكن هذه العلاقة سوف تكون محل مراجعة أكيدة من الحكومة البريطانية القادمة ورئيسها المنتظر، عمالياً كان أو محافظاً لذلك فإنني أتحمس لضرورة ترقب ذلك التغيير القادم في الشهور المقبلة.

هذه ثلاثة نماذج من فرنسا وروسيا وبريطانيا تحمل دلالات التغيير وتحليل مؤثراته ونتائجه على الواقع العربي المعاصر ويمكن أن نضيف إليها تغييراً مؤكداً آخر بالسقوط المنتظر لحكومة ايهود اولمرت في الدولة العبرية بعدما أن فضحه تقرير «فينوغراد» الذي كشف عن أخطاء فادحة في حرب إسرائيل مع «حزب الله» في صيف عام 2006 حيث فشل الطيران الإسرائيلي في حسم المعركة كما كان يفعل دائماً حيث تمكن فقط من إحداث تدمير عشوائي ردت عليه صواريخ «حزب الله» على نحو غير مسبوق أدى إلى سقوط أسطورة جيش اسرائيل الذي لا يقهر ولا شك أن تغيير القيادة الإسرائيلية سيكون له رد الفعل المنتظر. كما أننا ما زلنا نؤكد أن وصول ساركوزي إلى قصر «الاليزيه» سيحمل توجهات جديدة لا للسياسة الفرنسية وحدها، ولكن ربما للسياسة الأوروبية أيضاً، إذ أن ساركوزي ابن مهاجر مجري إلى فرنسا تجري في عروقه دماء يهودية لذلك قد لا يكون هو الاختيار الأفضل بالنسبة للقضايا العربية والإسلامية وهو ما يتعين علينا معه أن نكون أكثر يقظة وأشد حرصاً على طبيعة تلك العلاقة التي كانت رصيداً إيجابياً للقضايا العربية ثم ها هي تتحول الآن في منحنى جديد يبعدها عن التركيبة الحالية لعلاقات فرنسا ببعض الدول في المنطقة خصوصاً لبنان. فلست أظن أن دعم ساركوزي للحكومة اللبنانية ولفريق 14 آذار سيكون بالدرجة نفسها التي كان عليها الرئيس شيراك. فقد كان الأخير مرتبطاً بعلاقة شخصية قوية مع رئيس وزراء لبنان الراحل الشيخ رفيق الحريري ولعل البادرة الإيجابية الوحيدة التي نذكرها للسيد ساركوزي هو إعلانه أن الحرب على العراق كانت خطأ يحتاج إلى تصحيح وهو ما يبدو متصلاً مع موقف سلفه شيراك. وأود أن أضيف هنا أن كل هذه التغييرات مرهونة في تأثيرها بتغيير أضخم وأكبر وأعني به رحيل الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش من البيت الابيض في نهاية عام 2008 وهو الرجل الذي فتح أكثر الملفات ضراوة في تاريخ الدور الأميركي سياسياً وعسكرياً على امتداد العالم كله من كوريا الشمالية إلى باكستان وافغانستان وإيران والعراق والمشرق العربي والقرن الافريقي وصولاً إلى أميركا اللاتينية ذاتها. إنه الرجل الذي خلق الإرهاب ثم حاربه، وهو الرجل الذي ادعى أن «تعليمات الرب» تلهمه في قراراته المصيرية، وهو الرجل الذي جعل مكانة السياسة الخارجية الأميركية في أدنى مراحلها عبر التاريخ كله. ولا أظن ان إدارة أميركية سوف تكون أسوأ من الإدارة التي سوف ترحل بعد عام ونصف عام وليس ذلك رأينا وحدنا إذ أن أكثر من نصف الشعب الأميركي يرى ذلك أيضاً.

إننا نكتب هذه السطور لنعبر عن الأمل العربي في اختفاء سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين. إنه أيضاً الأمل في أن تكون التغييرات القادمة أكثر اعتدالاً واتزاناًً تجاه القضايا العادلة للعرب وأكثر قرباً من حقوق الشعب الفلسطيني وأشد إيماناً بحرية القرار العراقي وأكثر موضوعية تجاه أزمة دارفور، فقد طفح الكيل وبلغ السيل الذبى وجاوز الظالمون المدى!

* كاتب مصري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-7-5-2007