التسامح ركيزة أساسية لبناء المجتمع الصالح

 

ضياء الشكرجي

 

الفكر الديني عموما ، والفكر الاسلامي خصوصا، باعتبارنا مجتمعا مسلما بغالبيته ، لطالما عانى من تغييب البعد الاخلاقي والبعد الانساني عنه ، وجرى في ثقافة الاسلاميين في الاعم الاغلب تناول موضوعة البناء الاجتماعي حصرا في اطار مفهوم الحكم الاسلامي ، او ما سمي باسلمة المجتمع كمهمة دعوية ، وذلك بتناول الاسلام احكاما ، من خلال النظر الى شكل الاحكام من دون الغور الى جوهرها ، وفي اطار فلسفة التوحيد كرؤية كونية تتبناها النظرية الاسلامية كايديولوجيا ، ولعله ايضا من دون الغور في جوهر هذه الفلسفة ، بل عبر توهم امتلاك فهم لها ، هذا الفهم الذي غالبا ما يقصي الآخر ، اما اقصاءً فعليا ، او اقصاءً نفسيا ، وبالتالي اقصاءً مختزنا في النية ، التي تتربص فرصة ان تترجم نفسها الى الواقع ، متوهمة انها انما تتعبد بالنص الديني في اقصاء الآخر هذا وسلبه الاعتراف به . وهذا ناتج فيما هو ناتج عن تغييب عناصر البعد الاخلاقي ، علاوة على تغييب عناصر الحكمة والعقلانية والواقعية والاعتدال في الاداء الاسلامي لدى الكثير من الاوساط الاسلامية.

وفي هذه المقالة احببت ان اتناول قيمة اخلاقية مُغَيَّبة الى حد كبير في الفعل الاجتماعي والفعل السياسي ، او هي غير مُفعَّلة التفعيل الذي يُمكـّنها من اداء دورها اداءً يجعلها - كما اريدَ لها - ركيزة اساسية في تشييد صرح المجتمع الصالح.

يقع الكثيرون من مسلمين وغير مسلمين في خطا المقارنة بين الاسلام والمسيحية - والمقارنة انما تجري هنا في الميدان الاخلاقي دون ميداني العقائد والاحكام -، بحيث ينظر الى المسيحية على انها دين التسامح والمحبة والرفق ، بينما دين الاسلام هو دين القصاص والقوة . وهذه النظرة الخاطئة ناتجة عن توهم التقابل والتضاد بين مفهومي الرحمة والقصاص ، او مفهومي الرفق والقوة - ولا اقول العنف كضد لغوي للرفق -، كما يجري الخلط بين سيادة القانون والاستبداد، وبين الحرية والفوضى القانونية. وتوهم حتمية هذا التضاد يؤدي الى توهم ان من يقتص على اساس العدل ، فهو بالضرورة غير مستعد للتحلي باخلاق وروح الرحمة والعفو والتسامح ، بينما المتسامح هو بالضرورة من لا يطالب باي حق من حقوقه وباي حال من الاحوال . وهذا الفهم ناتج عن عدم وعي الفرق بين البعد الحقوقي والبعد الاخلاقي او الانساني في الاحكام الدينية او في عموم السلوك المدني ، او بين اخلاق الحد الادنى (البعد الحقوقي) واخلاق الحد الاعلى (البعد الانساني) لعملية التفاعل والتعامل بين افراد المجتمع الانساني . فهناك من جهة مفاهيم كالعدل والقسط والحق ، وهناك من جهة اخرى مفاهيم كالرحمة والعفو والتسامح والتنازل الطوعي عن الحق .

وهنا احب ان اتناول مجموعة ثنائيات ومجموعة مفردات لتوضيح ما يراد هنا من تسليط الضوء عليه.

القسط والبر

هنا نورد الآية الكريمة التي تحدثنا عن التعامل الذي يريده الله لنا مع من يخالفنا في العقيدة ، دون ان يظهر لنا هذا الديني الآخر العداء بمزاولة ممارسات عدوانية فعلية وليس بافتراض اختزان العداء لنا كشعور، وذلك من قبيل شن القتال ضدنا ، او ممارسة الاضطهاد علينا ، كالتهجير وغيرها من اساليب القمع او ممارسات العدوان . ولا يغيب عن بالنا ان القرآن عندما يضع لنا هذا المنهج للتعامل مع الآخر الديني ، فانما يطرح بذلك صورة لاقصى درجات المخالفة والمغايرة ، نسبة الى المخالفة في المذهب او في الرؤية السياسية ، وبالتالي تكون هذه القواعد مطلوبة قبيل الاولى مع المختلف في قضايا دون مرتبة العقيدة اهمية ، هذا من حيث المتبنى الفكري والمعتقد الديني ، اما من حيث المعاملة التي يعتمدها الآخر تجاهنا ، فقد ذكرت هنا ايضا اقصى صور الفعل العدائي متمثلا بالمقاتلة اي المحاربة او شن الحرب ، لا لسبب الا للاختلاف في العقيدة ، وممارسة التعسف عند تمكن الآخر المعادي منا بالتهجير او الترحيل من الاوطان ومناطق الاقامة ودور السكن. يقول الله تعالى :

 "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم؛ ان الله يحب المقسطين".

فالبر هنا يمثل اخلاق الحد الاعلى ، والبر يمثل اعلى مراتب التعامل الانساني والاخلاقي . اما القسط وهو غاية العدل فيمثل اخلاق الحد الادنى ، او البعد الحقوقي في التعامل . فاذا كان القصاص حقا من حقوق المعتدى عليه له ان يتمتع به او يتنازل عنه ، ولا يحق لاحد غيره ان يتنازل عنه ، يكون العفو كقيمة اخلاقية راقية من اخلاقيات الحد الاعلى سببا من اسباب دخول صاحبه الجنة من غير حساب وذلك من موقع الاستحقاق ، كما يصرح الحديث الشريف بشكل لا لبس فيه :

 "ينادي مناد يوم القيامة: من له حق على الله فليقم، فيقوم العافون عن الناس ، فيقال لهم ادخلوا الجنة بغير حساب". ولننتبه جيدا الى عبارة "من له حق على الله"، وعبارة "العافون عن الناس"، ولم تحدد لا العافين ولا المعفو عنهم بالمسلمين ، وعبارة "فيقال لهم ادخلوا الجنة بغير حساب". وهناك ما استدللت عليه في مقالات سابقة على ان هذا الذي تعبر عنه الآية بانه مما لا ينهى عنه الله ، ما يوحي بانه ليس بواجب ، هو في شقه الحقوقي (القسط) واجب حتى مع الخصوم ، وفي شقه الاخلاقي (البر) مؤكد الاستحباب ، وهو من ارقى انواع الفعل الانساني بلا منازع .

المودة والرحمة

استخدمت المسيحية (المحبة) وقابلها في الاسلام مصطلح (الرحمة) ، هذا المصطلح الذي يقترن ذكره في كثير من الاحيان بالمودة ، المصطلح المرادف للمحبة . وورد المصطلحان في نصين ، احدهما قرآني والثاني نبوي ، الاول فيما هي العلاقة الخاصة بين الزوجين ، والثاني فيما هي العلاقة العامة بين افراد المجتمع . قال الله تعالى فيما هي العلاقة الخاصة الزوجية :

 "ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة"، وقال الرسول الكريم (ص) فيما هي العلاقة العامة الاجتماعية : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى".

وقد يقول قائل ان الكلام في الحديث الشريف هو خاص بمجتمع المؤمنين، والذي هو - حسب المصطلح القرآني - اضيق حتى من دائرة المسلمين ، فاقول ان ذكر هذه القواعد الاخلاقية كاسس للتعامل الاجتماعي في الدائرة الضيقة لا يعني عدم اهمية اعتماد ها في الدائرة الاكثر سعة ، ودليلي على ذلك قاعدة (البر) في التعامل مع الآخر الديني الذي لم يقاتل المسلمين في دينهم ولم يضطهدهم باخراجهم من ديارهم ، اي من دورهم او من مناطق سكناهم او من اوطانهم ، الذي ورد في الآية الكريمة التي ذكرت آنفا ، والدليل الثاني على توسعة المفهوم هو مفهوم ثنائية "اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق" الذي ثبته علي بن ابي طالب (ع) في عهده الى مالك الاشتر (رض). ومفهوم الرحمة هو من ناحية السلوك الانساني الواعي والمسؤول اكثر سعة من المودة ، لان المودة او الحب قد يحصل تلقائيا ، او قل لا اراديا لدوافع كثيرة ، وهذه المحبة مما يمكن ان يفتر دفؤها ، بينما الرحمة هي سلوك واع ارادي مسؤول ، يمكن ان يصدر تجاه من نحبه ، وتجاه من لا نحبه على حد سواء ، لانه سلوك واع نابع من حس انساني مرهف ، وشعور بالمسؤولية تجاه الآخر القريب والآخر البعيد على حد سواء ، ووعي اجتماعي.

العفو والتسامح

سبق وبينت قيمة العفو فيما اوردته من حديث (حق العافين عن الناس على الله في ادخالهم الجنة بلا حساب). ومن الاحاديث الرائعة التي تؤكد بان من لم يتحل باخلاقية العفو وروح التسامح هو من لم يؤمن حق الايمان ، للتلازم الحتمي بين الايمان الحق او ما اسميه بتدين الجوهر في مقابل تدين الشكل من جهة ، وبين القدرة على العفو من جهة اخرى ، وهنا يقول الرسول (ص): "لا يؤمن احدكم [اي ايمان الجوهر الحقيقي المتجذر] حتى تكون فيه ثلاث: يعفو عمن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه" . والعفو والتسامح يبدأ في الاسرة وفي العلاقات بين الاصدقاء ، وبين زملاء العمل ، وبين الجيران ، وبين اصحاب قربى الرحم ، ثم ينتقل الى سلوك يتجلى في التعامل في الشارع ، في السوق ، في الدائرة الحكومية ، بين الموظف والمراجع ، وبين المراجع والمراجع الآخر، وبين الموظف والموظف الآخر، وفي طريقة قيادة السيارة ، ويتواصل حتى يكون القاعدة في التعامل ، ليس بين الافراد ، بل بين الجماعات ، بين مكونات الشعب ، بين اتباع المذاهب والاديان ، والقوميات والقبائل ، والتيارات السياسية والفكرية.

وهذا ما يدلنا اليه القرآن الكريم في قوله عز وجل:

 "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".

الثقافة والتربية ركيزتا البناء الصالح للمجتمع

لا نستطيع في العراق ولا في اي مجتمع آخر تحقيق تطلعاتنا في الديمقراطية والرفاه الاجتماعي والتقدم والعدالة والامن والاستقرار، عبر العملية السياسية وحدها ، مهما بلغت من النضج والرشد والاداء الديمقراطي ، ولا عبر الدستور وحده ، مهما بلغ من الدقة في الصياغة والحبك في العبارة ، ما لم تتوفر القاعدة الاجتماعية التي تحتضن تينك الحياة الدستورية والعملية السياسية ، وهذا يحتاج الى ثقافة سليمة ، وعملية تربوية صالحة ، وهذان العنصران يمثلان اهم مهمتين نبويتين بعد التبليغ عن الله ، وعن هذا المعنى يعبر القرآن بقول الله تعالى : "هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة" ، فاذا كانت (تلاوة آيات الله) تعني التبليغ عن الله ، فان (التزكية) تعني العملية التربوية الاخلاقية ، و(التعليم) يعني التثقيف المعرفي ، على مستوى النظرية (الكتاب) وعلى مستوى قراءة الواقع (الحكمة) ومعرفة آليات تعاطي النظرية مع الواقع،  وتكامل وترشيد الفهم الانساني للنظرية على ضوء التجربة الذاتية وتجارب عموم الامم.

وان غياب ثقافة قبول الآخر وروحية التسامح واخلاقية العفو هو من اكثر عوامل الواقع الذي يعاني منه المجتمع العراقي من عنف واحتراب وقتل على الهوية واقصاء وخطاب تعبوي الغائي ، وهذا يمثل مسؤولية يجب ان يضطلع بها الجميع من علماء دين وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني ، ومؤسسات ثقافية ، ولكن بعض ما ذكرنا آنفا هو فاقد لما عليه ان يعطيه للمجتمع ، وحيث ان فاقد الشيء لا يعطيه باي حال من الاحوال ، لا بد من ضلوع المؤهلين مما وممن ذكرنا.

المصدر : جريدة الصباح