تركيا أمام فرصة أخرى للمصالحة بين النظام والهوية

 

 

د. محمد نورالدين

تدخل الجهورية في تركيا، مع وصول عبدالله غول إلى منصب الرئاسة، مرحلة جديدة من تاريخها.

فللمرة الأولى، يحكم إسلاميون قبضتهم على مفاصل السلطة بهيئاتها الثلاث: رئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، والآن رئاسة الجمهورية.

يكتسب وصول إسلامي إلى الرئاسة، معاني أكبر من السلطتين الأخريين، إذ أن الرئيس رمز للجمهورية والعلمانية، وهو ما سيرتب مسؤوليات على أول إسلامي يتقلد المنصب الرئاسي.

كان الحديث منذ أشهر على أن رجب طيب اردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة، هو المرشح الوحيد والحتمي للرئاسة، وكل الحزب يقف خلفه ونجاحه مضمون لامتلاك الحزب غالبية ساحقة في البرلمان، غير أن عامِـلين أساسيين دفعا اردوغان للتخلِّـي عن طموحه الرئاسي: الأول، الحساسية العِـلمانية الكبيرة، التي وُوجه بها احتمال ترشيحه وما رافق ذلك من تظاهرة 14 أبريل الكبيرة في أنقرة، معارضة ترشيح اردوغان، وقد اختار اردوغان لاحقا عدم إدخال البلاد في توترات هي في غنى عنها.

والثاني، استطلاعات الحزب الداخلية، التي كانت تُـشير إلى تراجع أصوات الحزب في الانتخابات النيابية المُـقبلة، في حال ترك زعامة الحزب إلى رئاسة الجمهورية، فيما ستزداد هذه الأصوات في حال بقائه رئيسا للحزب. وفي الإجتماع الأخير للجنة المركزية العليا للحزب، كانت الغالبية الساحقة مع عدم ترشّحه، وهذا ما حصل.

"التضحية التاريخية"

تخلِّـي اردوغان عن جنّة الرئاسة، رغم أنها بين يديه على طبق من ذهب، كما يقول اوكتاي اكشي، كبير الكتّاب في صحيفة حرييت، وهو بذلك كان نموذجا للتضحية، وهو ما عبّرت عنه أيضا صحيفة "يني شفق"، المقرّبة من اردوغان، بعنوان رئيسي: "التضحية التاريخية".

نعم صمد اردوغان أمام إغراء لم يصمد أمامه قبل زعماء كبار، مثل طورغوت اوزال وسليمان ديميريل، تولّـوا الرئاسة تاركين أحزابهما لمصير محتوم: الإنهيار.

انحاز اردوغان وأركان الحزب إلى المشروع، لا الشخص، رغم أن هذا المشروع استدعى وجود شخص بعينه، لكن مشروع العدالة والتنمية، الذي يتقدم، وإن أحيانا بصعوبة، يجد نفسه بحاجة إلى خمس سنوات إضافية، هي ولاية البرلمان المقبل، حتى إذا فاز في الإنتخابات وكان رئيس الجمهورية بيدهم أيضا، لم يعد امام تطبيق ما تبقَّـى منه أي عائق دستوري أساسي.

من هنا، تأتي أهمية أن ينتقل هذا الموقع إلى حزب العدالة والتنمية، حيث كان الرئيس الحالي أحمد نجدت سيزير، قد ضرب الرقم القياسي في وضع الفيتوات على مشاريع القوانين والقرارات الحكومية، الأمر الذي عرقل الكثير من المشاريع المهمة، كذلك كان سيزير عقبة على طريق الكثير من المبادرات الخارجية، من تلك التي تتطلب دعوات من الرئيس لنظرائه من الرؤساء، وهكذا مثلا، لم يوجّه سيزير الدعوة أبدا الى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ولا العراقي جلال طالباني، الأمر الذي سيختلف مع عبدالله غول.

توفير الاستقرار الاجتماعي

هل يعني إمساك حزب العدالة والتنمية بمفاصل الدولة الأساسية خطرا داهما أو بعيد المدى على العلمانية؟

أولا، لا بد من التوضيح أن النموذج العِـلماني في تركيا، لم يحمل من العِـلمانية سوى إسمها، في حين أنه كان يتعارض مع كل المضامين المعروفة للعلمانية وتطبيقاتها، سواء في فرنسا وأوروبا أو في الولايات المتحدة، وليس من مجال هنا للتوسع في الشرح.

تحتاج تركيا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى صيغة جديدة توفّـر لها الاستقرار الإجتماعي، وفي هذا السياق تشكل قضية منع الحِـجاب، عقبة أساسية أمام تحقيق الاستقرار المنشود. لذلك يعتبر تقديم نموذج علماني يحترم الحريات الدينية والفردية، مدخلا حتمي لإخراج تركيا من عنكبوت مفتعل ووهمي اسمه "حظر الحجاب"، الذي لا يزال يُـعيق التطور ويكبح التطلعات.

ويرى أنصار حزب العدالة والتنمية أن السماح بارتداء الحِـجاب لن يشكِّـل خطرا على العَـلمنة، وإلا لكانت فرنسا أول الدول التي تلغي الحِـجاب في الجامعات، ولكنها لم تفعل. فهل يجرؤ أحد على الزعم بأن فرنسا غير عِـلمانية؟

ثم إن تركيا بلد متعدّد دينيا، واهم من ذلك مذهبيا، فأي نظام ديني يمكن أن يطبَّـق في تركيا، ذات العشرين مليون علوي وأربعين مليون سنّي؟ وهل رجب طيب اردوغان له من "الحماقة" إلى هذا الحد، ليلغي أو يفرّغ العلمانية من مضمونها الحقيقي وينحو نحو نظام ديني، ولو مقنّع، ليفتح حروبا أهلية وطائفية تبدأ ولا تنتهي؟

إن خوف العلمانيين على النظام العلماني، هو في الحقيقة خوف على نظام امتيازات و"قيم" المنع وتقييد الحريات وانتهاك الديمقراطية. فالصراع القائم في تركيا هو بين مشروع لم يستطع ان يطوّر نفسه ومشروع فهم حقائق العصر، وينقل تركيا فعلا لا قولا، إلى حقل الإتحاد الأوروبي، وهذا هو جوهر الصِّـراع الحالي برأي عدد مهم من المراقبين.

في المقابل، كما يريد العلمانيون من الإسلاميين، احترام القيم العلمانية، فعلى العلمانيين احترام القيم الديمقراطية، حيث السيادة، كما يقول اتاتورك "للشعب" الذي فوّض حزب العدالة والتنمية هذه الأمانة بأغلبية واضحة.

ثم إن حزب العدالة والتنمية نجح في اختبار "معمودية النار" منذ عام 2002 ولم يقم بأي ممارسة مهدّدة للعلمانية. صحيح أن وصول إسلامي إلى رئاسة الجمهورية، يثير المخاوف من استكمال وضع اليد على كل المؤسسات وتمرير ما لم يستطع حزب العدالة والتنمية تمريره حتى الآن، لكن من خلال التجربة، هناك ثقة من أن إسلاميي تركيا وعبدالله غول على رأسهم كرئيس جمهورية، سيقدمون نموذجا ناجحا في التزام علمانية ذات وجه إنساني.

هل من دور للجيش؟

تطرح مسألة سقوط رئاسة الجمهورية بيد الإسلاميين، دور الجيش في المرحلة المقبلة، في الواقع حتى الآن، لم يتحرّك الجيش، إلا ضمن الأصول الديمقراطية، وقد أعلن رئيس أركانه، أنه يحترم العملية الدستورية وسيحكم على الأفعال.

من هذه الزاوية، يمكن القول أن الإسلاميين لن يوفّـروا ذريعة للجيش للتدخل من خلال ممارسة واقعية ومعتدلة في القضايا الحساسة، لكن في الوقت نفسه، لم تعد الظروف كما كانت في الماضي تُـتيح للجيش بالقيام بتدخل عسكري بهذه السهولة، والشارع التركي لن يسمع بتجاوز الإرادة الشعبية الملتفة حول اردوغان، هذا بالطبع، يفتح على حروب أهلية لن يستفيد منها أحد.

يستطيع الجيش التهويل أو التحذير، لكن من دون تِـكرار استباحة الحياة السياسية، كما كان يحصل في الماضي، وبالتالي، لا خشية من انقلاب عسكري يُـعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

آن لتركيا أن تخرج من تدخل الجيش في كل شاردة وواردة، ومن الذي نصّب من وظيفته فقط حماية الوطن من الخطر الخارجي وحفظ الأمن في الداخل، قاضيا ومفكّرا وتاجرا وفيلسوفا؟

تبدو تركيا مع إسلامي في رئاسة الجمهورية، أكثر تصالحا مع هويتها، وأكثر استقرارا واندفاعا، وهي نموذج لما يُـمكن أن تكون عليه أشكال الحكم في بقية بلدان العالم العربي والإسلامي، وهذا لا يعني نهاية المطاف، فأمام حزب العدالة والتنمية الكثير مما يجب فعله، لأن التركة التي ورثها عن ثمانين سنة من حكومات علمانية وعسكرية، ثقيلة جدا وتحتاج لسنوات طويلة من الإصلاح.

الأهم في الظرفية الحالية هو أن حزب العدالة والتنمية قد بدأ مسيرة من الإصلاح بدعم شعبي حاسم وتفهم دولي. لذلك فقد تكون رئاسة عبد الله غول للجمهورية فرصة إضافية لاستكمال استقرار وازدهار تركيا ودفعها قُـدما إلى طريق الحداثة المتصالحة مع هوية المجتمع.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:28-4-2007