الدرع الصاروخي الأميركي... صراع على النفوذ في القارة العجوز

 

جريج سميث

 

 

يسود في هذه المرحلة جدل واسع في الأوساط الأوروبية حول اقتراح واشنطن بإقامة درع مضاد للصواريخ يضمن العشرات منها، أو أقل بقليل، بغرض التصدي للخطر الإيراني. وفي بولندا حيث تعتزم واشنطن إقامة نظام الصواريخ لا يبدو أن الحزب الرئيسي في الائتلاف الحكومي سيعارض إجراء الصفقة مع الولايات المتحدة، كما وجهت الدعوة إلى رئيس البلاد "ليش كازينسكي"، المعروف بميوله المحافظة ونبرته القومية العالية للاجتماع بالرئيس بوش في البيت الأبيض خلال شهر يوليو المقبل لمناقشة الموضوع. ومن جانبه وافق الائتلاف الحكومي الهش في جمهورية التشيك على التفاوض مع أميركا لإقامة نظام رادار متطور فوق أراضيها لرصد الصواريخ، رغم المعارضة الشعبية. ويشار إلى أن نظام الرادار الجديد الموجود حالياً في الولايات المتحدة من شأنه توجيه الصواريخ المنتشرة في بولندا لضرب وتدمير أهدافها المتحركة في الفضاء الخارجي.

وسيشكل درع الصواريخ الأوروبي جزء من نظام متكامل بدأت بعض ملامحه تظهر في كاليفورنيا وألاسكا، حيث تعتزم الولايات المتحدة نشر ثلاثين محطة لرصد الصواريخ الموجهة إلى الأراضي الأميركية مع نهاية 2008. وتقول واشنطن أن نظام الصواريخ في أوروبا الشرقية سيساهم في حماية معظم الأراضي الأوروبية، فضلاً عن الولايات المتحدة، بل وحتى روسيا ضد أي هجوم نووي محتمل تقدم عليه إيران. وبالطبع لن يتحقق ذلك إلا في حال تطوير إيران لأسلحة نووية، أو صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى تلك الأهداف، فضلاً عن توافر الرغبة لإطلاقها. ورغم أن إيران لا تملك الأسلحة النووية اليوم، فإن الإدارة الأميركية تشير إلى احتمال حصول إيران عليها بحلول 2015. ومع أن الفرقاء الأوروبيين لا يتفقون جميعاً على وجود مثل هذا التهديد، يبدو أن واشنطن لا تأبه كثيراً لذلك ما دامت تتحمل التكاليف ولم تطلب من أحد مساعدتها. فلماذا يبدي الكثير من الأوربيين استياءهم من نشر أميركا لنظام صواريخ ورادارات في أوروبا؟

لا شك أن الأمر لا يتعلق بالتكلفة، حيث سبق للولايات المتحدة أن أنفقت عشرات المليارات من الدولارات لاستكمال مشروع الدرع، ولن تشكل بضعة مليارات إضافية عقبة حقيقية أمام البيت الأبيض، لأنها من غير المتوقع أن تستأثر كثيراً بانتباه الكونجرس، أو دافعي الضرائب الأميركيين. ولا يتعلق الأمر أيضاً بالشكاوى التي ترفعها روسيا من أن نظام الصواريخ سيقوض مكانتها النووي، حيث بالكاد تستطيع الصواريخ التي تخطط واشنطن لنشرها اعتراض مئات الصواريخ الروسية العابرة للقارات في حال اندلاع حرب شاملة. كما أن درع الصواريخ سيوضع على مقربة من روسيا إلى درجة سيصبح فيها عديم الفائدة ضد الصواريخ الروسية القادمة من جبال غرب الأورال. وحتى إذا ما أطلت صواريخ روسية من تلك المنطقة، فإن نظام الصواريخ الأميركي في كاليفورنيا وألاسكا قادر لوحده على اعتراضها وتدميرها. والأكثر من ذلك أن تلك الصواريخ التي تسعى أميركا إلى نشرها في أوروبا، لا تعمل في كل الأوقات، وفي حالة عملها المستمر فإنها تقوم بذلك تحت ظروف خاصة جداً، قد لا تتصادف دائماً مع حالات الهجوم الحقيقي.

والواقع أن ما يجري الآن في أوروبا لا يرتبط كثيراً بنشر درع للصواريخ بقدر ما يرتبط بالدبلوماسية وعدم الارتياح الأوروبي إزاء القوة الأميركية وهيمنتها على القارة. فالاتحاد الأوروبي مستاء من واشنطن لأنها تجري مفاوضات ثنائية مع بولندا وجمهورية التشيك حول قضايا تتعلق بأوروبا كلها. وتأتي المساعي الأميركية في وقت سعى فيه الاتحاد الأوروبي لسنوات عديدة إلى بلورة سياسية أوروبية موحدة ومتماسكة للدفاع مستقلة عن حلف شمال الأطلسي. وبالطبع لن يكون من السهل تحقيق هذا الهدف في الوقت الذي تتجه فيه بعض البلدان الأوروبية إلى عقد صفقات منفردة مع أميركا. هذا بالإضافة إلى انزعاج الأوروبيين من أن الاتفاق مع الدولتين الأوروبيتين لم يأتِ عبر القناة الاعتيادية لحف شمال الأطلسي، الذي مازال يسعى إلى إثبات جدواه منذ انتهاء الحرب الباردة. غير أن إدارة الرئيس بوش تدرك جيداً أن الوصول إلى توافق داخل "الناتو" الذي توسع مؤخراً ليضم أكثر من 26 عضواً سيستغرق أكثر من قدرة واشنطن على التحمل، لا سيما وأنها تسعى إلى الذهاب بعيداً في المشروع، بحيث يصعب وأده من قبل الإدارة القادمة.

أما روسيا فهي منزعجة من أن تؤدي محطة الصواريخ الصغيرة في بولندا ونظام الرادارات في جمهورية التشيك إلى تثبيت أقدام الولايات المتحدة في منطقة كانت محسوبة على حلف "وارسو" القديم. وفي هذا السياق اشتكى وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" في مقال نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" الشهر الماضي رأى خلاله أنه من "غير المقبول" أن تستخدم أميركا القارة الأوروبية "كمنطقة استراتيجية تابعة لها". وقد حرصت الغرفة الثانية في البرلمان الروسي على إصدار بيان اعتبرت فيه أن نشر نظام للصواريخ بالقرب من حدودها "سيعمق من حدة الانشقاقات داخل أوروبا، وسيطلق سباقاً جديداً للتسلح". فهل نحن بصدد رؤية حرب باردة جديدة؟ ليس بعد. لكن بولندا تقوم فعلا بشراء طائرات "إف-16" الأميركية وترد روسيا بنشر صواريخ أرض- جو في روسيا البيضاء بالقرب من الحدود البولندية. فبعد سقوط جدار برلين وانسحاب القوات السوفييتية من أوروبا الشرقية وبدء الحديث في أميركا عن إغلاق قواعدها في ألمانيا، اعتقدت أوروبا أنها ستعيش ضمن فيدرالية السلام التي حلم بها مؤسسو أوروبا، وستتحول إلى نادٍ إنساني تنعدم فيه الصراعات المسلحة.

لكن سرعان ما اندلعت حرب البلقان، واضطرت أميركا للتدخل العسكري لإيقاف الصراع الذي عجزت أوروبا عن إخماده. ورغم استياء روسيا التي ساندت صربيا، فإنها كانت ضعيفة وخارجة لتوها من الاتحاد السوفييتي. ومع الصحوة الجديدة التي تشهدها روسيا الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي فقد أصبحت أكثر قلقاً من إعادة إحياء العداوات القديمة مع أميركا. ويبدو أن الرئيس الأسبق للاتحاد السوفييتي "ميخائيل جورباتشوف" عبر بصدق عما يجري في تصريح أدلى به إلى وكالة الأنباء الروسية قائلاً "إن الأمر يتعلق ببساطة بالبحث عن النفوذ والهيمنة في أوروبا".

*مراسل "نيويورك تايمز" في باريس

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز-19-4-2007