التطرف الإيديولوجي و"الواقعية الاستراتيجية"

 

السيد يسين

 

حين حاولنا في مقالنا "من المواجهة إلى التعايش" صياغة إطار نظري متكامل يحدد بدقة العمليات الأساسية التي تتضمنها الصراعات بين الدول وهي أربع: المواجهة، والمقاومة، والتسوية السياسية، والتعايش، كنا ندرك منذ البداية تماماً أن كل عملية من هذه العمليات تثير مشكلات نظرية ومنهجية وتطبيقية شتى. غير أن هدفنا كان التأطير الدقيق لهذه العمليات، تمهيداً لمناقشة بعض المشكلات المهمة التي تتعلق بكل عملية.

غير أننا –ما دمنا بصدد تأصيل عمليات الصراع الدولي- لابد لنا أن نضع في اعتبارنا السياق التاريخي الذي يتم فيه الصراع على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية.

ولذلك حين تعرضنا بالبحث المنهجي لأحداث سبتمبر الإرهابية التي وجهت لمراكز القوة في الولايات المتحدة الأميركية (راجع كتابنا "الحرب الكونية الثالثة: عاصفة سبتمبر والسلام العالمي القاهرة 2002، وبيروت 2003) حرصنا على صياغة إطار نظري متكامل لتحليل هذه الأحداث وتوقع نتائجها المحتملة.

وفي مقدمة هذا الإطار طرحنا سؤالاً رئيسياً هو: هل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تمثل قطيعة تاريخية، بمعنى أنها تفصل بين حقبتين من التاريخ العالمي، ما قبل الحدث وما بعده؟ وتساءلنا هل مرحلة ما بعد 11 سبتمبر ستؤدي -كما أكد هنري كيسنجر- إلى صياغة النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، أم أنها في الواقع استمرار للنظام العالمي قبل 11 سبتمبر، والذي كانت فيه الولايات المتحدة الأميركية هي القطب الأوحد؟

وإذا استخدمنا لغة القانون فإن هذه الأسئلة جميعاً تصدر عن سؤال رئيسي: هل كانت أحداث سبتمبر "منشئة" لواقع جديد أم كاشفة عن واقع قديم؟

في تقديرنا -إجابة على هذه الأسئلة المهمة- أن أحداث سبتمبر كانت منشئة لأوضاع دولية جديدة، ولم تكن مجرد كاشفة عن واقع موجود.

ولعل ما يبرر هذه الإجابة أنه بعد سبتمبر أصبح الإرهاب هو الظاهرة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس.

والإرهاب -إذا نظرنا إليه نظرة مقارنة- ليس له نمط واحد. فهناك أولاً إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة التي مثلها تنظيم "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن، والذي اعترف صراحة بأنه المخطط والمنظم لأحداث سبتمبر، التي ضربت في الصميم رموز القوة الأميركية السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وقد انطلق تنظيم "القاعدة" من تصنيف ثنائي للعالم صاغه بن لادن نفسه، حين قرر أن هناك فسطاطين: فسطاط الكفر ممثلاً في الولايات المتحدة خصوصاً وفي الغرب عموماً، وفسطاط الإيمان ممثلاً في العالم الإسلامي الثائر على النظم الاستبدادية السائدة فيه.

غير أن النمط الثاني من الإرهاب تمثل في إرهاب الدولة الأميركية الذي مارسته كرد فعل مباشر للهجمات الإرهابية ضدها. ويلفت النظر بشدة أن شعارات هذا الإرهاب الأميركي انطلقت من ثنائيات شبيهة بالثنائيات التي صاغها تنظيم "القاعدة"، حين أطلق أولاً شعار "من ليس معنا فهو ضدنا"، ثم تلا ذلك بالحديث عن "محور الشر" الذي يواجه محور الخير! ومحور الشر هنا تتعدد مكوناته، فهو ليس فقط الإرهاب الإسلامي المتطرف، ولكنه يضم أيضاً دولاً مثل كوريا الشمالية وإيران وسوريا.

وهكذا يمكن القول إن الظاهرة البارزة التي سادت العالم عقب أحداث سبتمبر الشهيرة هي "التطرف الإيديولوجي". وهذه ظاهرة مُعقدة ومتعددة الجوانب. لأنها تنبع من إيديولوجيات متنوعة، متعددة المصادر. ويكفي أن نشير بهذا الصدد إلى تشبيه موفق صاغه من قبل باحث باكستاني شهير، حين قرر أن الصراع الدائر في العالم اليوم هو في الواقع صراع بين أصوليات! الأصولية الإسلامية ممثلة في تنظيم "القاعدة"، والأصولية الأميركية ممثلة في نظريات "المحافظين الجدد"، الذين سيطروا على البيت الأبيض عقب نجاح الرئيس بوش في انتخابات الرئاسة الأميركية، والذين كانوا وراء تخطيط الغزو العسكري للعراق، الذي سبق لهم أن قدموه كاستراتيجية مقترحة للرئيس كلينتون ورفض تنفيذها، وأتيح لهم حين تولوا الحكم، واختطفوا النظام السياسي الأميركي أن ينفذوها.

وهكذا يمكن القول إننا في مواجهة الظاهرة السائدة في عالم اليوم وهي "التطرف الإيديولوجي" التي أدت إلى أوضاع كارثية في العراق، وينتظر أن تؤدي إلى نفس الأوضاع، لو غامرت إدارة الرئيس بوش بتوجيه ضربة عسكرية لإيران تحقيقاً للمصالح الإسرائيلية.

ومن ثم نحتاج لدراسة متعمقة لهذه الظاهرة للكشف عن جذورها، وتحديد النتائج المترتبة عليها، وكيفية مواجهتها.

ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن التطرف الإيديولوجي ظاهرة عالمية، وأن سعي الإعلام الغربي المتحيِّز لنسبتها إلى العالم الإسلامي والمسلمين فقط، ضد حقائق التاريخ الحديث، وفيه إنكار للواقع المعاصر.

ألم تكن النازية والفاشية -وهما إيديولوجيتان أوروبيتان - أبشع مثال للتطرف الإيديولوجي، الذي أدى إلى إشعال الحرب العالمية الثانية، بكل ما دار فيها من خراب وتدمير وكوارث إنسانية وضحايا بين العسكريين من دول "الحلفاء" ودول "المحور" (التي ضمت ألمانيا وإيطاليا واليابان)، والمدنيين تقدر بالملايين؟

وألم تكن جماعة "الألوية الحمراء" الإرهابية الإيطالية من ناحية وجماعة "بادر ماينهوف" الألمانية نمذجين للتطرف الإيديولوجي الذي انعكس في إرهاب منظم ضد كل من الدولة الإيطالية والدولة الألمانية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟ وأليست هناك ميليشيات عسكرية أميركية مارست الإرهاب ضد الدولة الأميركية ذاتها، ومن بينه قضية تيموتي ماكفي الذي حوكم وأعدم لنسفه مبنى فيدرالياً أميركياً مات فيه أكثر من 300 سيدة وطفل؟

غير أنه بالإضافة إلى التطرف الإيديولوجي لدينا مفهوم آخر بالغ الأهمية صاغه الخبير الاستراتيجي الأميركي أنتوني كوردسمان، وهو "الواقعية الاستراتيجية".

و"الواقعية الاستراتيجية" عنده هي الاتجاه الذي لا ينغمس في ماضي الصراعات كالصراع العربي- الإسرائيلي بكل ما يحفل به من رؤى متضاربة عن التاريخ والقانون الدولي، أو اللوم المتبادل لكل طرف من أطراف الصراع للطرف الآخر، ولكن هدفها التركيز على المستقبل، لحل الصراعات انطلاقاً من أن السياسة هي "فن الممكن". وهذه "الواقعية الاستراتيجية" في سعيها لحل الصراع لن ترضي بالضرورة كل أطراف الصراع. ذلك لأن إحراز تقدم في الصراعات الحادة المزمنة لن يتأتى إلا بصياغة حلول وسط مؤلمة لبعض الأطراف، والاعتراف بحقائق واقعية، لا يمكن أن تحظى بسهولة بموافقة بعض الأطراف.

وهكذا ينبغي لنا -إن كنا نريد أن نصل إلى فهم موضوعي لظاهرة التطرف الإيديولوجي- أن نطبق منهجنا الذي نطلق عليه المنهج التاريخي النقدي المقارن. فندرس تاريخ الظاهرة من خلال رؤية نقدية مقارنة، حتى نعرف القواسم المشتركة في التطرف الإيديولوجي، بالرغم من تعدد الثقافات والاختلافات الجسيمة بين النظم السياسية المتعددة في العالم.

بعد كل هذه المقدمات لابد لنا أن نبدأ بتعريف ظاهرة التطرف ذاتها قبل أن ندرس من بعد كل أبعادها المعقدة. والواقع أن التطرف الإيديولوجي يثير مشكلات متعددة من وجهة نظر الفلسفة وعلم السياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس.

ذلك أن التطرف يثير مشكلات فلسفية معقدة تتعلق بنسق القيم الذي يؤمن به الفرد الإرهابي أو تتبناه الجماعة الإرهابية.

وفي هذا المجال لابد من تحليل ثقافي لأسباب رفض الجماعات الإرهابية لنسق قيمي معين (مثل رفض الجماعات الإسلامية المتطرفة للقيم الغربية)، وأسباب تبنيها للرؤى الإسلامية المتشددة. كما أنه لابد من دراسة طبيعة النظم السياسية التي تدور في رحابها الحوادث الإرهابية، بالإضافة إلى تحديد نوعية البنى الاجتماعية السائدة والنظم الاقتصادية المطبقة. وليس علم النفس بعيداً عن هذا الميدان، لأن هناك دراسات نفسية متعمقة عن "العقول المغلقة" وعن التعصب وعن الشخصية الدوجماطيقية (الوثوقية).

تحليل التطرف الإيديولوجي يحتاج إلى منهج متكامل ينهل من كل العلوم الاجتماعية المعاصرة. أما "الواقعية الاستراتيجية" فمجالها بحوث حل الصراع في ميدان العلاقات الدولية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكزر نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-12-4-2007