الأمير بندر: "دور الفرد في التاريخ"

 

 سعد محيو

 

 

ثمة ظاهرة شخصية تحُـوم حالياً في الشرق الأوسط، ربما يقدَر لها أن تُـصبح عمّـا قريب ظاهرة تاريخية، إذا ما سار كل شيء على ما يرام.

هذه الظاهرة الشخصية إسمها الأمير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز.

الظاهرة التاريخية، هي إحتمال ترقِّـي الأمير إلى ملك، إذا ما حسم السِّـباق الحالي على العرش السعودي لصالحه بينه وبين الأمير مقرن بن عبد العزيز، رئيس المخابرات السعودية المُـقيم في الديوان الملكي.

لماذا يمكن لظاهرة الأمير بندر الشخصية أن تنقلب إلى ظاهرة تاريخية ملكية، لتكون بذلك تأكيدا إضافياً لنظرية "دور الفرد في التاريخ"؟ سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة أمام "السيرة الشخصية" للرجل.

البدايات

ولد الأمير في 2 مارس 1949 في الطائف، والده الأمير سلطان، حفيد الملك عبد العزيز بن سعود، مؤسِّـس المملكة العربية السعودية وموحِّـد شطريها، الحجاز ونجد.

في السابعة من عمره، لفت نظر جدّته لوالده الأميرة حِـصَّـة السديري، والدة الأشقاء - الأمراء السبعة الذين يُـطلق عليهم إسم "السديريين"، نسبة لعشيرة حصّـة السديرية، والذين يضمّـون الملك الراحل فهد والأمير سلمان، أمير الرياض والأمير نايف، وزير الداخلية.

الأميرة حصة قرّبته من والده الأمير سلطان، وهذا ما مهّـد الطريق أمامه لتجاوُز العقبات التقليدية، التي تفرضها العادات المتعلِّـقة بالأصول البدوية المتعلقة بلون بشرة والِـدته.

حين بلغ السابعة عشرة، عمِـد الأمير بندر إلى تغيير تاريخ ميلاده ليتسنّـى له الانضمام إلى كليّـة سلاح الجو الملكي البريطاني في كرانويل بإنكلترا.

تخرَج من هناك برُتبة طيار مقاتل، ثم عمِـل في العديد من القواعد العسكرية الأمريكية وحصل على درجة ماجيستير في السياسة العامة الدولية من جامعة جونز هوبكينز للدراسات الدولية المتقدمة، لكن مِـهنته كطيار مقاتل وصلت إلى خواتيم سريعة، حين تعرّض إلى جروح خطيرة في ظهره في تحطُّـم طائرته خلال عملية هبوط.

قبل نحو ربع القرن، رفض الكونغرس صفقة طائرات حربية ضخمة مع السعودية بقيمة 6 مليارات دولار. وبعد أن فشل الأمير تُـركي الفيصل في إقناع الشيوخ الأمريكيين بتغيير موقفهم، تسلَـم الأمير بندر المُـهمة.

إلتقى الرئيس الامريكي كارتر عام 1987 بصفته مبعوثاً لولي العهد السعودي الأمير فهد وأبرم معه صفقة، توفير بندر لدعم السيناتور الأمريكي من أصل عربي جيمس أبو رزق لمعاهدة قناة باناما، مقابل قيام كارتر بتوفير دعم اللجنة الخاصة بالأسلحة لصفقة الطائرات.

نجاح هذه المهمّـة حفّـز فهد على تعيينه سفيراً للمملكة السعودية لدى واشنطن، وهو منصب استمر فيه زُهاء 23 عاماً، تحوّل خلالها عملياً إلى رُكن بارز من أركان صُـنع القرار الأمريكي، وهذا ليس فقط في عهدي الرئيس بوش الأب والابن، الذين أطلقا عليه إسم "بندر بوش"، بل أيضاً في عهود ريغن وكارتر وكلينتن، كما أنه كان صديقاً مُـقرَباً من نائب الرئيس ديك تشيني وزوجته لين تشيني.

العديد من المؤلِّـفين الأمريكيين أبرزوا الأدوار الكبيرة التي لعبها الأمير بندر في السياسات الأمريكية والعالمية والشرق أوسطية. فكريغ أنغر، تحدّث في كتابه "آل بوش، آل سعود"، عن العلاقة الوثيقة لبندر مع عائلة بوش، وكذا فعل مايكل مور في كتابه وفيلمه " فاهرنهايت 9\11 "، الذي قال فيه إن الرئيس بوش الابن التقى بندر في جلسة سرية بعد يومين من عمليات 11 سبتمبر، برغم أن مُـعظم منفِّـذي هذه العمليات كانوا من المواطنين السعوديين.

وفي كتابه "خطة الهجوم"، يقول المحقِّـق الصحفي بوب وودوورد إن الرئيس بوش أطلَـع بندر على قراره بغزو العراق، قبل أن يعرف به وزير خارجيته كولن باول، وقبل تنفيذ الغزو بنحو شهرين، كما زعم الكتاب أن بوش وبندر أبرما صفقة لخفض أسعار النفط عشية انتخابات نوفمبر 2004.

وليام سامبسن في مؤلفه "الأمير"، يقول إن بندر لعب دوراً في عملية "إيران - كونترا"، وأقنع الرئيس السوفييتي غورباتشوف بالانسحاب عسكرياً من أفغانستان، وإن العديد من رؤساء الدول، بمن فيهم مارغريت ثاتشر، كانوا يطلبون منه خدمات خاصة لنقل رسائل إلى البيت الأبيض.

العودة

قبل أشهر قليلة، استقال الأمير بندر من منصبه كسفير وعاد إلى بلاده. آنذاك، قيل إن الاستقالة والعودة مؤشّـران على انتهاء الدور، خاصة بعد أن عُـيَن الأمير أميناً عاماً لجهاز الأمن الوطني، الذي لم يكن موجوداً من قبل، والذي لا ميزانية خاصة وهيكلية ما له.

لكن سرعان ما تبيّـن خطـأ هذا الاعتقاد، إذ أن بندر تحوّل بين ليلة وضُـحاها إلى "محرّك التاريخ" في كل أنحاء الشرق الأوسط، فهو كان دينامو اتفاق مكة الفلسطيني بين حركتي "حماس" و"فتح"، وهو يقوم الآن بجهود مكوكية كثيفة بين طهران والرياض لتجنيب لبنان مخاطر الانفجار الكبير.

ويُـقال أنه يلعب حالياً دوراً كبيراً لمحاولة الوساطة بين واشنطن وطهران، كما يقال أيضا بأنه العضو الرئيسي المشرف على الملف العراقي في الهيئة العليا للسياسة الخارجية، التي شكّـلها الملك عبد الله في يونيو الماضي، والتي تضُـم إلى بندر الأمير مقرن والأمير سعود الفيصل، ومستشاري الملك، إياد المدني، وزير الإعلام والشيخ إبراهيم العنقري.

في 19 فبراير 2007، نشر الكاتب الأمريكي جاكسن ديهل مقالاً مثيراً في "واشنطن بوست"، حمل العنوان الأكثر إثارة: "هل يستطيع صانع صفقات سعودي إنقاذ بوش"؟

كان الكاتب يتحدث عن الأمير بندر، الذي وفق ديهل، تعوِّل عليه حالياً واشنطن لتسهيل خروجِـها من ورطتها في العراق، بعد أن فشل الرئيس حسني مبارك في ذلك.

كيف؟ إما عبر التّـمهيد لمحادثات سرية إيرانية - أمريكية أو إبعاد إيران عن سوريا بعد أن عجز الرئيس مبارك عن إبعاد سوريا عن إيران (والكلام لا زال لديهل).

ربما كان في مقالة الكاتب الأمريكي قدر من المبالغة وربما تضمنت تضاعيفه رغبة أمريكية مقصودة في تضخيم أدوار البعض، خدمة لأغراض خفية لا علاقة لها بالأزمات الطافية على السطح. لكن مجرد استخدام تعبير"إنقاذ بوش"، قد يكون مهِـماً هنا، ليس لأنه يتعلّـق بشخص بوش وأزماته، بل لأن ورطة هذا الأخير قد تؤدّي إلى تعريض الجميع في الشرق الأوسط، بلا استثناء، بما في ذلك إيران نفسها، إلى مخاطر جمة.

وعلى سبيل المثال، الخروج الأمريكي السريع من العراق، سيؤدّي إلى انفجار (أو تفجير) حرب أهلية عراقية ستجُـر الجميع في المنطقة إلى أتونها، وبالمثل الانسحاب البطيء، سيجعل جميع الأطراف الإقليمية والدولية تتسابق على وِراثة المريض الأمريكي قبل وفاته، مما سيخلق أيضاً حالة لا استقرار عامة.

هناك حاجة لجعل الانسحاب الأمريكي يتم بأقل الأرباح المُـمكنة لإيران وسوريا، وبأقل الخسائر المحتملة لواشنطن والدول العربية "المعتدلة"، وهذان الهدفان قد يتطلّـبان لتحقيقهما مُـناورات كُـبرى في طول الشرق الأوسط وعرضه، مناورات قد تفرض الظروف في بعض الأحيان ألا تقتصر على الدبلوماسية وحدها.

ويبدو أن هذا هو الدّور الكبير الذي يلعبه الآن الأمير بندر، والذي تتقاطع فيه بقوة المصالح القومية السعودية مع المصالح الأمريكية، وهو يقوم بذلك بعقلية الطيار المقاتل، الذي ينقضّ مباشرة على هدفه، مستخدماً ما يُـطلق عليه الأمريكيون تعبير "عين الطير" « Birds eye »، أي النظرة الشمولية التي يمنحها الطيران للمرء. فهل ينجح هذه المرة أيضاً؟

إذا ما فعل، سيكون سمو الأمير على موعد مع العرش الملكي ومع لقاء ناجع آخر مع نظرية "دور الفرد في التاريخ"!

بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود

قضى الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز 22 عاما في السلك الدبلوماسي سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى واشنطن منذ 1983 وحتى 2005، كانت مليئة بالنشاط والعمل الجادّ في سبيل بناء علاقات قويّة لبلاده مع واشنطن.

يوصف الأمير بندر بأنه من أقرب الدبلوماسيين إلى الإدارة الأمريكية الجمهورية ويحظى بثقة خاصّة. فقد كانت له صلات ممتازة بالرؤساء وكبار المسؤولين في الإدارات الجمهورية خلال سنوات عمله الماضية، ممّا ساهم في وضع العلاقة السعودية الأمريكيّة في مرتبة عالية. وحتى حينما حصلت أحداث 11 سبتمبر وجرت عواصف شديدة على هذه العلاقة، ظل الأمير بندر مدافعاً عن بلاده في مختلف المحافل والندوات والمناسبات، مبيّناً للشعب الأمريكي وللمسؤولين أهمية ومتانة العلاقات الأمريكية السعودية وجهود الحكومة في مكافحة العنف ومحاربة الإرهاب.

وعلى العكس من العلاقة الوثيقة التي كان يتمتع بها مع آل بوش و جمهوريو النفط، فقد اتسمت فترتا رئاسة بيل كلنتن (الديمقراطي) 1993 - 2001 بانزواء لدور الأمير بندر والسعودية بصفة عامة.

وكان الأمير بندر عميداً للسلك الدبلوماسي في واشنطن، وهو لقب يناله السفير صاحب أطول مدة خدمة بالعاصمة المعنية. وكان السفير الوحيد بواشنطن الذي يخصص له حراسة دائمة من الحرس الرئاسي الأمريكي.

يشغل الآن منصب الأمين العام لمجلس الأمن الوطني السعودي، بقرار ملكي صدر يوم الأحد الموافق 16 اكتوبر 2005.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو