من يستغل من: روسيا وإيران والمصالح المشتركة!

 

يوسف شلي

 

يطرح المتابعون للشأن الروسي جملة من التساؤلات حول جدية موسكو في دعمها لإيران المغضوب عليها دوليا، وغاياتها من هذا الدعم، وما سوف تجنيه من مكاسب مالية وعقود تجارية، قدرها البعض بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية.

وهل تعد موسكو دعمها لطهران ورقة تفاوضية مع واشنطن خدمة لملفات وقضايا أخرى أكثر أهمية للروس، أم أن دعم طهران يشكل سياسة إستراتيجية تندرج في إطار المساعي الروسية لاستعادة نفوذها في الساحة الدولية في السنوات المقبلة؟

إن قرار موسكو عدم تسليم الوقود النووي إلى مفاعل بوشهر الإيراني، قد ينظر إليه على أنه تغير في السياسة الخارجية الروسية تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران، خاصة وأن الحكومة الروسية دعمت إيران في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والدفاعية، وساعدت طهران خلال مجابهتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما في برنامجها النووي.

وقد رأت روسيا دائما أن العلاقات مع إيران إيجابية لعدة أسباب:

1 - سياسة روسيا تجاه إيران وبعض حلفائها في المنطقة، مثل سوريا، ترتبط بالاعتبارات الاقتصادية والتجارية البراغماتية، ولا تتصل بمطامح لاستعادة الأمجاد القديمة للاتحاد السوفيتي، على الأقل في المدى المنظور.

2- إيران من أهم زبائن روسيا في مجال شراء الأسلحة والتقنية النووية الروسية، وهي التقنية التي تدر عليها مئات الملايين من الدولارات. فروسيا حريصة على أن تبقى مصدرا أساسيا للسلاح لعدد من الدول الكبرى في الشرق الأوسط، فذلك يعزز صناعة السلاح التاريخية لديها، إلى جانب سعيها للاستفادة من تقنيتها النووية بصورة تجارية، كما يحصل مع إيران الآن.

وقد عقدت روسيا مع إيران مؤخراً صفقات في مجال الأسلحة والتعاون النووي تصل إلى 1 مليار دولار، وهناك صفقات أخرى قد تصل إلى الملايير من الدولارات، ويكفي أن نذكر أن الجزائر وحدها عقدت مع روسيا صفقات سلاح بلغت قيمتها 7 مليار دولار.

3- علاقة إيران المتوترة مع الولايات المتحدة الأمريكية، شجعت موسكو على دعم طهران ضد الطموحات الأمريكية في المنطقة، التي تراها روسيا تهديدا لمصالحها في مناطق نفوذها.

4- روسيا، وبمعية الصين، تلتزم سياسة متعددة الأقطاب في الشؤون والعلاقات العالمية، ويعني هذا الحد من طموحات واشنطن في الاستئثار بالدول المعادية والمعارضة لها. فروسيا، تسير إذا على النهج الصيني، الذي أصبح إستراتيجية قائمة في التعاملات السياسية الدولية المعاصرة، فهي لا تريد إغضاب واشنطن أو الدخول معها في مواجهات سياسية أو عسكرية، أو في سباق تسلح على غرار ما كان موجودا في العهد السوفيتي أو الحرب الباردة، لأنها لا تملك مقومات النجاح في ذلك، فطموح روسيا في عهد فلاديمير بوتين، كما جاء في تحليل صحفي "طموح بعيد المدى يراعي الإمكانيات المتاحة للروس".

5- التورط الأمريكي في العراق وفي أفغانستان، يخدم سياسة الكرملين على المدى البعيد، لأن مصداقية واشنطن في المنطقة تأثرت كثيرا بفعل ما يحدث من مجازر وانتهاكات وتجاوزات.

وقد ذكر الكرملين علنا أن قراره إيقاف إنتاج مفاعل بوشهر النووي كان بسبب تماطل إيران في دفع مستحقاتها المالية، غير أن إيران أنكرت هذه الحجة، رسميا، معتبرة أن القرار الروسي له "أسباب سياسية"، ناتجة عن الضغوط الأمريكية والأوروبية...

الصحفي في وكالة رويترز كريستيان لوي ادعى أن عددا من كبار المسئولين الأوروبيين أخبروه، أن روسيا ستلتزم بقرار مجلس الأمن الدولي بعدم تسليم الوقود النووي لمحطة بوشهر حتى تمتثل إيران إلى الشرعية الدولية وطلبات الأمم المتحدة المتكررة لإيقاف نشاطات تخصيب اليورانيوم.

في هذا السياق، صرحت روسيا في العديد من المناسبات أنها تعارض امتلاك إيران للأسلحة النووية أو القدرة على تطويرها، وأنها لن تسمح بامتلاك طهران لتقنيات تخصيب اليورانيوم. ومنذ بداية العلاقة النووية الروسية – الإيرانية، علم الكرملين من مصادره الاستخباراتية، أن طهران سوف تستعمل التقنية الروسية للأغراض العسكرية، وأن الإستراتيجية الإيرانية قائمة على السعي الحثيث لامتلاكها بكل الوسائل. علاوة على ذلك، وحتى بعد توقف العمل في محطة بوشهر النووية، وعودة التقنيين الروس بأعداد هائلة إلى موطنهم، إلا أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ما زال يدافع في المحافل الدولية عن إيران، مصرحا أن روسيا "سوف لن تدعم عقوبات مفرطة ضد إيران"، وأن قرار مجلس الأمن للأمم المتحدة المؤرخ في 24 مارس/آذار 2007م، جاء نتيجة مفاوضات موسكو مع الأطراف الدولية.

إضافة إلى ذلك، تواصل روسيا في تزويد إيران بالأسلحة المتطورة، مثل نظام الصواريخ المضادة للطيران، التي بمقدورها ضرب الأهداف على ارتفاع 30 ألف قدم، وأسلحة أخرى هجومية، مما يعزز الترسانة العسكرية الإيرانية في أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ويرى بعض من المحللين بأن قرار روسيا هو نتاج ضغوطات غربية كبيرة عليها، ويبدو هذا التفسير الأكثر قبولا من غيره، بالرغم من أنه لا يبدو دقيقا كليا.

خلال السنوات القليلة الماضية، على سبيل المثال، أخذت روسيا موقفا عدائيا من الضغوط الغربية المكثفة عليها وعلى حليفتها في المنطقة إيران، فسياسة الكرملين الطاقوية التي أدت إلى تقليص تدفق الغاز إلى أوروبا، كانت مقصودة واستفزازية، رغم الغضب الأوربي العارم. لذا، يبدو من غير المحتمل أن موسكو سوف تقلل من تدخلها في الصناعة النووية الإيرانية بسبب الضغوط الغربية.

وبدلا من ذلك، هناك احتمال واقعي يوضح قرار موسكو السلبي تجاه إيران، ربما هناك نوع من صفقة سياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من جهة وروسيا من جهة أخرى.

وكجزء من مثل هذه الصفقة، تقوم واشنطن وبروكسل بدعم موسكو بعد قرارها وقف التعامل مع إيران من أجل استكمال مشروع بوشهر النووي، والذي يسمح للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي عزل إيران بشكل أفضل.

على أية حال، يبقى موقف روسيا من مثل هذه الصفقة غير واضح. فهناك مجموعة من القضايا التي تتمنى موسكو أن تجد الحل لصالحها، ومن أهمها تقليل الضغوط الغربية من خلال المنظمات غير الحكومية والهيئات الإنسانية التي تعمل في المقاطعات الروسية الانفصالية، مثل "أبخازيا" و"جنوب أوسيتيا". ورغم أن علاقات روسيا المتنامية مع إيران أثارت الكثير من الاستياء والاعتراض الأمريكي، إلا أن جل ما فعلته روسيا، هو أنها عملت على تهدئة الخواطر الأمريكية دون أن تفصم عرى العلاقات المتنامية مع الدولة المذكورة تحديدا.

ومن الواضح أن روسيا تحاول أن تدافع عن أمنها القومي في محيطها الجغرافي، وإيقاف التغلغل الأمريكي المتفاقم في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، وإلا فإن روسيا ذاتها ستصبح في مرمى الضغط الجغرافي السياسي والاقتصادي الأمريكي.

إذا، يبقى توقيت تجميد أو لنقل "تبريد" العلاقات مع إيران في المجال النووي، الذي قد يطال أيضا التعاون الروسي الإيراني في المجال العسكري، يؤشر على تغيير مؤكد في السياسة الروسية الإستراتيجية.

والفترة القادمة، ستبين هل كان قرارا تكتيكيا، أم تغييرا إستراتيجيا طويل المدى؟

ولكن يبقى ـ حسب عدد من المراقبين ـ أن دعم روسيا لإيران مجرد تكتيك، سرعان ما قد ينقلب في اللحظة التي يمكن فيها لموسكو أن تتوصل إلى تسوية مرضية لها مع واشنطن، تراعي خصوصية علاقتها بآسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط، الأمر الذي يعني أن إيران مجرد ورقة تفاوضية يفاوض بها الروس واشنطن، لا أكثر ولا أقل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: مجلة العصر-4-4-2007