مصالحة «محور الشر» مع الحزب الذي يحكم أميركا في الخريف المقبل

 

سليم نصار

 

مطلع شهر كانون الثاني (يناير) 1971، اتصل وزير الخارجية الأميركي في حينه وليام روجرز بديفيد بن غوريون، وطلب منه إقناع رئيسة الحكومة غولدا مائير بجدوى مبادرة سلمية كانت مصر قد تقدمت بها.

ولم يظهر بن غوريون أي اهتمام بطلب روجرز لأن خلافه مع مائير اضطره الى الاعتكاف في بلدة «سديه بوكير». ولكن إلحاح الوزير الأميركي أقنعه بضرورة اقتناص الفرصة التاريخية، فإذا به يطلب من مساعده أن يوصله بغولدا في القدس.

كان حديثهما عبر الهاتف غاضباً ومقتضباً. ففي حين رحب بن غوريون بالمبادرة لأنها في نظره، تفتح باب السلام مع مصر مقابل استرجاع سيناء، اعتبرتها مائير مدخلاً لسلام يشبه الاستسلام. لذلك أقفل السماعة وقطع الحديث، وراح يردد بأن تعنت رئيسة الحكومة سيقود الى اندلاع حرب جديدة.

وتشير وقائع تلك المرحلة الى أن وزير الدفاع موشيه دايان، كان يشاطر مائير الممانعة، بدليل أنه رد على اقتراح مصر برفع شعار: «شرم الشيخ من دون سلام... أفضل من السلام من دون شرخ الشيخ».

بعد مرور سنتين ونصف سنة تقريباً، على اهمال مبادرة السلام المصرية، نشبت حرب يوم الغفران (السادس من تشرين الأول/ اكتوبر 1973). وتوقع الكثيرون مثل بن غوريون، ان تؤدي عملية اضاعة فرصة السلام، الى نشوب قتال بين العرب واسرائيل.

نشرت جريدة «يديعوت احرونوت» هذه الواقعة يوم انعقاد قمة الرياض، لتؤكد أن ايهود اولمرت أضاع فرصة تاريخية برفضه المبادرة العربية. وحذرت الصحيفة من مخاطر استمرار حال الفراغ والمراوحة لأن ذلك يفضي الى اندلاع الحرب بين اسرائيل وجاراتها العربيات.

الصحف الأميركية اختلفت على تفسير الأسباب التي دفعت اسرائيل الى رفض المبادرة العربية. بعضها عزا السبب الى الهزيمة التي مني بها الجيش الاسرائيلي أمام «حزب الله»، الأمر الذي أخاف ايهود اولمرت ومنعه من تقديم تنازلات لا تسمح بها القيادة العسكرية والأحزاب الدينية. في حين كتبت صحف أخرى تقول ان اولمرت تبنى توصيات «مركز سبان» الذي يشرف على ادارته في واشنطن سفير اميركا في اسرائيل سابقاً مارتن انديك. وتقترح التوصيات التي صدرت عن حلقة ضمت مسؤولين اميركيين واسرائيليين، ضرورة إنشاء حلف للدول العربية المعتدلة يشمل الولايات المتحدة واسرائيل ايضاً، لمواجهة محور ايران - سورية - حزب الله - حماس. وعندما زارت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل المنطقة الاسبوع الماضي، أعلن اولمرت أمامها عن استعداده للمشاركة في قمة عربية تجمع الدول المعتدلة، «وذلك من أجل عرض الأفكار علينا».

وكان واضحاً من صوغ التبرير أن اولمرت يسعى الى تدشين عملية التطبيع قبل الاذعان الى شروط المبادرة. وهذا ما اقترحته من قبله وزيرة الخارجية تسيبي ليفني. ويبدو أنها راهنت في تحليلها على استغلال مخاوف الدول العربية من الطموحات الايرانية، كي تلغي بواسطتها مخاوف العرب من الخطر الاسرائيلي. وتوقعت أن يتجاوب العرب مع دعوتها الى مقاومة تهديد مشترك ناتج عن سعي ايران الى امتلاك سلاح نووي.

ويتبين من تفسير آخر قدمته صحيفة «هآرتس» أن أسباب مخاوف اسرائيل من عقد سلام شامل مع الفلسطينيين والدول العربية، تعود الى حالات نفسانية تجذرت في المنافي وترسخت في نظام «الكوبيتز». أي حالات التنازل عن شعار «الشعب الصغير المحاط بالأعداء». وهو شعار مريح سياسياً ومثمر مادياً، يمكن أن يجرد اسرائيل من وسائل الابتزاز إذا ما هي تراجعت الى حدود حزيران (يونيو) 1967.

الرئيس الأميركي جورج بوش كان يتوقع من حكومة اولمرت معاونته على حل الخلافات مع الفلسطينيين، كمدخل لحل ورطته في العراق، خصوصاً أن الاوضاع الأمنية المتردية في افغانستان والعراق بدأت تنعكس بشكل سلبي على مستقبل الحزب الجمهوري. لذلك سارع المرشح الجمهوري جون ماكين للقيام بزيارة خاطفة الى بغداد يرافقه ثلاثة من زملائه في الكونغرس. ومع أن الشيوخ الأربعة تحدثوا عن بعض التقدم في المجال الأمني، إلا أن المراسلين كذبوا ادعاءاتهم بدليل أنهم استقلوا سيارات مصفحة وارتدوا سترات الوقاية وخوذات الحماية. وكان واضحاً أن زيارتهم لبغداد تدخل في إطار حملة الدعاوة للحزب الجمهوري الذي يترنح حالياً تحت ضربات الحزب الديموقراطي.

الزيارة التي قامت بها رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي الى المنطقة، كانت بمثابة اختطاف للدور الذي يرسمه عادة سيد البيت الأبيض. أي دور المصمم للسياسة الخارجية التي تضطلع بها كوندوليزا رايس. والطريف أن نانسي زارت بيروت في نيسان (ابريل) 2005 ولكنها لم تحظ بالاستقبال الرسمي الذي حظيت به اليوم بسبب طغيان الحزب الجمهوري على الكونغرس قبل الانتخابات النصفية. ومن المؤكد أن رئيس المجلس نبيه بري لم يكتشف جمالها، بدليل أنه فضل عليها جلسات «المصيلح» يوم الأحد، وعهد إلى وزير خارجيته داخل «أمل» ياسين جابر بتدبير شؤون الضيافة والنقاش. واستقبلها جابر في وزارة الأشغال العامة وحدثها عن الديموقراطية التوافقية وعن حق المشاركة لـ18 طائفة يتألف منها النسيج الاجتماعي اللبناني.

تميزت زيارة بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي، لدمشق بإحداث اختراق في جدار العزل الذي ضربه الرئيس الأميركي حول النظام السوري، وهي في الواقع تمثل زعامة الحزب الديموقراطي في مجلس الشيوخ والنواب. وقد أثبتت منذ الانتخابات النصفية، أنها قادرة على حشد الرأي العام وراءها، وعلى تأسيس تيار معارض لسياسة سيد البيت الأبيض. ومن أبرز انجازاتها القيود التي وضعتها للحد من صلاحيات الرئيس ومنعه من الاستفراد بالقرارات المالية والعسكرية الخاصة بحرب العراق. وتشير الوقائع الى المضايقات المتواصلة التي عاناها بوش من جراء تحكم الأكثرية الديموقراطية، الأمر الذي دفعه الى تذكير نانسي قبل زيارتها إلى سورية «بألا تعقد مصالحة مع دولة ترعى الإرهاب، وتخرب على حكومة فؤاد السنيورة، وتساعد المتسللين على دخول العراق عبر حدودها كي يقتلوا الجنود الأميركيين».

وعلى رغم التحذيرات، تخطى الحزب الديموقراطي حدود السياسة الخارجية التي هي - بحسب الدستور الأميركي - من صلاحيات السلطة التنفيذية الممثلة بسيد البيت الأبيض وكوندوليزا رايس. وقد ساعد الرئيس بشار الأسد وفد الحزب الديموقراطي على انجاح الزيارة على الصعيدين الرسمي والشعبي، خصوصاً أنه حرص على تنفيذ خمسة عشر وعداً طلبتها إدارة بوش، من دون الحصول على شكر واحد. ولهذا يتعمد في كل لقاءاته مع موفدين أميركيين، على التذكير بأن تعاون أجهزة استخباراته أمن السلامة لـ52 شخصية أميركية كانت «القاعدة» تخطط لتصفيتها.

ويستدل من طبيعة التعهدات التي قدمها لرئيسة مجلس النواب، انه عازم على توفير أفضل الأجواء السياسية من أجل فوز الديموقراطيين. علماً بأنه يعرف جيداً أن علاقات هذا الحزب باسرائيل لا تقل متانة عن علاقات الحزب الجمهوري. ولكنه يعرف أيضاً أن الحوار لم ينقطع مع الرئيس كلينتون الذي حرص على زيارة دمشق وترؤس مفاوضات السلام في جنيف. كما حرص على استقبال ياسر عرفات أكثر من عشرين مرة، في حين أدار له بوش ظهره عندما رآه في الأمم المتحدة.

يقول المراقبون في لندن ان اطلاق سراح خمسة عشر بحاراً بريطانياً احتجزتهم إيران مدة اسبوعين تقريباً، هو قرار مفاجئ يمكن أن يستغله حزب المحافظين لانتقاد سياسة توني بلير وحزبه. وقد أحدث نبأ اطلاق البحارة موجة من الارتياح لدى الرأي العام البريطاني، غيبت عن الأذهان الصورة السابقة التي رسمها بوش عن «دول محور الشر». ويقال في تفسيره هذه الخطوة الاستعراضية المفاجئة ان الرئيس أحمدي نجاد أدخل هدفاً ثانياً بعد هدف الأسد، في مرمى الحزب الجمهوري الأميركي على أمل إخراجه من مباراة الدورة المقبلة!

بقي السؤال الأخير:

لماذا أقدم علي خامنئي على استخدام أسلوب الليونة والتسامح مع البحارة البريطانيين في حين استعمل حرس الثورة مع محتجزي السفارة الأميركية أقسى ألوان التعذيب والإهانة؟

التفسير الأول يشير الى رغبة طهران في استعمال الأسلوب الديبلوماسي رداً على أسلوب الحوار الذي استخدمه توني بلير.

أما التفسير الآخر فيقول ان الرئيس أحمدي نجاد أصغى الى نصح الناصحين، مثلما فعل صدام حسين سنة 1990 يوم أطلق سراح محتجزي الطائرة الأميركية بهدف خلق رأي عام متعاطف معه، مقابل تهديدات جورج بوش الأب باقتلاعه من الكويت. علماً بأن ظروف الحادثين مختلفة، إلا إذا كانت إدارة جورج بوش الابن تعتبر تمدد النفوذ الايراني عملاً مساوياً لاحتلال دولة نفطية!

*كاتب وصحافي لبناني

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-7-4-2007