المناورات العسكرية وحروب المستقبل

 

جاري آندرسون

 

 

بدأت القصة قبل أربع سنوات بتصريح أدلى به الجنرال "ويليام والاس"، قائد القوات البرية في العراق آنذاك، حيث قال: "إن العدو الذي نحاربه اليوم يختلف بعض الشيء على ذلك الذي تدربنا على مواجهته خلال المناورات العسكرية بسبب دخول القوات شبه العسكرية على الخط"، وتابع واصفاً ما شهده خلال غزو العراق في 2003 "إننا على يقين بأنهم موجودون حولنا، لكننا لا ندري كيف سيقاتلون". والواقع أن المناورات الحربية في السابق كانت بسيطة، إذ ينقسم المستشارون العسكريون والجنود إلى فريقين يرتدي الأول اللون الأزرق (الحلفاء)، بينما يعطى اللون الأحمر للفريق الثاني (العدو)، ثم يتواجهان من خلال سلسلة من الحركات والمناورات التي تشبه إلى حد كبير لعبة الشطرنج. ولم يكن الهدف من تلك المناورات التنبؤ بنتيجة المعارك المستقبلية –على رغم أن ذلك حدث في بعض الأحيان- لكن الهدف كان وضع جميع السياسات والتكتيكات والأسلحة التي تخاض بها المعارك تحت المحك واختبار نجاعتها في ساحة المعركة.

وكانت تكفي أمور صغيرة جداً لتغيير احتمالات كل فريق، فضلاً عن الحسابات الرياضية الدقيقة، التي يتم اللجوء إليها لتحديد النتائج، وهو الأسلوب الذي كان ناجحاً جداً إلى فترة قريبة أثناء الحرب البادرة. أما اليوم، فقد شهدت المناورات العسكرية، وبخاصة عقب هجمات 11 سبتمبر تطوراً ملحوظاً لتظل قادرة على مواكبة ما يجري على ساحة القتال من مستجدات. وهكذا وبدلاً من العدو الواحد الذي كان يتعين مواجهته في ساحات المعارك تعددت الفرق الحمراء، وفي بعض الأحيان تدخل في صراع مع بعضها بعضاً، فضلاً عن مواجهتها للفريق الأزرق. وعلى رغم أن الوضع الجديد يعقد الأحوال بالنسبة لمن يلعب دور الفريق الأحمر، كما كنت أفعل، فإن المناورات تنطوي مع ذلك على متعة لا تضاهيها متعة. ولابد من الإشارة هنا إلى أنه ليس الفريق الأحمر من طرأ عليه التغيير بمفرده، بل إن مفهوم النصر ذاته خضع للتحول أيضاً.

فقد برز في إطار التطورات الجديدة فريق آخر مُنح اللون الأخضر ويمثل إلى جانب السكان المدنيين، وسائل الإعلام والرأي العام الدولي. وقد تحول هذا الفريق من مجرد متفرج في السابق إلى حكم يلعب دوراً أساسياً في تحديد نتيجة الحرب، بحيث يشكل انقلاب أحد فصائل الفريق الأخضر على أحد الفريقين الأحمر، أو الأزرق تحدياً كبيراً لن تجدي معه القدرة العسكرية لكل طرف في محاربة الآخر. وعند التخطيط لتحديد أسس المناورات العسكرية يتم الاعتماد على وسائل متعددة تختلف باختلاف أهداف المناورات ذاتها، لكنها عموماً تضم في صفوفها العشرات من المشاركين في كل فريق، بحيث يتم إطلاعهم على سيناريو المناورات قبل بدئها ويتم وضع الأهداف التي يحددها كل فريق، بالإضافة إلى الخطط المرتبطة بالوسائل الدعائية التي سيعتمدها، ناهيك عن التكتيكات العسكرية المتبعة. أما الفريق الأخضر الذي يبقى على الحياد، على الأقل في البداية، ففيه يحدد كل شخص من الفريق أهدافه الخاصة ورؤيته الذاتية للحرب. وغالباً ما تتم مراقبة حركة الفريقين من قبل لجنة تحكيم كجزء من فريق يعطى اللون الأبيض، أو كمبيوتر يقرر النتيجة النهائية للمناورات ويتوِّج المنتصر. وقبل البدء في أي تحرك يطلع الفريقان المتواجهان أعضاء الفريق الأبيض على الدروس المستخلصة من التحرك السابق على أرض الواقع، وكيف جاءت ردة فعل العدو، ثم تجاوب وسائل الإعلام الدولية مع ذلك.

وقد تستغرق المناورات العسكرية أسبوعاً كاملاً للقيام بثلاث، أو أربع حركات، غير أن التوقيت يختلف من مناورة إلى أخرى، إذ يمكنها مثلاً أن تأخذ في حالة تقليد الخطة الجديدة التي أقرها الرئيس بوش في العراق ستة أسابيع للقيام بتحرك واحد. وفي نهاية المناورة يُطلع كل فريق الفريق الآخر على العبر المستخلصة والطريقة الأمثل لإدارة الصراع. وقد يتبين مثلاً أن العملية العسكرية ليست أكثر أهمية من العوامل غير العسكرية مثل الرأي العام الدولي والتصورات الرائجة في وسائل الإعلام. لكن الأهم من ذلك مقدرة تلك المناورات على رصد الثغرات الموجودة في عملية التخطيط العسكري ومحاولة سدها قبل التوجه إلى ساحة المعركة. ويتم التركيز اليوم على تعزيز الوعي الثقافي بالعدو خلافاً لما كان سائداً في السابق، حيث كانت التكتيكات العسكرية التقليدية تعتبر حجر الزاوية في المواجهات. وفي هذا السياق أصبح فهم ثقافة العدو، ممثلة في الفريق الأحمر، ضرورياً لإحراز تقدم عسكري، لاسيما في ظل الأهمية التي بات يتمتع بها المدنيون، والفريق الأخضر إجمالاً، في تحديد المحصلة النهائية للحرب.

*عسكري أميركي سابق في فيلق مشاة البحرية ومدير مركز "الأخطار والفرص الصاعدة"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-29-1-2007