الاتحاد الأوروبي بين مرارات الماضي وإغراءات المستقبل

 

 

آن أبيلباوم

 

لا تقلق إذا لم تلاحظ أن يوم الأحد الماضي حمل الذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد الأوروبي، فمعظم الأوروبيين لم يلاحظوا ذلك أيضاً. والواقع أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تترأس بلادها الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، لم تقصر من جهدها، حيث وجهت دعوة إلى قادة الدول السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي لسماع إحدى معزوفات "بتهوفن"، كما أن القادة الأوروبيين الذين يطمحون إلى بناء فضاء موحد توجهوا إلى أحد الملاهي الليلية الراقية في برلين ورقصوا على أنغام الموسيقى الصاخبة لكل دولة. ورافق ذلك انطلاق الألعاب النارية في السماء، وطبعاً تم توقيع وثيقة حملت اسم "إعلان برلين"، أهم ما جاء فيها وصفه لأوروبا على أنها "فكرة، وأمل في تحقيق الحرية، والتفاهم". ومع ذلك رانت هالة من التشاؤم على مجمل الفعاليات التي رافقت الاحتفال وأرخت بظلال كثيفة من الشك على عموم القارة كلما تم التفكير في الفكرة الأوروبية.

فقد كشف استطلاع للرأي أجري بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد الأوروبي في الدول المنضوية تحت لوائه أن 56% من المستجوبين يعتقدون أن "الاتحاد الأوروبي لا يمثل الناس العاديين". والأكثر من ذلك ما كشفه استطلاع آخر للرأي من أن 44% من الأوروبيين في الدول ذات الكثافة السكانية العالية يعتقدون أن الحياة باتت أسوأ منذ انضمام بلدانهم إلى الاتحاد الأوروبي، مقارنة مع 25% فقط من الأوروبيين الذين يرون أن الحياة تحسّنت. لكن اللافت بشأن هذه الأجواء المتشائمة هو أن الحياة في الاتحاد الأوروبي، من الناحية الموضوعية، شهدت تحسناً لا يمكن إنكاره. فقبل خمسة عقود لم تكن برلين مدينة الملاهي الراقية، بل كانت ترزح تحت الدمار والخراب، وكانت بريطانيا قد خرجت لتوّها من توزيع الحصص الغذائية على المواطنين. أما في دول أوروبا الشرقية فقد كانت خاضعة تحت إدارة حكومات شيوعية ديكتاتورية لا تعرف للكفاءة طريقاً. لكن وعلى امتداد فترة نصف القرن التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تحسنت الظروف المعيشية للأوروبيين على نحو كبير، كما تطور القطاع الصحي، وزاد أمد الحياة.

واليوم أصبحت أوروبا خالية من الحروب، وبعيدة عن سنوات توزيع حصص الطعام على السكان، فضلاً عن اختفاء الشيوعية. وخلافاً للنظرة السائدة لدى الأميركيين تعرف غالبية دول أوروبا الشرقية مثل بولندا وسلوفاكيا ودول البلطيق ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة نموها الاقتصادي، هذا ناهيك عن الاقتصاد الألماني الذي يشهد انتعاشاً واضحاً، أو الاقتصاد البريطاني الأكثر ازدهاراً. وللانتهاء من مسألة الاقتصاد أسوق ما نشر في الأسبوع الماضي حول سياسي بريطاني وضع قائمة بالأشياء الإيجابية التي حققها الاتحاد الأوروبي وتهمه شخصياً جاء فيها: "مكالمات هاتفية أرخص"، و"شواطئ أكثر نظافة"، وهكذا. إذن لماذا هذا الشعور بالتشاؤم الذي ينتاب الأوروبيين إزاء الاتحاد؟ الواقع أن المشكلة لا تكمن في الاتحاد الأوروبي ذاته، بقدرما تكمن في الحكومات الوطنية داخله.

فالاتحاد الأوروبي يمر اليوم بلحظة ضعف شديدة على مستوى القيادات الوطنية، إذ من جهة يواجه رئيس الحكومة البريطانية صعوبات كثيرة بسبب الفضائح المتتالية ودعمه للحرب على العراق، ومن جهة أخرى هناك الرئيس الفرنسي الذي يتأهب لمغادرة منصبه خلال الربيع الجاري في ظل تراجع شعبيته وعدم كفاءته. أما الآخرون بمن فيهم أنجيلا ميركل، فضلاً عن العديد من قادة أوروبا الشرقية فيجدون أنفسهم مضطرين للاعتماد على تحالفات هشة وعلى تأييد شعبي هزيل. ويكمن جزء من المشكلة أيضاً في القضايا المعروضة على الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن. فليس بناء الجسور وإعادة الإعمار التي شهدتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بمستوى التعامل مع قضية الجالية المسلمة المتنامية في المجتمعات الأوروبية، إذ ترتبط المسألة الأولى بصعوبات هندسية، بينما تتصل الثانية بالجدل الثقافي والقانوني والديني الذي لا يفضي إلى نتيجة.

ويبقى الجزء الأساسي من المشكلة كامناً في الخطاب، أو اللغة التي استخدمها "إعلان برلين" نفسه، لاسيما مع تلك العبارة التي تشير إلى "الفكرة الأوروبية". فبعد خمسين سنة من الإنجازات التي حققها الاتحاد الأوروبي من إقامة منطقة حرة للتجارة، إلى إقرار العملة الموحدة والعديد من التشريعات المشتركة مازال الاتحاد الأوروبي بعيداً عن بلورة "الفكرة الأوروبية" على نحو واضح، أو حتى صياغة تصور مفهوم لمصير مشترك. وقد يكون ذلك متوقعاً بالنظر إلى الانقسام الثقافي داخل الاتحاد، وبخاصة الاختلاف اللغوي الذي يعتبره البعض نوعاً من الثراء المميز للاتحاد الأوروبي. لكن النتيجة هي غياب وسائل إعلام مشتركة وانعدام نقاش سياسي يوحد الأوروبيين، وبالتالي عدم وجود توافق حول معنى الفكرة الأوروبية، أو إجماع على ضرورة ربطها مثلاً بالإرث "المسيحي" للقارة الأوروبية، أو حتى بالإرث "اليهودي المسيحي". فالألمان يعرفون عن السياسة الأميركية أكثر مما يعرفون عن سياسة دولة مثل التشيك تجاورهم، كما أن معظم الناس يشعرون بثقة أكبر إزاء القادة الذين انتخبوهم مباشرة مقارنة مع بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي الذين بالكاد يعرفون أسماءهم.

* كاتبة ومحللة سياسية أميركية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر ترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-29-3-2007