عودة سباق التسلح في عالم ما بعد الحرب الباردة

 

ديفيد فرانسيس

 

في الآونة الأخيرة، ازدادت وتيرة السرعة التي يمضي بها سباق التسلح العالمي الذي تتصدره في الوقت الراهن الولايات المتحدة التي يزيد إنفاقها على التسليح على مجموع إنفاق دول العالم قاطبة. يعلق "سايمون وايزيمان" خبير تجارة الأسلحة العالمي في "معهد بحوث السلام الدولي في استكهولم- السويد" على ذلك بقوله: "إن الزيادة في سباق التسلح قد جاءت بشكل تدريجي". وتعني زيادة وتيرة سرعة سباق التسلح أن "عائد السلام"، الذي نتج عن انتهاء الحرب الباردة أخذ في التلاشي. ففي عام 1990، أي قبل عام من سقوط الاتحاد السوفييتي، وانتهاء تلك الحرب، كانت النفقات العسكرية العالمية لا تتجاوز حدود المليار دولار سوى بمقدار ضئيل، وذلك قبل أن يتصاعد هذا الرقم تدريجياً عبر السنوات ليصل إلى تريليون دولار عام 2005 وفقا للمعهد نفسه.

ويقول خبراء معهد بحوث السلام الدولي إن المعهد لن ينتهي من تقدير أرقام الإنفاق الدفاعي في العالم للعام المنصرم قبل شهر يونيو القادم، بيد أنه مع تصاعد نفقات حربي العراق وأفغانستان وزيادة الإنفاق الدفاعي لبعض الدول مثل الصين والهند ودول الشرق الأوسط وغيرها من المناطق، فإن الأمر المرجح هو أن يتجاوز الإنفاق العالمي على الأسلحة حاجز تريليون دولار مرة ثانية.

"إن ذلك يمثل مأساة" كان هذا تعليق "جون سايبيرت" المدير التنفيذي لمشروع "بلاوشيرز"، وهو برنامج مضاد للحرب تابع للمجلس العالمي للكنائس في "واترلو أونتاريو" الذي لا يعارض زيادة الإنفاق على التسليح في حد ذاته، ولكن يدعو أن يتم منح درجة أعلى من الأولوية للتعليم والصحة وغيرها من البرامج الاجتماعية الأخرى.

ويحذر "وايزيمان" من أن الزيادة في الإنفاق على التسليح تمثل لعبة خطرة، لأن زيادة كميات الأسلحة والمعدات العسكرية التي تمتلكها دولة ما، قد تغريها بتجربتها يوماً ما وعدم الاكتفاء فقط بعرضها في المناسبات الوطنية.

والحق أن زيادة الإنفاق العسكري، قد اجتذبت اهتمام دوائر المال والأعمال في "وول ستريت" المتخصصة في الاستثمارات المصرفية حيث أصدرت مؤسسة "ميريل لينش" منذ شهور تقريراً مكوناً من 20 صفحة موجهاً للمستثمرين في سباق التسلح في العالم أنهته بعرض قائمة بالمجالات التقنية، التي يتوقع لها أن تتلقى المزيد من التمويل من جانب الحكومة الأميركية.

ويشير التقرير إلى أن الإنفاق العسكري العالمي يلتهم 2.5 في المئة في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم، أي أن نصيب كل فرد في هذا العالم من نفقات التسليح يبلغ 173 دولاراً. وهذا الإنفاق ارتفع بنسبة 25 في المئة خلال الأعوام الخمسة الماضية، كما أن كافة الدلائل تشير إلى أن الإنفاق سيتصاعد حسب بيانات مؤسسة "ميريل لينش".

وسباق التسلح الجديد يثير القلق لدى بعض الدول، فوزير الدفاع الألماني "فرانك والتر شتاينماير"، أكد الأسبوع الماضي في معرض إشارته إلى الخطط الأميركية لنشر درع للدفاع الصاروخي في بولندا وجمهورية التشيك، أنه من الأهمية بمكان ألا يمسح للمشروع الأميركي بأن يشعل شرارة سباق تسلح جديد في أوروبا.

كما حاول رئيس الوزراء الصيني "وين جياباو" الأسبوع الماضي أيضا أن يطمئن العالم بأن الزيادة السريعة في الإنفاق الدفاعي الصيني لا تشكل تهديداً، وقال إن الميزانية العسكرية الرسمية لعام 2007 قد ارتفعت بنسبة 18 في المئة، حيث تبلغ حالياً 45.3 مليار دولار، وذلك بعد الزيادة التدريجية في ذلك الإنفاق على مدى عقد كامل. وتقول مصادر "البنتاجون" إن الإنفاق العسكري الصيني من الناحية الفعلية، يقترب من الإنفاق العسكري لبريطانيا وفرنسا وهما قوتان عظميان.

ولكن رئيس الوزراء الصيني، وفي سياق محاولاته لطمأنة الآخرين من تزايد إنفاق بلاده الدفاعي قال إن ذلك الإنفاق -حتى بعد الزيادات الكبيرة التي شهدها- لا يزال أقل من الإنفاق الدفاعي لدى العديد من الدول الثرية، بل والدول النامية أيضاً.

ويقول "وايزمان" إن زيادة الإنفاق الدفاعي الصيني ترجع إلى أن الصين لديها جيش ضخم غير أنه كان مسلحاً من قبل بـ"أسلحة متخلفة"، أما الآن فإن الصين تشتري المزيد من الأسلحة المتطورة، كما تبني صناعات عسكرية بالاستعانة بالتقنية الروسية.

وهو يُرجع اتجاه الصين إلى زيادة إنفاقها العسكري إلى أنها أصبحت تنظر إلى نفسها اليوم على أنها قوة كبرى وليس مجرد قوة إقليمية.

بعض الدول الواقعة في شرق آسيا وخصوصاً تايوان تتساءل عما تريد الصين أن تفعله بهذه الأسلحة. ويجيب "وايزيمان" عن هذه التساؤل بالقول إن غرض الصين من ذلك هو "تغيير ميزان القوى في آسيا لصالحها".

ويشير خبراء "عهد بحوث السلام الدولي في استكهولم- السويد" إلى أن تقنيات تصنيع السلاح الروسية متخلفة عن نظيرتها الأميركية بعشر أو خمس عشر سنة، وهو ما يعني أن صناعة الأسلحة الروسية، وهي الثانية في العالم من حيث الحجم ستتخلف أكثر خلال السنتين القادمتين، وذلك بسبب تآكل قدراتها التنافسية.

وحديث القادة الروس عن إنجاز مشتريات ضخمة من الأسلحة لقواتهم المسلحة تتضمن شراء 1000 طائرة مقاتلة على مدى 10 سنوات موضع شك من قبل "وايزيمان"، الذي يعتقد أن روسيا لن تكون قادرة على تحقيق طموحاتها في هذا الشأن، على رغم العوائد الهائلة التي تتدفق عليها من صادراتها النفطية والغازية. وهو يستند في ذلك إلى حقيقة أن روسيا لم تشتر خلال الخمس سنوات الماضية سوى عدد من الطائرات المقاتلة لا يزيد على 3 أو 4 طائرات في حين اشترت الولايات المتحدة 300 طائرة من هذا النوع.

وتفوق الولايات المتحدة في الإنفاق العسكري واضح، ولا يحتاج إلى دليل. فالحرب على الإرهاب على سبيل المثال كلفتها 502 مليار دولار خلال السبع سنوات الأخيرة وذلك حسب تقديرات "ستيفن كوسياك" الخبير بـ"مركز تقديرات الميزانية والاستراتيجية" في واشنطن. وحسب "كوسياك"، فإن إدارة بوش تتوقع إنفاق 93 مليار دولار على الأقل في العام المالي 2007 لترتفع إلى 142 مليار دولار في العام المالي 2008 لمواجهة الإنفاق على حربي العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب. علاوة على ذلك طلب الرئيس بوش من الكونجرس الموافقة على تخصيص483 مليار دولار كميزانية أساسية للبنتاجون لعام 2008. وهذا الرقم يضع الإنفاق العسكري الأميركي -حتى مع أخذ نسبة التضخم في الحسبان- في أعلى مستوى له منذ عام 1946 حسب السيد "كوسياك"، كما أنه يتجاوز بالتأكيد الإنفاق العسكري الأميركي في وقت السلم حسب معدلات الثمانينيات من القرن الماضي، كما يقول إنه لو قامت الإدارة الأميركية بزيادة حجم الجيش والمارينز حسب الخطط الموضوعة في هذا الشأن فإنها ستضطر في هذه الحالة إلى إضافة 100 مليار دولار خلال السنوات الست التالية. ويقول "سايبرت" إن هناك 34 صراعاً مسلحاً تندلع في شتى أنحاء العالم في الوقت الراهن، وإن الحل الأفضل لتلك الصراعات ليس بزيادة الإنفاق على التسليح ولكن من خلال معالجة مشكلات الفقر والموضوعات الإثنية والدينية التي تقف دائماً خلف تلك الصراعات -كما يرى.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-27-3-2007