الاتحاد الأوروبي: التغييرات الكبرى من "روما" إلى "برلين"!

 

 

ملامح الاتحاد الأوروبي: التغييرات الكبرى من "روما" إلى "برلين"!

المثال الأكثر تداولاً في مجال الاستشهاد على نجاح انتقال المنظمات الإقليمية من أهداف جزئية محدودة نحو مزيد من التوسع والاندماج والفاعلية... هو الاتحاد الأوروبي دون منازع. لكن بعض الاستدلالات الرائجة في هذا الخصوص كثيراً وقعت في فخ المبالغة والتضخيم، وقلما أظهرت الاتحاد الأوروبي على حقيقته الفعلية؛ كمنظمة لها عوائقها ومشكلاتها الجمة، أي جملة التحديات التي التأمت قمة برلين الأوروبية أمس (الأحد) لمحاولة تخطيها، تزامناً مع الذكرى الخمسين لإنشاء الاتحاد في صيغته الأولى "اتفاقية روما". ويروم إعلان برلين الذي تجري مناقشته منذ أشهر، تفعيل الاتحاد الأوروبي، وجعله مواكباً لعصره وواعياً بانشغالات مواطنيه؛ ويرتقب أن يقدم "خريطة طريق" جديدة، عبر برامج لتحقيق الأمن المشترك وتنسيق السياسات الخارجية، وتوضيح عملية صنع القرار... بهدف إعطاء زخم جديد لمفهوم أوروبا. فما هي المشكلات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي؟ وقبل ذلك، كيف كانت قصة نشوئه وتطوره؟

يمثل الاتحاد الأوروبي أكبر فضاء اقتصادي وديمقراطي في عالم اليوم، فهو يمتد على مساحة تناهز 4 ملايين كيلومتر مربع، ويتميز بتطور صناعي ورفاهٍ اقتصادي عاليين، إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي فيه 17.6 ألف يورو، بينما لا يتجاوز مستوى البطالة نسبة 8.7%، كما يحقق فائضاً تجارياً يقارب 120 مليار يورو سنوياً. وهو ثالث أكبر تجمع سكاني في العالم، إذ يضم 490 مليون نسمة. كما يمثل سوقاً موحدة، ويتمتع بعملة واحدة (اليورو) تبنت استخدامها 12 دولة عضواً، ويتبع سياسة مشتركة في مجالي الزراعة والصيد البحري، إضافة إلى الهجرة وحماية البيئة.

ويضم الاتحاد الأوروبي 27 بلداً عضواً، ويقع مقره الرئيسي في بروكسل، وهو منظمة دولية أوروبية، تأسست وفقاً لـ"معاهدة ماستريخت" الموقعة يوم 7 فبراير 1992، متضمنةً حزمة سياسات في المجال الاجتماعي إضافة إلى السياسة الخارجية والأمنية والقضاء والمساعدات الإنمائية. وقد توسع الاتحاد الأوروبي في يناير 1995 بانضمام فنلندا والنمسا والسويد إلى عضويته ليصل عدد دوله 15 بلداً. ثم عرف في الأول من مايو 2004 أكبر عملية توسع في تاريخه، وذلك بالتصديق النهائي على انضمام 10 دول من وسط وشرق أوروبا إلى عضويته. وأخيراً التحق به في فاتح يناير الماضي عضوان جديدان هما رومانيا وبلغاريا، ليصبح مجموع أعضائه 27 دولة.

بيد أن فكرة اتحاد أوروبا تعود إلى أزمنة سبقت معاهدة "ماستريخت" بوقت طويل، فمنذ انهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، برزت محاولات لتوحيد أمم أوروبا، أشهرها محاولة نابليون في القرن التاسع عشر، ثم محاولة هتلر في أربعينيات القرن العشرين. أما بعد الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وما حاق بأوروبا جراءهما من دمار وخراب خلال جيل واحد، فقد رأت ست دول أوروبية كانت أكبر مصدري الفحم والصلب في حينه (فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا) أن أفضل طريقة لمنع نشوب حرب أوروبية أخرى، هي العمل معاً على إنتاج تينك المادتين باعتبارها الوقود الأساسي للحروب وأعمال القتال. وهكذا تشكلت "المجموعة الأوروبية للفحم والصلب" في أبريل 1951، ثم بحافز من النجاح الذي حققته، قررت توسيع تعاونها ليشمل مجالات أخرى؛ فوقعت "اتفاقية روما" في مارس 1957 والتي بموجبها تأسست "السوق الأوروبية المشتركة" و"الرابطة الأوروبية الذرية"، لتندمج المنظمات الثلاث عام 1967 في إطار "المجموعة الأوروبية" التي أنشأت مفوضية أصبح مقرها الدائم في بروكسل. ثم توسعت المجموعة، إذ انضمت إليها الدانمرك وبريطانيا وإيرلندا عام 1973، وبعد ذلك التحقت بها البرتغال وأسبانيا عام 1986، وصولاً إلى قيام الاتحاد الأوروبي الذي حل محل المجموعة الأوروبية في الأول من نوفمبر 1993. ومنذئذ انخرط الاتحاد في عملية متواصلة لبناء مؤسساته؛ وعلى رأسها البرلمان الأوروبي، والبنك المركز الأوروبي، ولجنة السياسة والسياسة الأمنية والعسكرية، ولجنة مستقبل أوروبا.

ويعتمد الاتحاد الأوروبي في بنيته التنظيمية العامة على ثلاثة أجهزة؛ هي مجلس الاتحاد الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي. وبالنسبة لمجلس الاتحاد فهو جهاز إداري يتمتع بصلاحيات واسعة في مجال السياسة الخارجية والأمن، إلا أنه يمثل مصالح الدول الأعضاء التي تملك كل منها أصواتاً تتناسب مع عدد سكانها. أما المفوضية الأوروبية فتهتم بمصالح الاتحاد الأوروبي ككل، وهي تمثله في المفاوضات الدولية. وأخيراً يمثل البرلمان الأوروبي، والذي يضم 732 مقعداً موزعة بشكل تناسبي على الدول الأعضاء، جهازاً رقابياً واستشارياً، إضافة إلى صلاحياته التشريعية.

وإذا كان من أهداف الاتحاد الأوروبي، إنجاز نقل تدريجي لصلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية، فإن هذه المؤسسات تظل محكومة بالصلاحيات الممنوحة لها من قبل الدول الأعضاء ذاتها، لذلك لا يمكن اعتبار الاتحاد الأوروبي بمثابة اتحاد فيدرالي، إذ يتصف بكونه نظاماً فريداً من نوعه في العالم؛ فدوله لم تتخلَّ عن استقلالها أو سيادتها الوطنية، لكنها في الوقت ذاته تتبنى سياسة أوروبية في عدد من المجالات الحيوية.

ولا تعكس الصورة الوردية للاتحاد، والتي يتداولها كثيرون (بينهم تركيا الساعية إلى عضويته)، واقعه الحقيقي. فهو يعاني وجود فجوة واسعة بين بلدانه، إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في لوكسمبورغ 48.3 ألف يورو، بينما لا يتجاوز 5.2 ألف يورو في بولندا. وفيما يصل معدل البطالة في سلوفاكيا 17.8%، فهو لا يتجاوز 4.2% في إيرلندا. أما التباينات الثقافية الواسعة، فهي ما يجعل الاتحاد الأوروبي يتبنى 23 لغة رسمية، ويوظف نحو 2800 مترجم. كما تضعف من عزمه حالة التجاذب السياسي المزمنة بين محوري باريس ولندن.

وبقدر ما يمثل الاتحاد الأوروبي اليوم، في الذكرى الخمسين للتوقيع على اتفاقية روما، نموذجاً للسلام والديمقراطية والرخاء وحقوق الإنسان... فهو لا يبدو في نظر شريحة واسعة من مواطنيه، سوى آلة بيروقراطية ضخمة تديرها في بروكسل نخب بعيدة عن هموم وانشغالات الأوروبيين!

ولعل مما يميز الاتحاد الأوروبي كونه نجح في إرساء الآليات المؤسسية لتخطي عوائقه نحو إجراء تغييرات كبرى خلال كل مرحلة من مراحله. وعند عتبة المرحلة الجديدة، يترقب المراقبون إعلان برلين وخريطة طريقه اليوم!

 محمد ولد المنى

الاتحاد -العدد (11582) الأثنين 7 ربيع الأول 1428هـ 26 مارس 2007