العرب ومعركة العلاقات العامة مع أميركا

 

 

جيمس زغبي

 

منذ عقود قليلة، لم تكن هناك صناعة علاقات عامة حقيقية في العالم العربي، بيد أن هذا الأمر تغير الآن بعد أن مرت مجتمعات هذه المنطقة بعملية تحديث، وتطورت اقتصاداتها، وغدت أكثر تعقيداً، مما ساهم في إضفاء أهمية متزايدة على موضوعات مثل تسمية البضائع وتصنيف أنواعها، وتطوير استراتيجيات الاتصالات، مما أسفر بدوره عن تدشين صناعة علاقات عامة، آخذة في التنامي، يقوم عليها اختصاصيون ذوو كفاءة ومقدرة.

وقد حضرت في الأسبوع الماضي الاجتماع الأول للجمعية الدولية للعلاقات العامة فرع الخليج في مملكة البحرين، والذي مثل في الحقيقة تجمعاً رائعاً للعاملين في مجال العلاقات العامة، الذين اجتمعوا هناك للتواصل وتقاسم الأفكار، وتطوير المهارات ومناقشة المشكلات التي تواجه هذه الصناعة.

ولقد تشرفت بإلقاء كلمة رئيسية في افتتاح هذه المناسبة، طلب القائمون عليها مني أن أركز فيها على صورة الخليج في الولايات المتحدة والطريقة المثلى التي يمكن بها التعامل مع مظاهر سوء الإدراك التي لونت فهم الجمهور الأميركي لهذه المنطقة. وقد فعلت ذلك وقدمت دروساً يحدوني الأمل في أن تكون ذات فائدة في هذا المضمار، وأجملها لكم فيما يلي:

أولاً، عدم اللجوء إلى الحجج والاكليشيهات: صحيح أن هناك فجوة تزداد اتساعاً بسبب التضليل الإعلامي، إلا أن المشكلة في هذا السياق أنه عند التفكير في تجسير هذه الفجوة، فإن ذلك يتم عادة من خلال إكليشيهات أخرى عن المعايير المزدوجة أو "نظرية المؤامرة" أو السيطرة الأميركية على وسائل الإعلام. والحقيقة البسيطة هنا أن العرب يخسرون معركة العلاقات العامة، لأنهم لم يشاركوا فيها من الأساس.

ثانياً، عندما تحاول أن تبيع منتجاً، يجب أن تعرف السوق. ذات مرة قال وزير خارجية دولة الإمارات سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان: "نحن لا نستطيع مساعدة أميركا على معرفتنا إلى أن نعرف أميركا أولاً" وهو ما يعني أنه يجب على العرب أن يستمعوا ويختبروا ويتعلموا مما يفكر فيه الأميركيون، ويأخذوا النتائج التي يتوصلون إليها من خلال ذلك بجدية. فالأميركيون يستطيعون أن يغيِّروا موقفهم، ولكن يجب على العرب أن يتحدثوا معهم شخصياً ويجيبوا عن الأسئلة التي يريدون معرفة إجاباتها.

ثالثاً، إن العلاقات الحكومية- الحكومية مهمة، ويمكن للمستشارين وأعضاء جماعات الضغط أن يكونوا مفيدين في هذا المجال، ولكن أي من الطرفين لا يكفي بمفرده.

رابعاً، التعامل مباشرة ووجهاً لوجه هو الأفضل، فالشعوب يجب أن تعرف بعضها بعضاً.

خامساً، تمكين القطاع الخاص: الحكومات لا تستطيع القيام بهذا الأمر بمفردها، وإنما يجب أن تتضافر جهود مؤسسات عديدة في دعم القطاع الخاص وتمكينه، فذلك لن يكون في صالح الأعمال والتجارة، ولكنه سيصب في النهاية في مصلحة تعزيز الروابط الأميركية العربية بمجملها.

سادساً: لدى العرب مصادر بشرية قيّمة في الولايات المتحدة، ولدى أميركا مثلها، والطرفان لم يعملا على استخدامها حتى الآن. فهناك الملايين من الأميركيين من أصول عربية، وهؤلاء يشعرون بالفخر بثقافتهم وتراثهم، وهناك أيضاً مئات الألوف من الأميركيين الذين عملوا في الشرق الأوسط ، ويحملون نحو المنطقة وأهلها الكثير من مشاعر الود، ويمكن استخدام هؤلاء وأولئك كسفراء من أجل تحقيق تفاهم أفضل.

سابعاً، يجب على الأميركيين ألا يحاولوا فصل دولة من دول المنطقة العربية أو أي مذهب عن نطاقه العربي الإسلامي الأوسع، فهناك رباط لا ينفصم بين الجميع.

ثامناً، الدعوات للإصلاح أمر جيد ولكنها ليست كافية إذ يستلزم الأمر شن حملة علاقات عامة ناجحة، تركز ضمن ما تركز على جوانب القصور وكيفية معالجتها ضماناً لنجاح الحملة.

تاسعاً: اعرفْ قصتك، وكن واثقاً من أنها قصة جيدة. إن القصص الإنسانية تمثل نوعية القصص التي يجب أن يهتم كل طرف بأن يخبر الطرف الآخر عنها، إنها قصة تدور حول العلاقات الأميركية- العربية في مجال التجارة والاستثمارات والتبادل الثقافي والتعاون الدفاعي، وحول التقدم والتغيير الذي يتم الآن في البلاد العربية. وحول الناس الذين يتشاركون في نفس القيم ونفس الآمال في غد أفضل مع أصدقائهم الأميركيين، والتي تدور حول الإسلام كدين وكطريقة للحياة، وعن القيم المشتركة في الأديان والتاريخ والثقافة التي صاغت -ولا تزال- مصيرنا المشترك.

إنها قصة تستحق أن تحكى، والعرب هم الذين يجب أن يضطلعوا بذلك.

الاتحاد -العدد (11582) الأثنين 7 ربيع الأول 1428هـ 26 مارس 2007