"الجمهوريون" وأيديولوجية "الإحماء العالمي"

 

جوناثان كيت

 

في العام الماضي، وجهت "الدورية القومية" سؤالاً لعدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب "الجمهوريين" الأميركيين، حول ما إذا كانوا يعتقدون أنه لم يعد ثمة جدال ولاشك، في أن سلوك الإنسان، هو المسؤول الأول عن مشكلة ارتفاع درجات حرارة الأرض؟ فأجاب 23 في المئة ممن استطلعت آراؤهم بـ"نعم"، بينما جاءت إجابة 77 في المئة سلباً. وطوال العام الماضي، الذي تلا ذلك الاستطلاع، حظيت مشكلة الإحماء الشامل باهتمام عام لا نظير له. وفي خلال المدة ذاتها، أعلنت لجنة حكومية دولية عالمية، كلفتها الأمم المتحدة، وشارك فيها حوالى ألفي عالم متخصص من مختلف أنحاء العالم، عن دراسة، كشفت نتائجها، عن أن مسؤولية البشر عن ظاهرة الإحماء الشامل، قد ارتفعت مستويات تأكيدها العلمي إلى نسبة 90 في المئة. ولذلك فقد أعادت المجلة نفسها، طرح السؤال نفسه مجدداً خلال الشهر الماضي. أما النتيجة، فكانت موافقة 13 في المئة فحسب من "الجمهوريين"، على مسؤولية السلوك البشري عن التسبب في الظاهرة. والملاحظ هنا، أنه كلما قويت الأدلة والبراهين العلمية على هذه المسؤولية، كلما ازداد "الجمهوريون" تشكيكاً في صحتها ومصداقيتها. وليس أدل على ذلك، من الشهادات التي قدمها "آل جور" في هذا الشأن أمام الكونجرس، وردود الفعل الحادة الغاضبة التي قابله بها "الجمهوريون"، لكونها تشير وللأسف إلى نزعة الشك هذه فيما يتعلق بدور البشر في الإحماء الشامل، قد ازدادت قوة وعمقاً في وثوقيات الحزب "الجمهوري" المتزمتة. وقد أضيفت نزعة الشك هذه، إلى سلسلة عناصر الوثوقيات الجمهورية الأخرى، مثل ما يتردد في أوساطهم عن إيجابية سياسات الخفض الضريبي دائماً، وأن الرئيس بوش قائد حربي شجاع، وغيرهما من المحفوظات التي يجب عليك الإيمان بها دون تردد، طالما أنك منتخب من قبل القواعد "الجمهورية".

ولكن كيف حدث هذا؟ الإجابة البسيطة المباشرة هي أن "الجمهوريين" ليسوا سوى تروس وآلات في صناعة الطاقة والنفط. والحقيقة أن للكثير من القادة "الجمهوريين" ارتباطاً فعلياً بهذا القطاع. وعلى سبيل المثال، فقد كان "جو إل. بارتون"، زعيم المتشككين "الجمهوريين" في حقيقة التغير المناخي، موضوع قصة مثيرة للغاية عن علاقته بقطاع الطاقة، في عدد نشرته "وول ستريت" قبل عامين.

والسبب الرئيسي الذي يدفعنا إلى هذا القول، أن صناعة الوقود نفسها، قد خفضت من درجة حدتها ومعارضتها لسياسات التغير المناخي، في العام الماضي، على رغم تشدد مواقف "الجمهوريين" المعارضة في المقابل. وتظل حقيقة هذه النزعة أكثر تعقيداً وإثارة للحزن مما نتصور: فقد تمكنت مجموعة صغيرة من الأيديولوجيين "الجمهوريين" المتشددين، من قيادة الحركة الفكرية لتيار "المحافظين الجدد" بأسره. وبهذا يمكن القول إنه ليس ثمة مصلحة ولا اهتمام يذكر بهذه المسألة، من قبل المحافظين العاديين، في صفوف عامة الحركة. وفي حين يميل من هم خارج تيار "المحافظين الجدد"، إلى الأخذ بحكمة الحقائق التي يتوصل إليها العلم العام، نلاحظ أن المحافظين أكثر ميلاً للاعتماد على حفنة قليلة من العلماء الخارجين، الذين يناهضون حكمة العلم ومعاييره وحقائقه المهنية، بما يروق لهم من حقائق ومعايير تنسجم والرؤية الأيديولوجية لحزبهم. وليس من مثال أفضل للتدليل على صحة هذا، من مجلة "ناشيونال ريفيو"، وموقعها الإلكتروني واسع الإقبال والشعبية. وضمن ما نجد في موادها، مقالة مكرسة لإثارة الشك حول مدى صحة التغير المناخي من أساسه، مصحوباً بالاعتراض على أي مبادرات أو سياسات من شأنها المساهمة في خفض درجات حرارة الأرض. وليس ذلك فحسب، بل تشن المقالة نفسها، هجوماً احترازياً مسبقاً على كل من يدعو إلى تبني حلول كهذه. وقد حملت تلك المقالة عنوان "كوكب آل جور". والرسالة التي يبعث بها محتوى المقالة، واضحة جداً ولا لبس فيها أو غموض. فهي تقول بكل بساطة: أيها المحافظون العاديون، إنكم لا تفقهون شيئاً من أمر علم المناخ، ولا ارتفاع درجات حرارة الأرض. غير أن ما نعلمه جيداً، أننا نكره آل جور. وعليه فلتكن كراهيتكم هذه لآل جور، شعاراً لحركتكم، وموجِّهاً رئيسياً لفكرها في هذا الأمر.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-26-3-2007