قمة العرب: حتى لا يصبح العراق ملفا مزمنا آخر

 

جابر حبيب جابر

 

في الوقت الذي تنعقد قمة الرياض لمناقشة عدد من الملفات العربية، التي أصبح البعض منها مزمنا والآخر في طريقه إلى ذلك، فإن الشأن العراقي بتعقيداته ومخاطره، وللعوامل الإقليمية والدولية اللاعبة والمتصارعة على أرضه، وبسبب من حراك قواه السياسية، وفي تطورات أوضاعه الأمنية، كلها معاً، تجعل من الصعوبة لهذا الملف من أن يكون في الظل. إلا أن هناك في الوقت نفسه محددات في التعامل مع هذا الملف استوجبتها العلاقات القلقة بين مكونات العراق المجتمعية، وشيوع عدم الثقة فيما بينها من جهة، وفي نوايا الجوار من جهة أخرى، وهذه لم تتأتَ فقط من رغبات بعض دول الإقليم في شكل العراق المتخيل، بل من قواه السياسية التي ما فتئت تستنجد بالخارج لموازنة الشركاء المحليين أو للارتكاز عليه في تغيير التوازنات السياسية. وخطورة هذا التوجه، بجانب انه ينطوي على سياسة تدخلية إذا لم تدرج عليها أو تقبلها أو تتسامح معها الأنظمة العربية، أنه سيفضي لاستعداء الأطراف التي ستضار بهذا التدخل وسيفتح الباب لتدخلات أخرى مقابلة.

وفي هذه الزاوية يمكن وضع الحراك الأخير لبعض القوى السياسية، التي هي ضمن العملية السياسية، والساعية إلى إيجاد تحالف أو جبهة عريضة تسقط الحكومة الحالية، وتعد ببديل يخرج البلد من أزمته. وكان لهذا أن يكون مقبولاً لو تم في إطار العملية السياسية، وحشد له من القوى الممكنة لسحب الثقة من الحكومة، في حين انه سيكون توجهاً خطيراً عندما يخاطب أماني بعض النظم العربية لشكل نظام مفضل لها في العراق، يحاول أن يتناغم مع مخاوفها، بل ويكون مضخماً لها، مستهدفاً في ذلك استمالتها لتدعيم موقفه وللاتكاء عليها في إحداث التغيير في المعادلة السياسية القائمة. وهذا التوجه يقع في مفارقة، فهو في الوقت الذي يحذر من مخاطر التدخلات الإقليمية في العراق، فانه لا يتردد من إظهار نفسه بأنه مدعوم عربياً في مواجهة خصومه المحليين، بل ويسعى لجلب أثقال لميزانه حتى ولو تمت عبر إطار مؤتمر دولي أو تدخل عربي وصائي على العراق، يلغي منجزه الوحيد الذي دفع له الشعب دماءً ودماراً، أي العملية الديمقراطية .

من هنا يجب النظر بواقعية إلى إمكانية إحداث اختراقات هامة في الخارطة السياسية العراقية لصالح إيجاد تكتلات جديدة أو لامكانية تفكك الكتل القائمة، أو لتغير دراماتيكي في التحالفات، والتي استبعدها لأسباب لا يتسع المجال لذكرها. إلا أن خطورة هذه المراهنة تكمن في أنها تجعل من الأطراف العربية داعمة لأطراف في المعادلة السياسية الداخلية، كما تبقيها في انتظار تغيير في المشهد السياسي العراقي، وهذا ما يجعلها محجمة عن الانخراط الجدي في دعم الحكومة القائمة، فضلاً عن مخاطر حل العودة للمربع الأول كونه مجهضا للتراكم السياسي الذي وان اختلفنا معه، فهذا لا يكون مدعاة لنسفه، وهذا يصل بي للقاعدة الأولى المطلوبة من دول الإقليم وبالتحديد منها من دول الطوق، أن تحتفظ بمسافة واحدة من كل المكونات العراقية ومن قواه السياسية، لان ذلك ببساطة سيجعل الأطراف العراقية مضطرة لأن تجد لها حلولا داخلية بدون النظر للخارج أو للاستقواء به، وسيجعلها تبحث عن مشتركات التعايش الذي لا مفر منه.

من جهة أخرى يبلغ بي اليأس حافة القنوط عندما أشاهد البرامج الحوارية على الفضائيات العربية وأجد أن مناوئي الديمقراطية للآن يلجأون جميعاً في هجومهم عليها إلى حجة واحدة وهي أن هتلر جاء عبر الآلية الديمقراطية، ويغفلون ويغمضون أعينهم، ويريدون أعيننا كذلك، عن ستين سنة لاحقة أعقبته حققت فيها الديمقراطيات النجاحات والازدهار والرفاه، وجنبت العالم مخاطر حروب كونية كانت لو اندلعت في ظل ترسانات نووية لدمرت كوكبنا لعدد من المرات، فكيف إذن نقنعهم بخيط الأمل البسيط الذي يحاول المواطن العراقي أن يمسك به، وهو يشهد بترقب ووجل انحسار سيطرة جماعات العنف وتحكمها في مناطقه، ويلحظ انخفاض التهجير إلى أدنى مستوياته خلال سنة، وكذلك عدد الجثث المجهولة وبدايات لروح ايجابية وتصالحية بين السياسيين الذين درجوا سابقاً على توتير الشارع لا تهدئته.

لذا يجب الالتفات عربياً، وخصوصاً من الدول المفصلية، إلى التطورات الأمنية التي تحدث منذ أيام في الانبار. اذ ولأول مرة ومنذ أربع سنوات تشهد هذه المحافظة انقلاباً على تنظيم القاعدة وعلى «دولة العراق الإسلامية» وقتلت وزيري حربيتها ونفطها في المعارك الأخيرة، التي خاضتها العشائر ضدها هناك، وهذا ما يؤشر انقلاباً هاماً وغير مسبوق بسعته في البيئة السنية على بنية العنف فيها. وفقدان الانبار كملاذ لهذا التنظيم سيكون ذا نتائج خطيرة عليه، وسيؤثر ايجابياً على امن العراق واستقراره بل وعلى مستقبل امن الإقليم، فالانبار تشكل ما يقارب ثلث مساحة العراق ومثلت مجتمعاً متجانساً سهل له التحرك والتجنيد والتأثير العقائدي فيه، كما انها شكلت أكثر مناطق العراق اضطراباً بل وامتدت بتأثيراتها على الجزء الغربي من بغداد، وهو الأكثر اضطراباً فيها، كونه يمثل امتداداً جغرافياً وديموغرافياً لمنطقة الانبار وسكانها، وهذا التطور سيبعد القاعدة عن خزان بشري واسع ويحرمها من ملاذاتها الآمنة التي كانت ستشكل لو استمرت مستقبلاً عامل التهديد الأول لأمن المنطقة، كون الانبار تنفتح وبحدود برية واسعة على ثلاث دول عربية قاست من إرهاب القاعدة، وما عملية استهداف الفنادق في عمان ببعيدة عن الذاكرة. كما ان تحجيم القاعدة سيضعف، وربما سينهي، الصفحة الأخطر في المشهد العراقي، أي العنف الطائفي الذي عملت على تأجيجه ونجحت في استدراج عنف طائفي مضاد له، ما ادخل البلاد في دوامة الاقتتال والعزل الطائفي الذي تأثرت المنطقة بأجوائه وأنذرت بتسممها.

فلو بادرت الدول العربية بمشروع مارشال محدود للمناطق السنية التي نكبت بتنظيم القاعدة للنأي بها عن التطرف، فإنها بذلك تحمي أمنها أولا وتظهر حرصاً فعلياً على المكون السني الذي طالما تحدثت عن ضرورة تأمين مصالحه، بجانب هذا الهدف والمطلب المتواضع، أن تدعم القمة الحكومة العراقية في الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية وان تعدها بحوافز تترافق مع تقدمها الجدي في تحقيق مصالحة سياسية ودستور جامع يفضي لعراق موحد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الاوسط اللندنية-25-3-2007