"الدفاع الصاروخي"... امتحان لواشنطن في أوروبا الشرقية!

 

راديك سيكوريسكي

 

ربما تفضي المقترحات الأميركية، الخاصة بنصب محطات رادار واعتراضات جوية ضمن نظام دفاعي صاروخي جديد في أوروبا الوسطى والشرقية، لاسيما في بولندا وجمهورية التشيك، إلى تدشين شراكة أمنية أميركية جديدة مع دول هذه المنطقة. لكن بالقدر ذاته، فربما تؤدي إلى نشوء حالة من سوء الفهم المتبادل، تفضي بدورها إلى إضعاف حلف "الناتو"، في مقابل تضخيم مشاعر العظمة والقوة الروسية، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد خسرت آخر وأعز أصدقائها وحلفائها في المنطقة. غير أن المؤشرات الأولية لهذه الخطة، تبدو مثيرة للقلق. فهناك "عبقري" أميركي ما، سواء كان في وزارة الخارجية أو "البنتاغون"، بعث بمذكرة رسمية، احتوت على وصف تفصيلي دقيق للنظام الدفاعي الصاروخي المزمع نصبه، مرفقة معها مسودة رد على المذكرة، احتوت عدداً من الدول التي تفكر واشنطن في نصب هذا النظام الدفاعي فيها، إلى جانب قائمة طويلة بالالتزامات الواقعة على الدول المضيفة للنظم هذه، مع ملاحظة قلة الالتزامات الواقعة على أميركا صاحبة النظم إياها! وقد ظل في اعتقاد المسؤولين والقادة المحليين هنا، أن في وسعهم كتابة مراسلاتهم الدبلوماسية الخاصة ببلدانهم، دون ما حاجة لصيغة مقترحة عليهم من "عباقرة" واشنطن. غير أن تلك الصيغة المملاة، كانت أكثر ما توقعه هؤلاء المسؤولون، في منطقة يعتمد فيها حسن النوايا في التعامل مع الولايات المتحدة، على رسوخ الدعم الذي قدمته واشنطن لهذه المنطقة في مسيرة كفاحها للانعتاق من نير النفوذ السوفييتي. وفيما لو اعتقدت إدارة جورج بوش أن التشيك والبولنديين سيتهللون فرحاً ويقبلون بكل ما تعرضه أو تمليه عليهم، فإنها سترتطم ارتطاماً دامياً ومؤلماً بالواقع العملي.

وربما تكون هذه الإدارة قد أفلتت بما فعلته خلال السنوات الخمس الماضية، عندما كانت تسيطر على ذاكرة شعوب المنطقة، حملات الدعم المستمر التي قدمتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريجان للمقاتلين من أجل الحرية والانعتاق هنا، ثم تعززت تلك الحملة لاحقاً، بالدعوة إلى توسيع "الناتو"، على رغم الموقف العدائي الذي اتخذته موسكو من هذا المشروع التوسعي، مصحوباً بتردد بعض الدول الغربية نوعاً ما إزاءه. بيد أن الحرب التي شنتها الإدارة على العراق، كسرت ثقة شعوب المنطقة في واشنطن. وقد أصابت صورة وزير الخارجية الأميركي آنئذ، وهو يعرض معلومات استخباراتية، افتضح زيفها وكذبها لاحقاً، أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبيل شن الحرب، أصابت ثقة شعوب المنطقة بأميركا في مقتل، بالمعنى الحرفي للعبارة. كما تأكد لاحقاً خطأ الاعتقاد الذي ساد هنا، بأن الولايات المتحدة ستكافئ شعوب المنطقة على وقفة حكوماتها ومساهمتها معها في حربها على العراق. والحقيقة أن الشعور بالتعاطف مع الولايات المتحدة، قد انحدر إلى أدنى مستوياته الآن، قياساً إلى تصاعد موجة المعارضة الشعبية المحلية لعملياتها العسكرية، لاسيما إنشاء القواعد العسكرية الجديدة المقترحة لنصب النظم الدفاعية الصاروخية، موضوع التعليق في هذا المقال. وليس من عجب أن تقرر شعوب المنطقة أن الولايات المتحدة هي دولة أجنبية في نهاية المطاف.

وبين هذا وذاك، فقد أدى نيل هذه الدول لعضوية الاتحاد الأوروبي مؤخراً، إلى إعادة توجيه سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء. وليس سوى قلة ضئيلة في واشنطن من يدرك اليوم حقيقة أن بولندا –على سبيل المثال لا الحصر- تتلقى دعماً مالياً قدره 120 مليار دولار، يخصص لتأهيل بنيتها التحتية ولتطوير قطاعها الزراعي، ضمن ميزانية السبع سنوات المقبلة، للاتحاد الأوروبي. وبالمقارنة، فإن الدعم العسكري الأميركي السنوي لبولندا، يعادل نحو 30 مليون دولار، وهو لا يعادل سوى جزء ضئيل مما ننفقه في كل من العراق وأفغانستان، على ما نعتقد أنها مساهمات صداقة وود مع الولايات المتحدة الأميركية. ولعل أفضل مثال لتوصيف الحال الذي آلت إليه العلاقات الأميركية- البولندية، هو تأشيرات السفر التي حيّرت الساسة البولنديين يوماً، بسبب دخول وخروج الأميركيين من بولندا، دون ما حاجة لأية تأشيرات، في حين أنها تقف عقبة كأداء أمام أي بولندي يريد السفر إلى الولايات المتحدة. والمحيّر في الأمر، أن هذه المعضلة لم يعد حلها يشغل بال مسؤولي واشنطن كثيراً. وبالنتيجة، فما أكثر العمال والمهارات البولندية، التي تزاول مهنها وعملها بشكل قانوني في كل من بريطانيا وأيرلندا، مقارنة بندرة العمالة البولندية غير القانونية في الولايات المتحدة.

وبينما يتضاءل النفوذ الأميركي في المنطقة، تمضي المخاطر الاستراتيجية الإقليمية في تناميها وتصاعدها. فبفضل عائدات النفط الروسية الضخمة، تمكنت موسكو من زيادة حجم مشترياتها وإنفاقها على المعدات الحربية، أكثر مما كانت عليه قبل خمس سنوات فحسب. وقد فرغت موسكو للتو من نشر بطاريات صواريخ S-300 بالقرب من حدودنا الإقليمية، في بادرة استفزاز عسكري منها لحلف "الناتو"، هي الأولى من نوعها طوال العشرين عاماً الماضية. وليس ذلك فحسب، بل تهدد موسكو بنشر عشرات الصواريخ متوسطة المدى، الموجهة إلى وارسو، في استجابة عسكرية منها، لمشروع قواعد الدفاع الصاروخي الجديدة، التي تعتزم واشنطن إقامتها في عدد من دول شرق أوروبا، على نحو ما ورد أعلاه. وبالطبع فإن هذا يعد تهديداً جدياً وفعلياً لأمن بولندا، ليس في مقدور أحد من الساسة البولنديين، تجاهله أو الاستخفاف به.

*سيناتور في البرلمان البولندي ووزير دفاع سابق بين عامي 2005 و2007

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصد المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -25-3-2007