المهاجرون غير الشرعيين في أميركا ؛ بين الموقف الشعبي و الرسمي

 

ديفيد فرانسيس

 

 

المهاجرون غير الشرعيين في أميركا... الجوانب القانونية والمزايا الاقتصادية

لاشك أن تراجع أعداد العمال غير الشرعيين ممن يعبرون الحدود المكسيكية إلى داخل الولايات المتحدة سينال رضا أغلبية الشعب الأميركي، لاسيما وأن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه من بين كل أربعة أميركيين فإن ثلاثة منهم يرغبون في انخفاض مستويات الهجرة إلى الولايات المتحدة. وإذا كان الواقع يحيل إلى انخفاض فعلي في عدد المهاجرين غير الشرعيين، فإن ذلك يدل على فعالية الإجراءات المتبعة في هذا الصدد مثل تكثيف الدوريات، وإقامة جدار يمتد على مسافة ألفي ميل على طول الحدود المشتركة بين المكسيك وأميركا، فضلاً عن تشديد ملاحقة وإدانة الجرائم المرتبطة بالهجرة، ثم تكثيف الحملات ضد المصانع التي تشغل أعداداً كبيرة من العمال السريين. لكن على رغم الإجراءات المتشددة التي تقوم بها السلطات الأميركية للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين يشير "مارك كريكوريان"، المدير التنفيذي لمركز "الدراسات حول الهجرة" والمدافع عن التدابير التي تحد من الهجرة، إلى أنه لا وجود لإحصاءات دقيقة تدل على تناقص عدد المقيمين غير الشرعيين في الولايات المتحدة والمقدر عددهم بما بين 11 و12 مليون شخص.

وبالنسبة للباحث في مؤسسة "هيريتيدج" المحافظة "روبرت ريكتور" ليس صعباً القضاء على الهجرة غير القانونية، أو على الأقل الحد منها، إذ يكفي حسب رأيه تطبيق القوانين وتفعيل الإجراءات المرتبطة بالحد من تشغيل العمال غير القانونيين. فإذا تم تجفيف الوظائف التي تستقطب المهاجرين، فلن يستمر تدفقهم على الولايات المتحدة. لكن "ريكتور" و"كريكوريان" يعتقدان أن الحملات التي شنتها السلطات في الآونة الأخيرة على المعامل تهدف بالدرجة الأولى إلى إقناع الكونجرس بتبني مشروع القانون الذي طرحه الرئيس بوش، والقاضي باستحداث برنامج للعمال الزائرين يمهد الطريق أمامهم للحصول على الجنسية الأميركية. وحسب رأيهما فما أن يتم استحداث البرنامج، الذي تتطلع إلى تمريره الإدارة الأميركية، حتى يتم التساهل مجدداً في تطبيق القوانين المرتبطة بمراقبة الهجرة والحد منها، مثلما حدث في آخر عفو طال المهاجرين غير الشرعيين عام 1986.

ويذكر "ريكتور" أن الفشل في تطبيق القانون عام 1986 جاء بسبب "التحالف الغريب" بين "الديمقراطيين" الذين كانوا يتطلعون إلى استيراد المزيد من الناخبين، وبين قطاع الأعمال، والمجموعات الصناعية اللذين يريدان عمالة رخيصة ومرونة أكثر في سوق العمل. السيناتور "إدوارد كنيدي" من ماساشوسيتس، وهو أحد "الديمقراطيين" المنتمين إلى ذلك التحالف، انتقد الحملات التفتيشية التي تشنها السلطات الأمنية على المصانع، كتلك التي شهدها معمل للمشغولات الجلدية في "نيو بيدفورد" مع بداية الشهر الجاري. فقد بعث السيناتور "كنيدي" برسالة إلى وزير الأمن الداخلي "مايكل تشيرتوف" يقول فيها "إن إدارة الهجرة والجمارك أحالت جهود إنهاء التشغيل غير المرخص والهجرة غير القانونية إلى مشهد قاسٍ نتج عنه انفصال أفراد العائلة الواحدة، والترحيل في منتصف الليل، إضافة إلى ترويع الأطفال والقبض على أشخاص دون ضمانات قانونية". ومع ذلك يصر "ريكتور" من مؤسسة "هيريتيدج" أنه على أميركا أن تبدي حزماً أكبر في التعامل مع الهجرة غير القانونية.

فهو يرى مثل العديدين غيره أن هناك ما لا يقل عن مليار شخص في العالم يودون الهجرة إلى أميركا للعمل، لذا يتعين التعامل بحزم مع الهجرة على أن توجه الإجراءات الرادعة إلى المصانع والأعمال، وليس إلى المهاجرين السريين الذين تقوم بتوظيفهم. وفي هذا الإطار يقول "ريكتور" إن على القطاعات الصناعية التي توظف المهاجرين السريين أن "تدفع الثمن". ولأن العمال غير الشرعيين عادة ما يلجأون إلى استخدام أرقام ضمان اجتماعي مزورة، فإنه من السهل رصدهم من قبل السلطات المعنية. وتماشياً مع القلق السائد في المجتمع الأميركي حيال قضية الهجرة يسعى الكونجرس إلى اجتراح الحلول المناسبة لتهدئة مخاوف الرأي العام الأميركي.

وفي هذا السياق يتوقع "كريكوريان" من "مركز الدراسات حول الهجرة" أن يمرر مجلس "الشيوخ" مشروع قانون يسمح للمهاجرين السريين بالبقاء في أميركا، تمهيداً لحصولهم على الجنسية. لكنه يشكك في إمكانية تجاوز مشروع القانون للمجلس لأن تطبيق عفو شامل على المهاجرين السريين سيكون بمثابة "قبلة الموت" بالنسبة لـ"الديمقراطيين" باعتباره الضمانة لفقدانهم الأغلبية في الانتخابات المقبلة. ويتخوف "ريكتور" من التكاليف الباهظة التي ستتحملها الولايات المتحدة في حال فتحت أبوابها أمام المهاجرين. فحسب تقديرات "ريكتور" سيؤدي مشروع القانون الذي أقره مجلس "الشيوخ" في السنة الماضية إلى مضاعفة عدد المهاجرين الذين سيستفيدون من وضع قانوني داخل أميركا خلال العقدين المقبلين ليتراوح عددهم بين 55 و60 مليون شخص. ويتوقع "ريكتور" أيضاً أن يكون أغلب هؤلاء المهاجرين من غير الحاصلين على الشهادة الثانوية، بحيث سيتعين على الحكومة الأميركية دفع 70 مليار دولار سنوياً ما دامت التكلفة التي تتحمل أعباءها الدولة أكبر في حال الأشخاص الذين لا يتوفرون على مهارات عالية، سواء كانوا في وضعية قانونية، أم غير قانونية. ووفقاً للتقديرات التي يوردها "ريكتور" تدفع العائلة التي لم تحصل على الثانوية العامة ما معدله 9600 دولار من الضرائب سنوياً، بينما تتلقى 32 ألف دولار سنوياً في إطار الخدمات الحكومية التي تشمل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم والأمن، فضلاً عن استخدام الطرق السيارة وغيرها من الخدمات.

لذا يقترح "ريكتور" أن تعمل الولايات المتحدة على انتقاء المهاجرين بأن تختار الأكثر تعليماً من ذوي المهارات، لأنهم يدفعون من الضرائب أكثر مما يتلقون من الامتيازات الحكومية. وفي الأسبوع الماضي، تلقى مشروع الرئيس بوش باستحداث برنامج للعمال الزائرين ضربة قاصمة بعد صدور تقرير لأحد المراكز يعتبر فيه هذا البرنامج نوعاً من "العبودية" التي يخضع لها العمال غير القانونيين.

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" -24-3-2007