في الذكرى الخمسين لتأسيس الإتحاد الأوروبي :

 

هل لأوروبا نفـس الأهمية المركزية التقليدية في السياسات الأميركية ؟

 

 

روبرت ماركواند

 

 

الاتحاد الأوروبي... نخب مجهدة وشعوب متشككة!

في أفق اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين في برلين غداً الأحد، بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد الأوروبي، تتطلع الأنظار إلى "إعلان برلين" المرتقب، الذي سيسعى إلى جعل المنظمة التي أُنشئت عقب الحرب العالمية الثانية مواكِبة لعصرها وواعية بانشغالات الأوروبيين العاديين، الذين بات عدد قياسي منهم متشككاً في الاتحاد.

فقبل خمسة عقود، ظهرت أوروبا الوحدة بعد توقيع "اتفاقية روما" التي كانت ثمرة جهود جريئة ورؤية ثاقبة تروم تجاوز الحدود الوطنية وقيود الأيديولوجيا. وبمساعدة الولايات المتحدة، تمكنت أوروبا من إنشاء سوق مشتركة، وفضاء قيمٍ ليبرالية، في مواجهة الشيوعية السوفيتية. واليوم تتأمل أوروبا القيم المؤسِّسة لاتحادها، وتسعى جاهدة إلى جعلها مناسبة لعصرها. وفي غضون ذلك، تشدد الولايات المتحدة من جديد على أهمية العلاقات بين ضفتي الأطلسي؛ حيث أشار دبلوماسيون أميركيون إلى ضرورة إيجاد تعاون أقوى وأمتن مع أوروبا في الشرق الأوسط وأفغانستان وكوسوفو وغيرها من البؤر الساخنة؛ كما أقروا بأن التجاهل الأميركي لأوروبا ضمن "التداعيات الاستراتيجية" التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر كان خطأ.

ويرى عدد من الخبراء أن الاتحاد الأوروبي نجح في تحقيق السلام والرخاء ومفاهيم العدالة الدولية وحقوق الإنسان إلى درجة أنها باتت اليوم أموراً مُسلّماً بها. وهو ما جعل معظم الدول الأوروبية تتطلع بعد الحرب الباردة إلى الانضمام إلى ما يُنظر إليه اليوم كملاذ للأمن والرخاء.

والحال أن الاتحاد الأوروبي بذل، ومازال يبذل، جهوداً كبيرةً لإقناع الأوروبيين العاديين بجدوى وأهمية الاتحاد، والذين تَعتبرُ شريحةٌ واسعة منهم أن بروكسل هي عبارة عن بيروقراطية ضخمة تديرها نخب بعيدة عن هموم وانشغالات الأوروبيين. وفي هذا السياق، جادل مدير "منظمة التجارة العالمية" باسكال لامي في صحيفة "فاينانشل تايمز" هذا الأسبوع بأن جعل الاتحاد الأوروبي "مناسباً لعصره" يعتبر أمراً مهماً وضرورياً بالنسبة لنجاحه وتطوره المستقبليين، إذ يقول: "إن أوروبا تفتقر اليوم إلى الطاقة السياسية الضرورية. والحال أن الرأي العام متشكك، والنخب السياسية مجهَدة".

هذا ومن المرتقب أن يصب "إعلان برلين" الذي تجري مناقشته منذ أشهر، في نفس الاتجاه الذي صبّ فيه قرار الاتحاد الأوروبي هذا الربيع بشأن تزعم الجهود الدولية لمحاربة تغير المناخ؛ حيث ينتظر أن يقدم، مثلما قال مصدر من وزارة الخارجية الألمانية، "خريطة طريق" لإعطاء زخم جديد لمفهوم أوروبا، وهو موضوع على قدر كبير من الحساسية بالنظر إلى رفض الناخبين الفرنسيين والهولنديين، في استفتاءين أجريا عام 2005، لفكرة دستور أوروبي مشترك. وإذا كان من المرتقب ألا يأتي "إعلان برلين" على ذكر فكرة الدستور، فمن الواضح أنه يروم من خلال فكرة "خريطة الطريق" تحقيق الأمن المشترك وتنسيق السياسات الخارجية، وتوضيح عملية صنع القرار وجعلها أكثر إنصافاً في منظمة باتت تضم اليوم 27 عضواً، من بين أمور أخرى تنص عليها الدساتير.

وحسب عدد من الدبلوماسيين، فإن الذكرى الخمسين لتأسيس اتحاد كان يضم ست دول تسمى "المجموعة الاقتصادية الأوروبية"، يشكل فرصة للتوقف وتأمل مفاهيم الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، يقول "هينريك كريفت"، مستشار "الحزب الديمقراطي المسيحي" لشؤون السياسة الخارجية: "إن السياسيين في أوروبا يبحثون عن الصيغة الرابحة؛ إنهم يريدون أن يعرفوا كيف يتحدثون إلى الناس حول رؤية جديدة"، مضيفاً: "أما الناس، فيريدون أن يعرفوا أولاً ما هي أوروبا، ذلك أن الفكرة ضاعت، وتبدو مجردة كثيراً".

وإذا كان تركيز الاتحاد الأوروبي مُنصباً في البداية على الاقتصاد، فإنه أدخل أيضاً مفهوماً جديداً للهوية. وفي هذا السياق، يقول أحد المؤسسين، وهو الفرنسي جان موني "إننا نوحّد الشعوب، وليس الدول فحسب". والحال أن الأوروبيين اليوم يُبدون ازدواجية بشأن هذه الوحدة؛ ففي استطلاع للرأي أجرته مؤسستا "إيف تي" و"هاريس" هذا الأسبوع في خمسة بلدان أوروبية، اعتبر نحو 44% من المستجوَبين أن بلدهم لم يشهد تحسناً منذ انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي. وبالمقابل، اعتبر 22% فقط أن الحياة ستكون أفضل في حال انسحب بلدهم من الاتحاد الأوروبي.

إلى ذلك، تأسف دبلوماسيون أميركيون هذا الأسبوع لتجاهل موضوع العلاقات الأميركية- الأوروبية ضمن المناقشات الأوروبية المفضية إلى "إعلان برلين، موضحين أن واشنطن تتوق إلى الانضمام إلى أوروبا كـ"شريك مركزي" ضمن "رؤية مشتركة للقيم" من أجل تسوية العديد من النزاعات التي تهدد استقرار العالم. وفي هذا الإطار، يقول "كورت فولكار"، نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية المكلف بأوروبا: "لقد شعرنا بخيبة أمل لأن جزءاً صغيراً فقط من المناقشات حول مستقبل أوروبا تناول دور أميركا والعلاقات بين ضفتي الأطلسي". ولكنه قال أيضاً إنه كان يتعين على الولايات المتحدة أن تُشرك أوروبا بشكل أكبر وأفضل بعد الحادي عشر من سبتمبر، مضيفاً أن الأميركيين دعموا بشكل مستمر أوروبا حين ولادتها في الخمسينيات، ومن ذلك "مخطط مارشال" الذي تحل ذكراه الستون هذا العام. وأوضح المسؤول الأميركي أن أوروبا كانت تكتسي، قبل الحادي عشر من سبتمبر بعقود، أهمية مركزية بالنسبة لكل قضايا السياسة الخارجية الأميركية. بيد أنه بعد هجمات 2001 و"التحديات الاستراتيجية" التي خلقتها -يقول فولكار- "لم يعد يُنظر إلى أوروبا على أنها مركزية" أمام تحديات "الدول المارقة والإرهاب".

*مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في برلين

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" -24-3-2007