"جيتس"... السياسات والمواقف في الميزان

 

 

جوردون لوبولد

 

تمكن "روبرت جيتس" بشكل واضح، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة التي قضاها على رأس "البنتاجون"، من فرض نفسه كمسيِّر ناجح و"براجماتي" في بيروقراطية واشنطن، وصاحب أسلوب متميز في الإصرار على المحاسبة والرغبة في التحرك بثبات عندما تهدد الأزمات بالخروج عن السيطرة. ولعل الأهم من ذلك كله أنه يمثل نقيض سلفه دونالد رامسفيلد.

فإذا كان يُنظر إلى وزير الدفاع السابق باعتباره رجلاً مندفعاً، ميالاً إلى السجال، ويضع مرؤوسيه في موقع الدفاع، فإن "جيتس" سرعان ما أصبح معروفاً بأنه صاحب حس نقدي، يسعى إلى بناء التوافقات، ويصغي إلى كل الأطراف قبل فرض كلمته. وفي هذا السياق، يقول "دوج سلاك"، الذي تعرف على "جيتس" عندما كان أستاذاً بـ"الجامعة الزراعية والميكانيكية" في تكساس: "أعتقد أن أسلوب الإدارة الذي نراه في العاصمة واشنطن اليوم مثال على أسلوب روبرت جيتس"، مضيفاً "إنه رجل يصغي لمن حوله، وبعد ذلك يتخذ القرارات".

ولعل أفضل مثال على هذا الأسلوب خلال الفترة القصيرة لتولي "جيتس" وزارة الدفاع، هو رد فعله الغاضب في وقت سابق من هذا الشهر -وعلناً- على رد الجيش البطيء على الحالة المتدهورة والمزرية لمرافق ومنشآت "مركز والتر ريد الطبي العسكري"؛ حيث أجبر المسؤول عن القطاع الطبي في نهاية المطاف على الاستقالة. ويوم الثلاثاء الماضي، اعترف "جيتس" بالخطوات الخاطئة لمستشاره العسكري، الجنرال "بيتر بايس"، الذي عبَّر عن آرائه الخاصة بخصوص الشذوذ الجنسي، إذ قال "جيتس" إن آراء الجنرال بايس "لا محل لها هنا".

ويُحسب لوزير الدفاع أيضاً تزعمه الجهود الرامية إلى زيادة حجم الجيش، حيث أعلن عن زيادة حجم الجيش وقوات "المارينز" خلال السنوات الخمس المقبلة، وإطلاق مبادرات "صديقة للجنود"، على غرار البرنامج الذي يقضي بتعويضهم مادياً في حال تمديد فترات مشاركتهم في الخارج أو إرسالهم قبل الوقت المحدد. "جيتس"، الذي طمأن أعضاء الكونجرس بأنه لم يعد إلى واشنطن بنية الوقوف موقف المتفرج، وساعد الرئيسَ بوش على المضي قدماً في تصعيد الحرب داخل العراق أمام كونجرس متشكك، يبدو اليوم مرغماً على الدخول في لعبة الانتظار.

إلى ذلك، تمكن "جيتس"، الدمث والجاد في آن واحد، من أن كسب احترام المسؤولين في وزارة الدفاع؛ كما أنه هو من يقف، حسب بعض المراقبين، وراء تراجع إدارة بوش عن نهجها السابق، وقبولها الدخول في حوار مباشر مع سوريا وإيران. وفي هذا السياق، يقول "بول إيتون"، الجنرال المتقاعد الذي عُرف بانتقاداته الشديدة لرامسفيلد والمجهود الحربي: "أتخيل أن جيتس يمكن أن يكون أقوى رجل في واشنطن إن هو أراد ذلك".

وإذا كان كثيرون يعلقون آمالاً عريضة على ما يمكن أن يقوم به "جيتس"، فالأكيد أنه لن يكون قادراً على حل جميع المشكلات. وفي هذا الإطار، يقول "روبرت وورك"، نائب رئيس الدراسات الاستراتيجية بـ"مركز التقييم الاستراتيجي" في واشنطن: "ثمة الكثير من الانتقادات بسبب ما حدث في العراق"، مضيفاً "ولكنني آمل ألا يقول الناس إن رامسفيلد رحل؛ وبالتالي، فإن كل شيء سيصبح أسهل؛ فالواقع غير ذلك".

ويحتفظ "جيتس" وزوجته، بيكي، بمنزلهما وسط الهدوء النسبي لـ"سان خوان آيلاندز" بولاية واشنطن، والحال أن العاصمة واشنطن هي التي يعرفها "جيتس" معرفة جيدة؛ فقد انضم إلى وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" في 1966 حيث أصبح محللاً للسياسة السوفييتية. غير أن هذا المنصب لم يحل دون مشاركته في مظاهرة احتجاجية مناهضة للحرب في واشنطن عام 1970. وفي 1991 أصبح "جيتس" مديراً لـ"سي آي إيه"، وذلك في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب، الذي أصبح صديقاً شخصياً له، والذي بإصرار منه، عاد "جيتس" -حسبما يُقال- إلى واشنطن.

وحسب "سلاك"، فقد كان يُنظر إلى "جيتس" حين كان على رأس إدارة الجامعة الزراعية والميكانيكية في تكساس باعتباره "عامل تغيير"، حيث غيَّر الرؤية الاستراتيجية للجامعة، التي تعد سابع أكبر جامعة في الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، يقول "سلاك" إن "جيتس" تخلى، حين كان رئيس الجامعة، عن سياسة القَبول السابقة، التي كانت تفضل أقارب الخريجين على غيرهم، وجعل إدارة القبول بالجامعة تركز على الأقليات، ولكن وفق الجدارة، وليس العرق. ويقول سلاك "إن جيتس لم يكن يوافق على المضي قدماً في أي مخطط قبل استشارة هيئة التدريس وموافقتها على التغييرات"، مضيفاً "لقد نجح في طريقة الإدارة التي كان يعتمدها. وهو ما جعل الناس يدركون أنه حين تُطلب منهم آراؤهم بخصوص موضوع ما، فإنها ستُستعمل".

والحال أنه من غير الواضح إلى أي مدى سينجح "جيتس" في إصلاح البنتاجون؛ ذلك أنه من المرجح أن يتم استبداله بشخصية أخرى عندما تصل إدارة أخرى إلى البيت الأبيض في 2009، وهو ما لا يترك له وقتاً كبيراً لتغيير الثقافة السائدة داخل المبنى بشكل جذري. كما أن تركيزه سيكون على الأرجح منصباً على العراق، وهو ما لن يترك له أيضاً وقتا كافياً لمعالجة المشاكل الأكبر.

بيد أن ميول "جيتس" إلى بناء التوافقات من المرجح أن يساعده على مد الجسور مع أعضاء الكونجرس، الذين كان يشتكي العديد منهم أن رامسفيلد كان يتحاشاهم ويتجاهلهم. ولئن أصبح "جيتس" اليوم الوجه العمومي الجديد لحرب لا تحظى بالشعبية، ويتبنى الموقف القائل إن "الفشل ليس خياراً" الذي كثيراً ما ردده بوش، فإن المشرعين في الكونجرس يُقدّرون عمله على رفع نبرة النقاش في واشنطن، وإن كان الكثيرون لا يتفقون مع ما يسمعونه.

*محرر الشؤون الخارجية في "كريستيان ساينس مونيتور"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-22-3-2007