تصريحات بوتين «النارية» في ميونيخ إنتهت الى «إتفاق» مع واشنطن على طهران

 

 

رائد جبر

 

الخلاف الروسي - الإيراني سياسي لا مالي وتوقع هجوم عسكري أميركي لا يطاول «بو شهر»

حملت الاسابيع الأخيرة تحولاً مفاجئاً في الموقف الروسي حيال ملف ايران النووي، وشكلت ازمة محطة «بوشهر» التي وصفت في موسكو بانها «تقنية» (أشار الإيرانيون إلى أبعاد سياسية لها)، أحد عناوين الموقف الروسي الجديد، فيما غدت موافقة موسكو ومعها بكين على مشروع قرار دولي جديد بعقوبات جديدة ضد إيران تطوراً آخر يشير إلى أن طهران بدأت تخسر آخر حلفائها.

وأثارت الأزمة الحادة التي اسفرت عن تجميد العمل في المرحلة الاخيرة لبناء محطة «بوشهر» الكهروذرية الايرانية تساؤلات لجهة أسبابها وتوقيتها بالتزامن مع تصاعد الضغوط الاميركية وجهود حشد تأييد دولي لتضييق الخناق من حول طهران. واللافت في الازمة ليس التناقض الروسي - الايراني في تفسير ملابساتها وحسب، بل في انها شكلت ضربة مفاجئة هزت واحداً من عناصر قوة الموقف الايراني في مواجهة الضغوط الغربية، خصوصاً ان الأزمة اندلعت في مرحلة دقيقة من مراحل العمل في المحطة، اي عندما حان أوان البدء بإرسال الوقود النووي اللازم لتشغيلها الى ايران.

ويعتقد كثيرون بأن مشروع بناء المحطة النووية الايرانية تحول منذ سنوات الى ورقة ضغط ديبلوماسي قوية تستغلها موسكو لحمل القيادة الايرانية على الرضوخ لمطالب المجتمع الدولي. وتشير رئيسة مركز موسكو في مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي روز غيتمولر الى ان روسيا وضعت بين العامين 2002 و 2003 عندما بدأت التقارير التي تتحدث عن وجود برنامج نووي سري لدى طهران باثارة قلق الكرملين الجدي، استراتيجية تقوم على «إرخاء الحبل لطهران الى أبعد درجة حيناً وشده في أحيان أخرى، مع مراعاة عدم قطعه». وشكلت «بوشهر» احدى ابرز الاوراق المستخدمة لانجاح هذه الاستراتيجية، وظهر ذلك من خلال الاعلان اكثر من مرة خلال السنوات الماضية عن وجود مشاكل معقدة في مشروع بناء المحطة، في حين لم تنقطع شركات مقاولة روسية عن أعمال محدودة في البناء طوال الوقت لئلا تعطي ذريعة لقطع العلاقات مع طهران.

بدأت الأزمة الأخيرة عندما أعلنت موسكو في شكل مفاجئ قبل اسابيع ان الشركات الروسية «مضطرة لوقف العمل في انجاز المرحلة الاخيرة من بناء المحطة بسبب عدم وفاء ايران بالتزاماتها المالية». وقال مدير الوكالة الروسية للطاقة الذرية سيرغي كيريينكو للصحافيين «ان روسيا لا تستطيع إكمال بناء المحطة الكهرذرية في بوشهر على نفقتها الخاصة»، وان بلاده لم تتسلم منذ اوائل العام الحالي الدفعات المستحقة على الإيرانيين. في المقابل اكدت طهران انها دفعت لموسكو المبلغ المستحق، لكن التحويلات تأخرت بسبب انتقال ايران من التعامل بالدولار الأميركي الى اليورو. وعلى رغم ان القضية في ظاهرها بسيطة لكنها لم تلبث ان تحولت الى ازمة حادة تهدد بوقف العمل في المحطة نهائياً، واخفق الجانبان في ثلاث جولات حوار عقدت حتى الان في التوصل الى حل. وزاد من غرابة الخلاف الإيراني - الروسي لهجة التصريحات التي حملت اتهامات متبادلة بين الطرفين، ففي حين اعتبرت يفغينيا نيميروفيتس نائبة رئيس مؤسسة «آتوم ستروي إكسبورت» المسؤولة عن بناء المحطة أن «تصريح الجانب الإيراني أنه حوّل مبالغ مالية إلى المؤسسة في الاول من اذار (مارس) يبدو سخيفاً»، ذهب نائب رئيس مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي شوطاً بعيداً عندما لمّح الى آثار سياسية ستترتب على الموقف الروسي الجديد، حين قال ان المشاكل المتعلقة بمشروع محطة بوشهر «تحمل طابعاً مالياً وفنياً في الوقت الحاضر، ولكن، إذا لم تجهز روسيا الوقود النووي في آذار من هذه السنة فهذا يعني أن المشكلة تجاوزت هذه الأطر». واللافت هنا هو ربط الايرانيين المباشر بين «الازمة المالية» ومسألة توفير الوقود النووي اللازم لتشغيل المحطة. وهذا دفع المسؤولين الروس الى مزيد من التعنت في مواقفهم، فقال فلاديمير بلفاوف رئيس دائرة مشروع «بوشهر» في مؤسسة «روس اتوم اكسبورت» الروسية ان مماطلة طهران في حل المشكلة ستؤدي الى «تردي حال المشروع بشكل ملموس، وتوقف العمل في المحطة الآن سيسفر عن عواقب وخيمة».

والحديث عن مسألة الوقود النووي لم يأت من فراغ، فبحسب الاتفاق الروسي - الإيراني تبدأ موسكو تزويد المحطة بالوقود النووي قبل ستة اشهر من حلول موعد الاطلاق التجريبي لعملها، أي خلال شهر آذار الجاري، لأن العقد ينص على بدء التشغيل في ايلول (سبتمبر) المقبل، وهذا السبب دفع البعض في موسكو الى التساؤل عما اذا كانت موسكو قررت تجميد الأجندة الزمنية لتشغيل المحطة انتظاراً لما ستسفر عنه التطورات السياسية وربما العسكرية في المنطقة، خصوصاً حول إيران.

وعلى رغم ان المــسؤولين الروس يصرون على رفض هذا الربط ويحـــملون طهران مسؤولية التأخير، لكن محللين كثراً يرون ان المسألتين مرتبطتان ويذهب بعضهم الى اعتبار الخلاف المالي مجرد ذريعة لتغيير الموقف الروسي.

والمعروف ان تعاون موسكو وطهران في مشروع «بوشهر» مر بمنعطفات خلافية كثيرة منذ بدأ الخبراء الروس العمل على اعادة تشييد المحطة في العام 1995، وكانت مسألة الوقود النووي احدى ابرز المشكلات التي اسفرت عن تعليق اعمال البناء لفترة طويلة حتى وقع الطرفان برتوكولاً إضافياً يلزم الإيرانيين بإعادة الوقود المستخدم الى روسيا بعد الانتهاء من تشغيله، لكن الخلاف الاخير شكل بحسب البعض القشة التي قصمت ظهر البعير، اذ انتقل من خلاف فني الى تبادل للاتهامات وتهديد بوقف المشروع نهائياً. وعلى رغم جولات الحوار لم يطرأ أي تغيير على مواقف الطرفين المبدئية، فالجانب الروسي ما زال يعتقد بأن التأخير في أعمال البناء سينعكس أوتوماتيكياً على مواعيد تشغيل المحطة العملي التجريبي المقرر في ايلول، ما يعني تأجيل تشغيل المحطة الى اجل غير مسمى.

تنظر إيران بحساسية إلى قضية تأجيل المواعيد وتصر على تجهيز الوقود الذري في الشهر الجاري كما هو محدد في الجدول، ويمكن فهم لهجة التوتر التي تسود الخطاب الايراني بسبب التاريخ الطويل والمتعب لانشاء محطة «بوشهر»، فعملية تنفيذ المشروع مستمرة منذ أكثر من 30 سنة. وكانت المانيا في العام 1980 على وشك وضع المراحل النهائية في اعمال بناء المحطة عندما انطلقت العمليات الحربية العراقية – الإيرانية، ما دفع بالشركة الالمانية الى التخلي عن المشروع، ورفض الخبراء الالمان بعد انتهاء الحرب 1988 العودة لاستكمال العمل فيه. ويرى الإيرانيون الآن انهم ضحية «تقلب أهواء» الروس الذين وافقوا على إكمال بناء المحطة الكهرذرية.

وكانت روسيا وافقت على استكمال العمل لبناء المحطة الإيرانية في العام 1995، لكن الشركات الروسية واجهت صعوبات كبرى قبل البدء، وعندما وصل الخبراء الروس في الطاقة الذرية إلى" بوشهر" كان مبنى المحطة الكهرذرية مدمراً ومهجوراً لأكثر من 15 سنة، وواجه الخبراء صعوبات كبرى للتعرف الى المعدات التي تركتها شركة «سيمينز» الألمانية «Siemens» التي كانت جهزت ما يقارب 35 ألف قطعة من المعدات، لكن العديد منها كان ضائعاً. وقامت اللجنة الروسية - الإيرانية المشتركة بعملية تدقيق هندسية هائلة تسنى نتيجتها اعتبار ما يزيد على 5 آلاف قطعة فقط من المعدات صالحة للعمل. وكان من المفروض، بالتالي، إنجاز عمل ضخم، على أن ينسجم ما تبقى من المشروع السابق مع المواصفات الروسية الجديدة، إذ لم تتطابق المقاسات واختلفت طريقة التجميع، كما نشأت حاجة إلى معدات جديدة أكثر حداثة.

فضلاً عن ذلك، تغير الوضع الدولي والوضع السياسي حول إيران خلال الوجود الروسي في «بوشهر» على مدى 12 سنة بشكل جذري، فاتهمت الولايات المتحدة إيران بتنفيذ مشاريع نووية ترمي إلى صنع سلاح نووي. وكان كثيرون في الغرب يتابعون سير العمل في مشروع المحطة الكهرذرية على ساحل الخليج العربي بقلق. وكانت روسيا تتعرض للمساءلة عن التعاون مع إيران بمختلف الأشكال على رغم أن مشروع المحطة الكهرذرية يعتبر من القضايا السلمية، تغيرت الخريطة في المنطقة بعد دخول القوات الأميركية والحليفة الى العراق، كما تغيرت روسيا نفسها في شكل كبير.   

الأكيد ان تصريحات المسؤولين الروس التي اظهرت في الاسابيع الاخيرة تزايد مخاوف موسكو من احتمال تجاوز طهران «الخط الرفيع الفاصل بين الصناعات النووية المدنية والقدرة على تطوير سلاح نووي» تعزز وجهة نظر اطراف ترى ان التطورات الاخيرة وتزامنها مع الحديث عن عملية عسكرية أميركية محتملة تعكس تحولاً جدياً في الموقف الروسي، ويكفي ان سكرتير مجلس الامن القومي الروسي ايغور ايفانوف تعمد ان يعلن اخيراً وفي حمّى السجالات الروسية - الإيرانية أن بلاده «لا يمكن ان تقبل بأن تمتلك إيران سلاحاً نووياً»، وحذر من ان تطوراً من هذا النوع سيشكل تهديداً لأمن روسيا الاستراتيجي. في الوقت نفسه كتب رئيس الوزراء الروسي الاسبق يفغيني بريماكوف الذي يعد مهندس سياسة روسيا في الشرق الاوسط مقالاً اعتبر فيه «ان هناك أقوالاً وأفعالاً تتنافى مع تأكيدات القادة الايرانيين على سلمية برامجهم النووية»، منها رفض ايران تقديم اجوبة على اسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإعلان طهران تصميمها على عدم تجميد اعمال التخصيب، وتسريع وتيرة تركيب المزيد من اجهزة الطرد المركزي المخصص لتخصيب اليورانيوم. ويعتبر البعض في روسيا ان هذه بعض الاسباب التي تقف وراء التغيير في الموقف الروسي، خصوصاً أن الأزمة الأخيرة تزامنت مع وصول النقاشات حول صدور قرار دولي مشدد حيال ايران الى مرحلة جديدة ابرزت توافق الاراء للمرة الاولى وانضمام موسكو وبكين الى المطالبين بتشديد الضغوط على الإيرانيين.

وتعتبر أوساط روسية ان تحول الموقف الروسي بدأ مباشرة بعد خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الناري في ميونيخ في العاشر من شباط (فبراير) الماضي، اذ لم يمر اسبوعان حتى بدأت تظهر مؤشرات الى تقارب روسي - أميركي حيال عدد من الملفات الدولية الساخنة، خصوصاً ملف إيران النووي. وكان بوتين هاجم واشنطن بقوة انذاك واتهمها بالسعي الى الهيمنة على العالم، واعتبر كثيرون كلماته مقدمة لاطلاق «حرب باردة» جديدة، خصوصاً انه اقترن باعلان موسكو نيتها تطوير قدراتها الدفاعية والهجومية رداً على تهديد محتمل بسبب نيات واشنطن نشر انظمة دفاع صاروخية على مقربة من الحدود الروسية في أوروبا. لكن المثير انه مع حلول نهاية شهر شباط اتضح ان ميونيخ كانت مقدمة تقارب روسي - أميركي على صعيد الملف الايراني تحديداً، إذ أعلنت موسكو فجأة عن وجود خلافات مالية مع ايران وقررت تأجيل ارسال اربعين طناً من الوقود النووي اللازم لتشغيل محطة «بوشهر» الى اجل غير مسمى، واكثر من ذلك فقد لمحت مؤسسة «اتوم روس اكسبورت» انه اذا لم ترضخ طهران لمطالب موسكو فان الوضع في «بوشهر» سيتخذ منحى «لا عودة عنه».

وإضافة إلى تزايد الشكوك بنيات طهران، تعزو أوساط روسية تحدثت معها «الحياة» تبدل الموقف الروسي الى اسباب عدة، أبرزها اقتناع الروس بان طهران ليست شريكاً تجارياً يمكن الوثوق به، خصوصاً بعد تسرب معلومات ببدء الإيرانيين تشييد محطة نووية جديدة في شكل منفرد، ويرجح البعض ان يوجه الايرانيون جزءاً من الاعتمادات المخصصة لاتمام العمل في «بوشهر» الى المشروع الجديد. ولا يخفي المسؤولون الروس حال الاحباط التي ولدها اصرار الايرانيين على تجاهل النصائح الروسية في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومطالب المجتمع الدولي، كما يرى البعض ان الإيرانيين تعمدوا اختلاق ازمة بعدما فقدوا الاهتمام بمحطة «بوشهر» نفسها وبسبب قناعة باحتمال استهدافها في حال تعرضت ايران لضربة عسكرية أميركية، ما يعني ان الأفضل، بحسب أصحاب هذا الرأي، توفير المال عشية نشوب حرب محتملة. وعلى رغم ان شرائح واسعة في اوساط السياسيين والخبراء الروس لا تخفي قناعتها بان واشنطن باتت اقرب الى تبني الخيار العسكري لمواجهة الازمة الايرانية على رغم صعوباته المتوقعة، لكن غالبية الخبراء الروس تستبعد ان تكون محطة «بوشهر» هدفاً للضربات الأميركية. ويرى انطون خلوبكوف الخبير في مركز الدراسات السياسية ان واشنطن ستتجنب استهداف مواطنين روس في حال اتخذت قراراً عسكرياً علماً ان نحو الفي خبير روسي يعملون في «بوشهر»، كما ان هذا المشروع لا يشتمل على تقنيات يمكن استخدامها عسكرياً، ما يقلل من احتمالات ضربه. 

مجلس الامن: عقوبات جديدة؟ 

من جهته وضع رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية مكسيم شيفشينكو في حديث الى «الحياة» فرضيتين لشرح الموقف الروسي الحالي، تقوم الاولى على ان العمل الاساسي في بناء محطة «بوشهر» انتهى بالفعل وان الخمسة في المئة المتبقية من اعمال التشييد تتعلق بتجميع اجهزة وتجهيزها للعمل، ما يعني ان «التصريحات السياسية الساخنة لا تتوافق مع واقع استمرار التعاون القوي بين البلدين»، خصوصاً ان موسكو واصلت حتى اسابيع قليلة ماضية تزويد الايرانيين بأنظمة صاروخية متطورة اثارت غضب واشنطن وتل ابيب.

وتقوم الفرضية الثانية على احتمال ان تكون موسكو اتخذت قرارها بتخفيف وتيرة العمل وتجميده موقتاً بعد تعرضها لضغوط كبيرة من واشنطن، وبعدما وجدت نفسها وحيدة بسبب رفض الايرانيين القيام بأية خطوة ايجابية تســاعد في تعزيز المـوقف الروسي او الصيني.

ويرى شيفشينكو ان القيادة الايرانية تعمل في شكل متعمد على تصعيد الموقف حول إيران، من اجل توظيف الوضع داخلياً وإقليمياً، معتبراً ان طهران تتعمد استفزاز الموقف الدولي ودفع الولايات المتحدة الى ارتكاب خطأ عسكري كبير سيصب في حال وقوعه في خدمة مصالح القيادة الايرانية المحافظة.

من جانبه، لفت الباحث الروسي الكسندر بيكايف (من معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية) الى أن قادة إيران «يساهمون بطريقة مباشرة في إنجاح السياسة الأميركية تجاه إيران» على رغم خطابهم العدائي حيال الولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً»، مشيراً إلى أن سلوك إيران خلال الأسابيع الأخيرة أوقع بلدين كانا يتخذان موقفاً ودياً تجاه إيران هما روسيا والصين في حرج. وزاد ان موسكو وبكين «لم يعد في مقدورهما أن تقفا مع طهران التي تصر على تجاهل قرارات مجلس الأمن».

و كل ذلك بحسب المصدر  رأي الكاتب في المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-22-3-2007