.. وتحدث الجنرال.. ويا له من حديث

 

ديفيد أغناتيوس

 

ستبقى صورة الجنرال جون أبي زيد في الذاكرة، حينما هبط من مدرعة همفي في إحدى أصعب مناطق بغداد الصيف الماضي، ثم راح يتحدث مع أصحاب المحلات ورجال الدين، الذين كانوا مندهشين جدا لمقابلة جنرال بأربعة نجوم، وهو يتحدث معهم بالعربية.

جلب أبي زيد، الذي تقاعد الجمعة الماضية، معه باعتباره قائدا للمنطقة الوسطى، شيئا خاصا لعمله. فهو من أصل عربي ويفهم ثقافة المنطقة ويتحدث لغتها. لكن الأهم من ذلك هو أنه شخص مثقف كان يفكر بعمق في القضايا الاستراتيجية لما كان يسميه بـ«الحرب الطويلة» أكثر من أي مسؤول أميركي آخر.

وقال تشاك بويد جنرال الجو المتقاعد، الذي يرأس حاليا مؤسسة تدعى (مديرو البزنس للأمن القومي): «منذ دوغلاس ماك أرثر لم يكن لدينا قائد محلي يفهم المنطقة، التي هو مسؤول عنها، في ثقافتها وتاريخها ولغتها».

لا يحب أبي زيد إعطاء مقابلات صحافية، لكنه وافق على التكلم الأسبوع الماضي حول الدروس التي تعلمها كقائد للقوات الأميركية في العراق وأفغانستان، منذ أن تسلم المسؤولية في يوليو 2003.

كيف تنتصر في «حرب طويلة» على التطرف الإسلامي، إذا كانت لبلدك درجة انتباه قصيرة المدى؟ وهذا عنصر قلق قوي بالنسبة لأبي زيد في نزاع يعتبر الوقت، لا الوحدات العسكرية أو التكتيكات، المصدر الاستراتيجي الحقيقي. وقال في هذا السياق معلقا: «المشكلة الكبرى هو أننا نفتقد الصبر. حينما نأخذ على عاتقنا مهمة إعادة بناء مجتمعات علينا ألا نكون على عجل. نحن بحاجة إلى أن نكون صبورين، لكن صبرنا محدود. وهذا يجعل إنجاز مهمتنا صعبا».

سعى أبو زيد الى أن يركز على الحرب الطويلة ـ المعركة ضد المتطرفين الإسلاميين، الذين سيقتلون مليون أميركي في لحظة واحدة إذا تمكنوا من ذلك ـ ولتجنب اتخاذ إجراءات في العراق تجعل من هذا النزاع الأكبر أسوأ. وهذا كان يعني، أنه متى ما كان ممكنا يجب تقليص الوجود الأميركي في العراق ودفع العراقيين كي يحلوا مشاكلهم بأنفسهم.

وقال أبي زيد محذرا: «لا يمكن حل التمرد بسهولة بواسطة قوى أجنبية». ليس سوى قوات الأمن العراقية القادرة على تحقيق استقرار البلد على مدى طويل، ومهمة أميركا هي تدريب وتقديم الاستشارات للقوات العراقية. وهنا تكون الحاجة للصبر. مضى على أميركا 4 سنوات في العملية، وحسب قراءة أبي زيد فإن تاريخ مكافحة التمرد يتطلب حوالي 11 سنة، وهو يعتقد أن الولايات المتحدة تقوم بعمل معقول في العراق، بافتراض أنها تمتلك الصبر الكافي لإنهاء المهمة.

ولم يتحدث أبو زيد، حتى في أسبوعه الأخير في مهمته، حول الجدل السياسي الذي ثار في واشنطن خلال أشهره الأخيرة بشأن إرسال قوات إضافية إلى العراق. ولكن يتضح من تصريحاته المعلنة انه يعتبر عدد القوات مسألة تكتيكية. فالعنصر الأساسي للنصر شيء مختلف، وهو استراتيجية شاملة تجمع كل مصادر الحكومة الأميركية، وتتمتع بدعم شعبي كاف لتظل راسخة من انتخابات إلى أخرى ومن إدارة إلى أخرى.

وقال في خطاب ألقاه في جامعة هارفارد، في نوفمبر الماضي، إن «القوة العسكرية تحل حوالي 20 في المائة من المشكلة في المنطقة، أما البقية فتحتاج إلى أن تكون دبلوماسية واقتصادية وسياسية».

وهذه الحاجة إلى استراتيجية شاملة، والى بنية أمن قومي تجعلها تفعل فعلها، هي الدرس الكبير الثاني لأبي زيد. فقد خلقت الولايات المتحدة، وهي تواجه عدوا شيوعيا عالميا عام 1947، مؤسسات جديدة كان بوسعها أن تنسق كل الجهات السياسية المختلفة. ويجادل أبي زيد بأننا الآن بحاجة إلى إصلاح، من نمط ذلك الذي جرى عام 1947. ويقول في هذا السياق: «هناك الكثير من العوائق البيروقراطية. ومن الصعب، حسب رأيه، موازنة العناصر التي يتعين أن تعمل معا، ولكنها بدلا من ذلك تتنافس، حيث وزارة الخارجية مقابل وزارة الدفاع والمؤسسة التشريعية مقابل المؤسسة التنفيذية، والعراقيون مقابل الأميركيين، وأميركا مقابل حلفائها.

ويقول أيضا انه بعد التقاعد يريد المشاركة في مناقشة عامة حول كيفية إصلاح النظام الأمني القومي، الذي لم يعمل بصورة جيدة على نحو كاف في العراق. ويقال انه رفض فرصة أن يكون مديرا للاستخبارات القومية، وهي مهمة يمكن أن تناسب رؤيته الاستراتيجية. وهو يفكر بتأليف كتاب، ما دام الناشر لا يحتاج إلى ذلك النوع من المذكرات الذي يكشف عن قضايا خاصة، والذي يجعله يشعر بعدم الارتياح. ولكن إذا ما استمرت الحرب ضد التطرف الإسلامي فترة طويلة كما يتكهن أبي زيد، فانه من الصعب التفكير بأنه لن يعود إلى النزاع ثانية وفي المرة المقبلة كمدني.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية - خدمة كتاب «واشنطن بوست» ـ 19-3-2007