حرب واشنطن السرية في إيران

 

عبدالله صالح

 

الانفجار المروع الذي شهدته مدينة زاهيدان الإيرانية منذ أيام، وأسفر عن مصرع وإصابة العشرات من أعضاء الحرس الثوري الإيراني، أثار الجدل من جديد حول العمليات السرية التي تقوم بها المخابرات الأمريكية في بعض الأقاليم الإيرانية، والتي تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وإسقاط النظام، وربما التحضير لهجوم أمريكي واسع النطاق.

سفير إيراني سابق، رفض الكشف عن هويته، أكد أن الحكومة الإيرانية على علم بهذا الاختراق الأمريكي لأراضيها، وأن لديها تقارير عن هوية عملاء واشنطن السريين، لكنها لا تريد إثارة هذه القضية، في هذا الوقت الذي يشهد تصعيداً دولياً، بقيادة أمريكية، ضد البرنامج النووي الإيراني، مشيراً إلى أن هؤلاء العملاء المكلفين من قبل الولايات المتحدة هم من أصول إيرانية وليسوا أمريكيين، حيث يتم تجنيد بعضهم داخل الولايات المتحدة، والبعض الآخر بواسطة عدد من السفارات الأمريكية في بلدان مجاورة لإيران. وأنهي السفير الإيراني السابق حديثه قائلاً: "إذا ما استمرت الضغوط الأمريكية على طهران، فإنها بذلك تدفع إيران لكي تصبح دولة نووية".

وقد نشر موقع "آسيا تايمز" مؤخرا تقريراً، أشارت فيه إلى اتهامات مسئولين إيرانيين للولايات المتحدة بالتخطيط لعمليات عسكرية سرية جديدة ضد إيران، انطلاقاً من الأراضي الباكستانية، من أجل إثارة الصراعات العرقية والدينية، على نحو يهدد بتقسيم إيران.

وأشار الموقع أيضاً إلى مخاوف طهران من التحالف الأمريكي الباكستاني، الذي يستهدف ترسيخ أقدام واشنطن في آسيا الوسطى، ومواجهة تهديد طالبان والجماعات المسلحة في أفغانستان والدول المجاورة بما فيها إيران، وهو ما قد يدفع طهران لتنفيذ عمليات مضادة تستهدف قواعد حلف الناتو في أفغانستان.

وألقت القوات الإيرانية القبض مؤخراً على خمسة أشخاص للاشتباه في تورطهم في هجوم بسيارة مفخخة على حافلة متحركة للحرس الثوري الإيراني في مدينة زهدان بإقليم بلوشستان، وهو الهجوم الذي خلف مصرع وإصابة العشرات.

واتهمت وسائل الإعلام الإيرانية المخابرات الأمريكية بالضلوع في هذا التفجير، بالتعاون مع بعض الجماعات المنشقة، من أجل زعزعة الاستقرار، وإثارة النزعات العنصرية والدينية في البلاد، بين شيعة وسنة إيران.

يذكر أن إقليم بلوشستان يتاخم أفغانستان وباكستان، وعادة ما تحدث فيه اشتباكات بين قوات الأمن الإيرانية وبعض المجموعات المسلحة المحلية، وسبق أن شهد الإقليم سلسلة من الهجمات وعمليات الاختطاف في السنوات الماضية اتهمت السلطات الإيرانية جماعة جند الله "السنية" بارتكابها.

وفي وقت سابق من هذا العام، لقي أربعة أفراد من قوات الأمن الإيرانية مصرعهم في إقليم بلوشستان عندما فتح مسلحون النار على سيارتهم، واتهم وزير الداخلية الإيراني مصطفى محمدي المخابرات الأمريكية بالضلوع في هذا التفجير، بالتنسيق مع بعض الجماعات الإيرانية المنشقة من أجل زعزعة الاستقرار، وخلق صراع شيعي سني في إيران.

الصحفي الأمريكي سيمور هيرش، تحدث في مقال له بصحيفة "النيويوركر" عن العمليات العسكرية السرية التي تقوم بها القوات الأمريكية على نحو كثيف داخل إيران، مشيراً إلى أن التفجيرات التي حدثت في زاهيدان تم تنفيذها من جانب جماعة "جند الله" بتمويل غربي.

وأوضح هيرش أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وصلت إلى مستوى عالٍ من التعقيد، عبر عن نفسه في تلك الحرب السرية التي تشنها الولايات المتحدة على إيران، بدعوى مساندة الأقليات الإيرانية المضطهدة، وذلك في محاولة للضغط على طهران بشأن قضيتي البرنامج النووي الإيراني والأوضاع في العراق.

ويبدو أن لدى طهران شكوكا قوية منذ فترة طويلة، بشأن التغلغل الأمريكي في أراضيها ودعمها للجماعات المناوئة للنظام الحاكم، وهو ما أشار إليه الرئيس نجاد في الخطاب الذي بثه التليفزيون الإيراني في مايو من العام الماضي، عندما قال إن "أعداء إيران يسعون منذ سنوات إلى إذكاء نيران التوترات الإثنية والدينية داخل إيران، لكن الأمة الإيرانية قادرة على إحباط مؤامرات العدو".

"جون برادلي" المحلل الأمريكي المتخصص في الشئون الإيرانية، كتب مقالاً في العدد الحالي لمجلةWashington Quarterly magazine ، أكد فيه أن إقليم "بلوشستان" ذو أهمية بالغة للأمن القومي الإيراني، بسبب تركز المقاومة السنية فيه، فضلاً عن وقوعه بالقرب باكستان التي تضم أغلبية سنية، وأفغانستان المحتلة أمريكياً، ولهذا فإن المخابرات الغربية تعتبر هذه المقاومة السنية أداة هامة لزعزعة النظام الإيراني.

وأضاف برادلي أضاف أن ثمة اتصالات أمريكية وغربية مع جماعات المقاومة السنية في إيران، وأن الاتصالات يمكن أن تسبب العديد من الاضطرابات العرقية والدينية في الأقاليم الواقعة جنوب شرق إيران، وكشف أن صناع السياسة في واشنطون باتوا يولون اهتماماً أكبر في الآونة الأخيرة بسياسة إيران الداخلية وتأثير العوامل العرقية والدينية على استقرار النظام الإيراني على المدى الطويل، بالإضافة إلى تأثير هذه العوامل على اختيارات السياسة الخارجية الإيرانية على المدى القصير. واستشهد برادلي بمشروع بحث سري تجريه وزارة الدفاع الأمريكية عن المشكلات والمطالب العرقية في المجتمع الإيراني.

ويذكر أن إدارة بوش طلبت من الكونجرس مؤخراً تخصيص 75 مليون دولار من أجل الترويج للتغيير الديمقراطي في إيران ودعم الجماعات الانفصالية المناهضة للحكومة، لكن العائق الرئيسي الذي يواجه السياسة الأمريكية أنه باستثناء الأكراد، لا توجد أقليات عرقية في إيران تريد الانفصال من الدولة الإيرانية، رغم ما يعانيه معظم الأقليات من مشكلات اقتصادية وسياسية، كما أنه ليس صحيحاً أن كل الأكراد مناوئون للهوية القومية الإيرانية، فهناك طيف واسع من الأفكار والآراء والإيديولوجيات السياسية بين أكراد إيران كما أن الأكراد معترف بهم كمؤسسين للهوية الوطنية الإيرانية ولهم أدوار مهمة وكبيرة في التاريخ الإيراني.

سياسة الولايات المتحدة الرامية لإشعال نار النزاع العرقي والطائفي في إيران، يمكن أن تزعزع الاستقرار الداخلي في هذا البلد، وقد تعجل برحيل النظام الإيراني القائم، لكن الأخطر من ذلك هو أنها تهدد بتصاعد النزعات العرقية والإثنية والدينية في منطقة الشرق الأوسط، وخلق قوس من الاضطرابات يمتد من العراق إلى باكستان وأفغانستان، وإدخال المنطقة في دوامة من الصراعات المسلحة تمتد لسنوات وربما لعقود طويلة قادمة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المكذور نصا و دون تعليق.

المصدر: مجلة العصر-24-2-2007