بندر بن سلطان الذراع الامريكية في العراق والمنطقة

 

عبد الامير الهماشي

 

 

لايكاد كاتب أمريكي يتناول الاستراتيجية الامريكية أو يؤرخ لسياستها الخارجية في الشرق الاوسط منذ منتصف العقد الثمانيني للقرن الماضي والى يومنا هذا إلا وذكر الامير بندر بن سلطان السفير السعودي الاسبق في واشنطن..

وقد سمحت الفترة التي قضاها في واشنطن والتي بلغت نصف عمره الخمسيني تقريبا أن يدخل عالم الشركات العملاقة صاحبة السلطة الحقيقة في السياسة الامريكية التي اُصطلح عليها الشركات المتعددة الجنسية والمتعددة المهام.

وهذه الشركات هي دول داخل دولة ولها أجهزة مختلفة في كل المجالات وتضاهي ميزانياتها ميزانية دول عديدة كما تفوق الكثير منها ،وقد فشل الكثيرون من الرؤساء والملوك العرب دخول هذا العالم المتسلط على السياسة العالمية كاعضاء في مجالس إداراتها بالرغم من امتلاكهم للثروات الهائلة لكن طقوسا معينة خاصة بعالم المال والسياسية لاتتسنى للكثيرين من معرفتها ،وقد باءت محاولات (صَدّام ) دخول هذا العالم بالفشل الذريع بالرغم من الخدمات الجليلة التي قدمها إلا إنه بقى في موقع التنفيذ لا التخطيط!!!

وقد روج بعض الكتاب العرب الى اُفول نجم بندر بن سلطان بعد تقديم استقالته كسفير للمملكة السعودية في الولايات المتحدة ولكن تعينه واستلامه لمنصب الامين العام للامن الوطني أو رئاسة المخابرات السعودية بعد أن آلت الملكية الى عبدالله بن عبدالعزيز وتولي أبيه (غير الشرعي ) سلطان بن عبدالعزيز ولاية العهد* دل على أن بندر بن سلطان انتقل لموقع تنفيذي يتيح له ممارسة دوره الجديد وهو لم يترك السفارة السعودية في الولايات المتحدة فسرعان ما أسندها لاحد تلاميذه (جبير) الذي عينه كمستشار لعبدالله بن عبدالعزيز بعد ان كان ناطقا اعلاميا في السفارة السعودية في واشنطن وأعاده إلى واشنطن مرة اُخرى كسفير هذه المرة خلفا للامير تركي بن فيصل في محاولة لبسط النفوذ على سياسة البلد الخارجية والداخلية ضمن منافسات البيت الحاكم السعودي.

ولم يتوان الامير بندر في تقديم امواله لدعم عمليات (قذرة) للمخابرات الامريكية في امريكا الوسطى او في الشرق الاوسط وهو الممول للعملية التي استهدفت اغتيال السيد محمد حسين فضل الله في لبنان في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم التي أدت الى مقتل ثمانين شخصا وجرح مأتين تقريبا حسب رئيس جهاز المخابرات الاسبق كيسي في كتاب نشره في منتصف التسعيينات من القرن العشرين كما انه الرجل الخفي لصفقات الاسلحة بين طهران وواشنطن ابان الحرب العرقية الايرانية لتمويل قوات الكونترا في نيكاراغوا،ولذلك يشير اليه الكاتب الامريكي ويلم سمبوسن willamsimpson بأنه رجل سلام مع إنه أكبر تاجر للسلاح!!!!

ومازال الامريكيون متحيرين بقدرة الرجل داخل أمريكا حيث استطاع تسفير العديد من الامراء واصحاب الثروات السعوديين بعد أحداث الحادي عشر من ايلول عام 2001 في ظل الظروف التي عاشتها الولايات المتحدة انذاك وقد كشف ويلم مور هذه التحركات عندما تناول العلاقة الحميمية بين عائلة بوش والامير بندر حتى يُلقب ببندر بوش!! ويذهب بعضهم الى اعتباره الموجه للسياسة الخارجية للولايات المتحدة!!!

وقبل الاشارة الى العلاقة بين بوش وبندر لابد من ااشارة الى أن فترة رئاسة بيل كلنتون لم تُسجل نشاطا يُذكر للسفير السعودي بخلاف فترة رئاسة الجمهوريين وخصوصا فترة بوش الاب وفي فترة الرئيس الحالي.

ويؤرخ بعض الكتاب الامريكيين ومنهم بوب ودورد في كتابه (الستار) الى العلاقة بين الرئيس بوش والسفير السعودي الى العام 1987حيث طلب الرئيس بوش الاب من الامير بندر مقابلة جورج دبيلو بوش في مكان عام للتحدث حول ترشيحه لرئاسة الولايات المتحدة!!!!

وتوطدت هذه العلاقة بين الاثنين حتى وصفت بانها علاقة عائلية وبندر هو السفير الوحيد الذي وفرت له حماية رئاسية !!!!

وقد أطلعه الرئيس الامريكي جورج دبيلو بوش على تفاصيل الهجوم على العراق قبل وزير خارجيته كولن باول ،وإنه الشخصية العربية الوحيدة التي يستشيرها الرئيس الامريكي !!!

وبعد ان تولى الامير بندر رئاسة المخابرات السعودية كمهمة تنفيذية جدية حسب الدور الجديد الذي يقوم به خدمة لاستراتيجية الولايات المتحدة أو لنقل الشركات الحاكمة ليعيد دوره السابق في تجنيد المقاتلين لافغانستان في مواجهة الاتحاد السوفيتي أنذاك .

ولكن هذه المرة في العراق لتصبح ساحة الصراع بين الولايات المتحدة واعداءها المفترضين في عمليات وقائية لتجنب أراضي الولايات المتحدة من هجمات كهجمات الحادي عشر من أيلول .

وإعادة الريادة للدولة السعودية في تبنيها للقضايا الاسلامية بعد أن شهدت انحسارا نتيجة أحداث الحادي عشر من أيلول وما سببه بن لادن من ردة فعل للدولة السعودية داخل الولايات المتحدة على المستوى الشعبي بالرغم من العلاقة الحميمية بينه وبين بندر وعائلة الرئيس بوش!!

وقد سمح الامير بندر لاصحاب الخطاب التكفيري والتحريضي من العودة الى الاضواء مرة اُخرى ولكن دون التطرق الى الداخل السعودي وهي ذات الاستراتيجية التي اتبعتها البلدان العربية في تفريها من الشباب المتحمس واليائس من الحياة في أحداث أفغانستان في القرن الماضي ولكن هذه المرة الى العراق الجار الشقيق المحتل!!!

ويستغرب الكثير من المراقبين صمت الولايات المتحدة عن ما تقوم به المملكة السعودية في دعمها للارهابيين والقتلة وارسالهم الى العراق دون أن تمارس ضغطا معينا في هذا المجال ،ولنأتي الى شهادة غريبة للسيناتور الديمقراطي بيل نيلسون Bill Nelsonعن ولاية فلوريدا الذي قال :لقد طلب مني الجنرال مايك هايدن رئيس المخابرات أن يسعى لدى السعوديين لحملهم على تقديم العون في استقرار الوضع الامني في العراق من خلال الاستفادة من علاقة السعوديين بالعشائر السنية في العراق واقناعهم بالكف عن دعم المسلحيين !!!

وقد صدق السعوديون اللعبة فذهب المستشار الامني في سفارة المملكة في واشنطن بعيدا وكتب مقالا في صحيفة (الواشنطن بوست) أشار فيه الى أنه في حالة ترك القوات الامريكية للعراق فسوف تتدخل المملكة لحماية (سنة )العراق من إيران وربما تسرع الرجل وأخذته الحماسة لكشف مخططات لم تتح الفرصة بعد لتطبيقها!!

وولابد من الاشارة الى أنني وفي أثناء تحضيري لهذا الموضوع قرأت مقال الكاتب الامريكي سيمور هيريش المعادي (اعلاميا) لتوجهات الادارة الامريكية الحالية وأشار فيه الى دور الامير بندر بن سلطان وعنونه ب(لعبة الامير بندر) وهو محق في العنوان الذي جمع فيه من المصادر الحكومية والاعلامية وكذلك من ضباط سابقين في الجيش ما عزز به مقاله ومع احترامنا للجهود التي بذلها الكاتب إلا أن السياسية الامريكية لاتتحول بين ليلة وضحها وهو الخبير بها!!

وومانقله سيمور عن الضابط المتقاعد يعزز ما نسعى الى تقديمه من الدور الجديد للامير بندر (على أنه يُحدث تحولا في السياسة الامريكية تجاه السنة وإن هذا الامر يعزز موقعه لدى العائلة الحاكمة) .

ومع احترامنا الكبير للكاتب الذي أعد التقرير بامتياز معتمدا على شبكة واسعة من المعلومات الحكومية ومن اعضاء الكونغرس وضباط سابقين واعلاميين امريكين ذوي اطلاع واسع إلا ان الاستراتيجية الامريكية المدفوعة من قبل الشركات الحاكمة التي يعمل بعض أعضائها في مواقع القرار التنفيذي وبعضهم عمل كاستشاري لاتتغير دون أن تكون هزة عظيمة وما يجري حتى هذه اللحظة في العراق ضمن المخطط الذي رسمته .

ومهمة بندر في العراق هي تحشيد الشباب اليائسين من الحياة لانتحارهم في العراق وتأليب الوضع العربي وجعل الصراع الجديد صراعا طائفيا بحتا وهو ما دعاه الى لقاء اولمرت شخصيا لتخفيف الضغط عن عباس والسماح بمفاوضات جديدة مع الفلسطينين لتهدأة الاوضاع قليلا لكي لا يتجه الفلسطينيون الى ايران وضمان بقاء حماس وفتح في الجبهة ضد ايران ،وهذا ما أنجح لقاء مكة الاخير..

كما ان قرار السعودية في حرب لبنان كان من هندسة الامير بندر الذي عجل بصدور البيان قبل اجتماع العائلة الحاكمة فكان تحولا جديدا في تاريخ الصراع العربي مع الدولة العبرية.

إن استمرار تدفق المقاتلين الاجانب على العراق يديم الاستراتيجية الاولى التي تتبعها الادارة الامريكية ومن ثم يأتي الفصل الثاني الاعماربعد ان تنهك الحرب هذا البلد . حيث تروج تجارة السلاح وتأتي بعدها فرص الاعمار والمستفيد الاكبر هي الشركات المتعددة المهام.

والسؤال المطروح هل سيشارك الامير بندر في مؤتمر بغداد شخصيا أم يوكل الامر الى وزارة الخارجية هذا ماننتظره إذا ما انعقدالمؤتمر؟

أما ماهو الحل أمام هذا الجو الضبابي فهو بحاجة الى قراءة كل الاحتمالات الامريكية التي تسير كلها باتجاه متناسق دون أن ترى أحدها يسبق الاخر ،وما يجبر الولايات المتحدة على التغيير هو الهزة القوية من ارادة صلبة من الجماهير والقيادة التي بدأت تفهم اللعبة جيدا وتتناغم مع ايقاعتها لنصل الى بر الامان...

*أشار الى هذه المعلومة الكاتب ويليم سمبسون

ملاحظة :تأخرت قليلا عن كتابة هذا الموضوع بعد رؤيتي لما كتبه الكاتب الامريكي سيمر هيريش

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي-6-3-2007