إدارة بوش... موسم "التراجعات" وتغيير المواقف

 

بيتر بيكر

 

إن المرء ليتعجب مما يراه. فها هو الرئيس الذي كان يسخر من فكرة الحديث مع إيران وسوريا حتى أسبوعين مضيا، يرسل مبعوثيه لحضور مؤتمر إقليمي، سيتم خلاله الحديث مع إيران وسوريا. هذا التراجع من قبل بوش هو الأخير في سلسلة من التراجعات عن مواقف كان يبدو غير مستعد للتزحزح عنها قيد أنملة. فلو أخذنا الفترة التي انقضت منذ أن سيطر "الديمقراطيون" على الكونجرس بمجلسيه وحتى الآن، سنجد أن سلسلة تراجعات بوش تشمل إقالة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، والتفويض بالدخول في مباحثات مباشرة مع كوريا الشمالية، وإرسال المزيد من القوات للعراق، والموافقة على مناقشة الخطوط العامة للدولة الفلسطينية في الشرق الأوسط، واقتراح زيادات ضريبية على ملايين الأميركيين... وكلها أمور كان قد رفضها من قبل. يعلق "لي.إتش هاملتون" العضو "الديمقراطي" بالكونجرس عن ولاية (إنديانا)، والذي شارك في "مجموعة دراسة العراق" على ذلك بقوله:

"إن هذا التغير ليس بالمستغرب، فما يحدث هو أن حقائق الموقف تتضح شيئاً فشيئاً بمرور الوقت، مما يجعل الرئيس -وخصوصاً عندما تقترب ولايته من نهايتها ويشعر أنه لابد وأن يترك وراءه تركة طيبة- أن الأمر يستدعي تحقيق تقدم في بعض القضايا الدولية، التي لم يكن قد تم تحقيق تقدم كافٍ فيها من قبل".

وتحولات بوش تقابل بالترحيب من قبل "الديمقراطيين" وبعض "الجمهوريين"، ولكنه ترحيب مشوب بتحفظ مؤداه أن ما فعله الرئيس ليس كافياً من وجهة نظرهم.

ولكن هذه التحولات يمكن أن تكون مُرة كالعلقم بالنسبة لرئيس مثل بوش جاء إلى الحكم مؤكداً للناس إيمانه الذي لا يتزعزع ببعض المبادئ الجوهرية، وراسماً صورة لخصومه -"آل جور" في البداية، وبعد ذلك "جون إف. كيري" بأنهم سياسيون متذبذبون يقومون بتغيير آرائهم وفقاً لاتجاه التيارات السياسية، ثم يجد نفسه الآن مضطراً لأن يفسر الأسباب التي جعلته يرفض موقفاً في لحظة ويوافق عليه في التالية.

ليس من شك في أن جميع الساسة يفعلون ذلك بدرجة أو بأخرى وفي أوقات مختلفة، وإن كانوا لا يعترفون بذلك ويبررونه بأن تسيير شؤون الحكم يتطلبه، وأن تلك التقلبات لو جرى تقييمها بالصورة السليمة، فإنها يمكن أن تعد على أنها علامة من علامات البراعة السياسية والنضج في الحكم. لا خلاف على ذلك، ولكن مثل تلك التقلبات والتذبذبات يمكن أن تكون مدمرة، وذلك إذا ما كانت تمثل سمة من السمات الثابتة للشخصية السياسية، كما في حالتيْ "آل جور" و"كيري". ونجد في الوقت الراهن، وفي نطاق حملات الترشيح لخوض انتخابات الرئاسة القادمة، أن بعض المرشحين يبذلون محاولات لشرح الأسباب التي أدت بهم إلى تغيير مواقفهم من بعض القضايا. من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر "مت رومني"، المرشح "الجمهوري" الذي يحاول جاهداً شرح السبب في تغير مواقفه من قضايا مثل الإجهاض وحقوق الشواذ، والسيناتورة الديمقراطية "هيلاري كلينتون"، التي تبذل جهداً كبيراً هي الأخرى لتفسير سبب امتناعها عن الاعتذار عن تصويتها لصالح قرار الحرب ضد العراق عام 2002، على الرغم من الضغوط التي تتعرض لها من قبل النشطاء الليبراليين.

وفي حالة بوش، فإنه يعترف في بعض الأحيان بالتغير في موقفه، ويعزو ذلك التغير عادة إلى الظروف المتغيرة وذلك مثل قراره الخاص بإرسال المزيد من القوات إلى العراق، بعد أن ظل سنوات يُصر على أنه لن يفعل ذلك. غير أنه يحدث أحياناً أن ينكر البيت الأبيض أن هناك تغيراً في المواقف قد تم على الإطلاق ويقدم العديد من الحجج الدقيقة التي يحاول بها أن يثبت أن ما تم كان متسقاً مع البيانات والتصريحات السابقة.

فخطة بوش الجديدة للعناية الصحية على سبيل المثال، ستؤدي إلى رفع الضرائب على 30 مليون أميركي، ومع ذلك يصر البيت الأبيض على الادعاء أن المواطنين لن يتأثروا بهذه الضرائب لأن الزيادة فيها سيتم تعويضها في نواحٍ أخرى.

على نفس المنوال، بعد الإعلان عن أن المبعوثين الأميركيين سيحضرون المؤتمر الذي سيعقده جيران العراق، اشتكى"توني سنو" المتحدث باسم البيت الأبيض من أن تلك الخطوة يتم تصويرها بواسطة وسائل الإعلام، على أنها تحول في السياسات في حين أنها ليست كذلك.. وسرد الرجل قائمة تشمل العديد من الاجتماعات التي تحضرها دول متعددة ويكون الطرف الأميركي والإيراني فيها حاضران، ووجه النقد للصحفيين على ما وصفوه بأنه خطأ في تشخيص الموقف.

الصحفيون لم يخطئوا في تشخيص الموقف، لأن بوش كان يرفض الحديث مع إيران وسوريا حول مسألة محددة وهي تطورات الوضع في العراق، وظل هذا موقفه حتى فترة قريبة، حيث كان يصر على أنه لن يتحدث إلى أي دولة من الدولتين ما لم توقف طهران تخصيب اليورانيوم، وتوقف دمشق تدخلها في لبنان، وتوقف الدولتان دعمهما للمجموعات الإرهابية.

وليس هذا فحسب بل إن بوش أكد على موقفه وجعله واضحاً لا يحتمل أي لبس، عندما سخر في مؤتمر صحفي عقد الشهر الماضي من هؤلاء الذين يدعونه للدخول في مفاوضات مع الدولتين بقوله في نبرة ساخرة:

"إننا نعيش في عالم نجد فيه أناساً يقولون لك اجتمع مع هذا... واجلس مع ذاك. وإجابتي على مثل تلك الطلبات أنني لن أجتمع ولن أجلس مع أحد إلا إذا ما تأكدت مسبقاً أن هذا الاجتماع أو تلك الجلسة ستنتج عن أي منهما فوائد، فهذا هو الشيء الذي يعنيني في المقام الأول". ومع هذا وبعد ذلك التاريخ بأسبوعين فقط، وجدنا بوش يوافق على الجلوس مع الدولتين، والاجتماع معهما في سياق مؤتمر إقليمي لجيران العراق والقوى الكبرى على رغم أنه لم يتم تحقيق أي شرط من الشروط التي كان قد وضعها سابقاً.

وقد عبر "المحافظون" عن سخطهم من ذلك، حيث نجد أن باحثاً مرموقاً في معهد "أميركان إنتربرايز" مثل "مايكل آيه. ليدين" يقول تعليقاً على ذلك: "لم يسبق لي أن رأيت إدارة توجد فيها هذه الهوة الهائلة بين ما يقوله الرئيس علناً وبين أفعاله الحقيقية. في حين أن ما يجب أن يتم هو أن تعكس التصريحات الرئاسية العامة السياسة التي تتبعها الإدارة.. غير أن هذا ليس هو ما يفعلونه في هذه الإدارة على ما يبدو".

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-3-3-2007