إيران على خط النار!

 

 

نجاح محمد علي

 

تأخذ طهرن على محمَـل الجدّ التهديدات الأمريكية باللجوء إلى خيار الضربات العسكرية لِـحسم أزمة الملف النووي المحتدمة.

ولهذا، فقد عمدت القيادات العسكرية منذ وقت طويل إلى تعبئة الشارع الإيراني لمواجهة احتمالات الحرب، حتى وإن كانت محدودة بالمنشآت النووية!

يعتقد الإيرانيون، ربما ليس معظمهم، أن الخيار العسكري سيُـستخدم عاجلا أم آجلا ومهما كان موقِـف بلادهم التفاوضي، ولهذا فإن غالبية الإيرانيين لا يُـحمِّـلون الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد، مسؤولية تدهور الحل التفاوضي، على أساس معلومات مؤكّـدة تتحدّث عنها كل مؤثرات الرأي العام في إيران، من صحافة ومنابر صلاة ومنتديات، وتشير إلى أن واشنطن ستستخدم أسلوب الضربات العسكرية للوصول إلى طاولة المفاوضات في مرحلة لاحقة، بغية التوصُّـل إلى حلٍّ سياسي لكل المسائل العالقة بين طهران وواشنطن.

وتنشر الصحف الإيرانية كل يوم تحليلات ودراسات عن تفاصيل السيناريوهات المقترحة بشأن الضربات العسكرية الموعودة، فيما القيادات الرسمية، خصوصا السياسية، تقلِّـل من الخِـيار العسكري، لكنها لا تستبعده نهائيا.

وقد نشرت الصحف في طهران مؤخّـرا أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي وضع باقي القيادات في اجتماع خاص، في صورة الاستعدادات المطلوبة للردّ في حال شن الولايات المتحدة وإسرائيل أو واحدة منهما هجوما عسكريا على المُـنشآت النووية، رغم أن الرئيس أحمدي نجاد اعتبَـر في تصريحات علنية أن الخيار العسكري يوجد في أسفل أولويات الأمريكيين، في ضوء ورطتهم الكبيرة في العراق.

تأييد وتخوّفات

الشارع الإيراني الذي انتَـخب أحمدي نجاد واختاره ورجّـح كفّـته على رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، كان يُـدرك منذ الوهلة من خلال الحملة الانتخابية لنجاد وشعاراته التي ركّـزت على الاستمرار في مشروع تخصيب اليورانيوم المثير لمخاوف الغرب، أن رئيسهم القادِم لن يتراجع عن البرنامج النووي بأدقّ التفاصيل، خصوصا وأنه يحظى بإجماع من مُـعظم الإيرانيين، رغم اختلافهم في أسلوب حلِّ أزمته مع الغرب.

لكن الإيرانيين، وهم يختلِـفون على أداء أحمدي نجاد منذ انتخابه في يونيو 2005، خصوصا في الشأن الاقتصادي وفشله في تنفيذ معظم وُعوده الانتخابية، يتّـفقون على أن واشنطن هي من يضَـع العصي في عجلة إيران، وأنها هي من يَـحُـول دون التوصُّـل إلى اتفاق سياسي لحل أزمة النووي.

وتشير متابعة زوايا "اتصالات المواطنين" (أو بريد القراء) في مُـعظم الصحف الإيرانية إلى أن نِـسبة كبيرة جدّا من الإيرانيين يعتقدون أن واشنطن تَـرمي إلى استدراج طهران إلى الحرب عبر فتح ملفّـات عدّة ضدّها، تبدأ في العراق ولا تتوقّـف أو تنتهي في لبنان وفلسطين، واتّـهامها بالعمل على تقويض الأمن في المنطقة، والأكثر خطورة، اتهامها بالوقوف خلف أعمال العنف الطائفي في العراق تحديدا، لإيجاد قطيعة بينها وبين العالم الإسلامي ومنع تعاطف المسلمين والعرب معها في حال تعرُّضها لهجوم عسكري، حتى إذا نفَّـذته أو شاركت فيه إسرائيل.

ويرى مُـعظم الخبراء الإيرانيين أيضا، أن خيار الضّـربات العسكرية لن يتأخّـر كثيرا، وهم يتّـهمون إسرائيل بالحث عليه باعتِـباره السَّـبيل الأفضل للتَّـعامل مع البرنامج النووي الإيراني.

وقد لا يعارض الكثير من الإيرانيين النّـهج الحالي لرئيسهم وطريقته لحلّ الأزمة، وهو يعتمد أسلوب التصعيد مُـقابل التصعيد، إلا أنهم يخشون بالتّـأكيد أن يفلت العقال، ولا تقتصِـر الضربات العسكرية على المنشآت النووية، وهي بالمناسبة غير محدّدة بمكان.

تحذيرات الإصلاحيين

صحف الإصلاحيين تكتب باستمرار محذِّرة من أن المُـحافظين الجُـدد وإسرائيل يُـريدون إشعال حرب شاملة مع إيران، ولا يستبعِـدون أبدا أن يجد الكونغرس نفسه مُـضطرا للمُـوافقة عليها، وينشرون نقلا عن تسريبات أمريكية وإسرائيلية سيناريوهات عدّة لاستدراج إيران، كي تقوم بشنّ هجوم على قوات أمريكية في العراق أو الخليج، لخلق رأي عام داخل الولايات المتحدة يؤيِّـد شن حرب على إيران.

وقد كتب عددٌ من كِـبار المسؤولين في حكومة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي مقالات حذّروا فيها من خُـطورة الاستِـهانة بالوضع الراهن، وطالبوا بأن تتجنّـب إيران خيار الضربات العسكرية، وتجنح للسلم والحل التفاوضي، حتى وإن كلّـفها ذلك تعلِـيق برنامج تخصيب اليورانيوم.

ويتساءل محسن أمين زادة، وكان مساعدا لوزير الخارجية في عهد خاتمي، عن الفائدة التي ستجنيها إيران، إذا ضُـربَـت منشآتها النووية أو إذا توقّـف البرنامج النووي عن طريق عقوبات مجلس الأمن، وهي عقوبات تبدو جدية لإعاقة هذا البرنامج ومنع إيران من الحصول على قِـطع غيار أو تقنيات تُـستخدم فيه.

وينظر آخرون إلى أن الخسارة الإيرانية، مادِّيا على الأقل، ستكون كبيرة جدّا في حال تَـعرُّض المنشآت النووية (فقط) لضربة عسكرية، وأن المقارنة مع أية أضرار قد تُـلحقها إيران بأعدائها، وهي ترُدّ، ليست في مصلحة إيران.

"علي وعلى أعدائي"

المعترضون من الإيرانيين على سياسة رئيسهم النووية، وإن كانوا يشتركون مع معظم الإيرانيين في مسألة اعتبار النِّـزاع حول البرنامج النووي لبلادهم يدخُـل في اعتبارات "الكرامة الوطنية"، إلا أنهم يحملون على أحمدي نجاد وطاقمه التفاوضي، أنهم لا يكترثون إلى مُـلاحظات العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، التي كان أدلى بها للمبعوث الإيراني علي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، وحذّر فيها من "موقف يستدرج إيران إلى الحرب"، ذلك أن المسؤولين الإيرانيين لم يكونوا يُـبالون كثيرا بما تردّد من أن واشنطن لن تدخل الحرب ضدّ إيران قبل تأكّـدها من تأييد الدول العربية الحليفة لها، لمُـواجهة المِـحور الإيراني ـ السوري وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيين.

هذا الواقع دفع بشخصيات نافِـذة إلى توجيه انتقادات حادّة للخارجية الإيرانية، عندما أعلَـن النّـاطق باسمها، محمد علي حسيني، أن واشنطن لن تنجح في إيجاد حِـلف من دول المنطقة لشنِّ الحرب عليها، ويبدو أن أحمدي نجاد قرأ تلك الانتقادات بنفس إيجابية وقام بزيارة إلى الرياض التي حقّـقت حسبما يبدو خرقا كبيرا في حِـلف واشنطن المطلوب مع المنطقة، حين اتّـفق مع العاهل السعودي على التعاون لإخماد حرائق الفِـتن الطائفية في العراق وتداعِـياتها على لبنان ودُول أخرى في المنطقة.

ورغم جهود الحلّ الدبلوماسي، التي تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية، فإن الاستعدادات تجري في إيران على قَـدم وسَـاق، وأهداف الردّ الإيراني قد حُُدِّدت من نظرية تقول "إن على إيران أن لا تُـصدِّق كثيرا الاعتقاد أن الورطة الأمريكية في العراق ستمنع واشنطن من استهداف إيران".

وقد توعَّـد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية أية الله علي خامنئي باستهداف المصالح الأمريكية عبر العالم، إذ ما تعرّضت إيران للهجوم.

ويقول خبير استراتيجي إيراني، إن قدرة إيران على الرد، تعتمِـد على مدَى استعداد دُول المنطقة للتعاون مع واشنطن.

كما أن المُـناورات العسكرية الإيرانية المتكرِّرة مؤخَّـرا، تعكِـس أن طهران تستعِـدُّ بالفِـعل لحرب من العيار الثقيل لا يُـحبِّـذها الشعب، ولكنّـه قد يجِـد نفسه مُـجبرا على خَـوض غِـمارها على قاعدة "عليّ وعلى أعدائي"، من أجل ذلك، يذهب مراقبون إلى أن كل ذلك يجري لإقناع الشارع الإيراني بأن الحرب إذا وقعت، فهي لم تكن أبدا .. "خيارا إيرانيا".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: سويس إنفو-7-3-2007