أمن بغداد .. وتعاكس الرؤى

 

 

جابر حبيب جابر

 

حاولت الحكومة العراقية أن لا تعلق كل الآمال على خطة امن بغداد، خشية من أن فشلها سيدفع بالوضع إلى مهاوي اليأس ويشي بعجز الحكومة، لذا فهي تعتبرها حلقة في سلسلة معالجات وبدائل سيتم استيلادها عند الإخفاق الجزئي أو الكلي، إلا أن طول الأمل هذا لا يجد له مشاطرون، لا عند المواطن الذي لم يبق في قوس صبره منزع، لأنه إما مخاتل للموت يوميا، أو نازح عن دار، أو مهاجر يرقب الآمال في العودة لوطن، ولا عند الامريكان الذين لم يعودوا يملكون فسحة الوقت أو سعة وانطلاق اليد أو ترف تجريب السيناريوهات، ولا عند حلفائهم الذين اختزلت الغنيمة عندهم بالإياب، ناهيك من دول الإقليم التي باتت أكثر من أي وقت مضى موقنة أنها لن تنأى بنفسها أو باستقرارها عن مخاطر انهيار دولة ورثتها، المحتملون واللائحون بالأفق، أصوليات متشددة لا يمكن النوم بجانبها.

إلا أن هذا الإدراك الذي وصل إليه القاصي والداني تبدو معه الطبقة السياسية العراقية عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى مخاطره، فالذي يحار به المرء هو أن أي دولة من دول العالم ضربها في سنة عشر معشار ما يضربنا يوميا من العنف في العراق، ما وجدنا فيها مثل هذا الانقسام الواضح في التعامل معه، ناهيك من استحالة إيجاد من يقف مبرراً أو مسوغاً له.

وربما مرد ذلك إلى انه جزء من استراتيجية اعتمدها شطر من القوى السياسية والدينية وبتوزيع للأدوار، تساعدها فيه منصات إعلامية هي الأكثر هيمنة في صياغة توجهات الشارع العربي، فالملاحظ أنها نجحت خلال الأشهر الماضية في تحويل الاتجاهات في مسببات العنف في العراق، من الإرهابيين إلى الميليشيات، وبذلك تريد، على أحسن الظنون، أن تعفي نفسها من مسؤولية مواجهة أو المساءلة عن العنف المستشري في مناطقها والتي تشكل الحاضنة والملاذات الآمنة له وتمده بالدعم اللوجستي والتجنيد البشري والشحن الديني والغطاء الافتائي والمظلة السياسية، إلا أن ذلك ـ مع براعته ـ لم يحل ولن يحل اصل المشكلة، إذ انه يتجاهل وبفرضية بينة التفريق بين نوعين من العنف في العراق، عنف أصيل نشأ بفترة بعد سقوط النظام رافضاً للتغيير وساعياً لإجهاضه وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء متحالفاً في ذلك ومتخادماً مع العنف الوافد ذي المشروع العالمي، وبين عنف تولد بعد ذلك بزمن كرد فعل عليه ولملء فراغ غياب السلطة. فجيش المهدي الذي يقع في دائرة العنف الثاني ظل لأكثر من سنتين رغم استمرار القتل باتجاه واحد يتجنب الانجرار للاقتتال الطائفي، بل كان قتاله موجها ضد الامريكان حيث خاض معهم صدامات مستمرة تخللتها معركتان كبيرتان، وهذا ما جعل صور زعيم التيار الصدري ترفع في المدن السنية، بل كان هناك تعاون متبادل وتشارك في القتال والدعم في معارك الفلوجة الأولى والنجف وبين مدينتي الاعظمية والصدر، وظل التيار وبانفصال واضح عن باقي الجسد الشيعي يتبنى مواقف متشددة ومناوئة من الامريكان ملتقياً فيها مع المقاومة السنية، إلا أن القاعدة نجحت في إحداث التصدع والشرخ العميق في هذا «التعاون المقاومي» وبلغت ذروة ذلك في حادث تفجير المرقدين في سامراء حيث دخل نتيجة ذلك التيار في ردات الفعل الانتقامية وأصبح جزءا من دورة العنف، والتفريق هنا هو بغية فهم بنية العنف ودوافعه كمدخل لتحجيمه وإنهائه، وليس بالقطع لتبرير أو تبرئة أي منهما، بل على العكس فإن الطرف الثاني ربما يلام وبدرجة اكبر كونه هو المعني ببناء الدولة لا الآخر الساعي لهدمها.

لذلك فقد طولبت الحكومة سواء من الأطراف المقابلة أو من الامريكان أو ما تستدعيه صلب اختصاصاتها ومبرر وجودها كحكومة بأن تكبح وتوقف عنف الميليشيات وان تتصدى بمعيارية واحدة لمواجهة العنف اياً كان مصدره، وهذا المنهج لا ريب هو الأصح الذي تثبت فيه أبوتها للجميع وقدرتها بأن تكون وحدها من تملك سلطة القسر وفرض القانون، إلا انه رغم اخذ البعض، وهو محق، على الحكومة ترددها فإن المعالجات لا بد أن تكون مختلفة مع هذين النوعين من العنف لأسباب عدة، منها أن التيار الصدري مؤمن بالعملية السياسية وهو جزء منها، كما انه مؤمن بالتغيير ويجد فيه مصلحته ومصلحة جماهيره كونهما ضحية تنكيل وإهمال ما قبل التغيير، وثانياً انه يختلف عن عنف الجماعات الأخرى حيث لا يجد نفسه في حرب مع الدولة ولا مع بناها التحتية، فهو بعكس العنف القاعدي وحلفائه الذين يجدون في أي مدرسة تقام، أو محطة كهرباء أو ماء تتأهل أو أسواق تستعيد حياتها، هزيمة لهم وإضعافا لمشروعهم، وثالثاً، ليس من الحكمة أو حتى من الامكان الدخول في معركة مفتوحة لا يتحملها الوضع العراقي الهش مع تيار له جماهيرية واسعة وبما يوسع دائرة الأعداء، ورابعاً فإنه بخلاف الجماعات المسلحة الأخرى فإن التيار يظل له رأس ومفاتيح يمكن وأمكن التواصل والتفاهم معها سياسياً، وخامساً فقد حدث هناك إجماع في الصف الشيعي سوءا لجهة المرجعيات الدينية أو السياسية على استحالة استمرار هذا النوع من العنف واعتباره مضعفاً للدولة ويمنع انبناءها ويدفع إلى التناحر المجتمعي وينزلق باتجاه الحرب الأهلية وبات يوظف لمصلحة أطراف إقليمية، وان حاصل ذلك سيودي بالمشروع السياسي الجديد برمته والذين هم قبل غيرهم معنيون بنجاحه، وهذا ما لا نجد له للآن نظيرا في الطرف المقابل.

لكل ذلك نجد أن الامريكان أنفسهم أدركوا أيضا هذه الانشغالات والمخاطر وتجنبوا خوض معركة واسعة مع التيار ولجأوا إلى أسلوب استهداف قياداته ممن يعتبرونهم متورطين في أعمال العنف، وباعتقال عدد من رموزه كرسائل تطمين واسترضاء للجانب الآخر، كما أن التيار من جهته أدرك ما يراد به وفضل التخلي عن أنشطته المسلحة لتجنب الانجرار لمعركة يراد بها رأسه، ومؤشرات ذلك بدت واضحة وبينة خلال الأسابيع الماضية، وأدلها أننا لم نعد نشهد كالسابق ردود فعل انتقامية على الهجمات الدموية الواسعة، والتي ما انفك جزءاً منها يستهدف مدينة الصدر وغيرها من معاقل التيار الصدري، مودياً بحياة العشرات وأحيانا المئات يومياً مع عجز بيِّن للحكومة على وقفها.

وهذا يعود بنا ثانية إلى الوقوف أمام اصل المشكلة والذي لن يكفي، على أهميته وحتميته، كبح الميليشيات المسلحة وحتى إنهاؤها في حله، والمقصود هو عنف الجماعات المتطرفة والتكفيرية الذي يضع ويستلزم استحقاقات مقابلة على الطرف الذي تحسب على مناطقه. ولا شك أن المقارنة حول فاعلية مواجهة كل طرف لقوى العنف في صفه ستكون مجحفة، باعتبار أن الطرف الأول فيه الحكومة وأجهزتها في حين أن الثاني قوى سياسية وشخصيات محدودة الإمكانية، ولكن هذا لا يمنع من توافر الإرادة ومن الاصطفاف مع السلطة، لا إعاقتها، ومن الاستقواء بها لا عليها، وان يكف البعض عن عمله كمصدات سياسية ومظلات حماية للجماعات المسلحة من اجل غايات قصيرة النظر، أو لاستعادة زمن غادرته المستجدات والتوازنات على الأرض بدون رجعة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-4-3-2007