كيف نكافح الإرهاب بالسطوة الأخلاقية الإسلامية؟!

 

توماس فريدمان

 

جاء في تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد بريس" في العشرين من فبراير المنصرم، أن انتحارياً أفغانياً كان يتخفى في زي عامل صحي، تمكن من تفجير نفسه أثناء مراسم افتتاح عنبر جديد للطوارئ، وفي حشد ضم نحواً من 150 من الحاضرين في ذلك المستشفى الحكومي الرئيسي في مدينة "خوست". وبعد ذلك الحادث بأيام معدودة، تمكنت انتحارية سُنية عراقية من تفجير نفسها في حشد طلابي كان يستعد للجلوس للامتحانات، فأردت حوالى أربعين من الحضور. ولك أن تتوقف برهة لتتأمل كم هو مقزز ومريض هذا السلوك. غير أن عليك أن تتوقف برهة لتستمع إلى هذا الصمت المطبق المخيّم حول هذه الفظاعة! كيف لا وقد لزم فريق بوش وإدارته الصمت، بينما انسدت الآذان والمسامع؟ وإن كان قد أطبق الصمت على هؤلاء، فما ذلك إلا لأن أميركا قد فقدت سطوتها الأخلاقية على العالم تماماً. وبينما يواصل بوش خسارته للحرب لصالح إرهابيين لا يتورعون حتى عن تفجير عنابر الطوارئ المنشأة لإنقاذ حياة البشر في الأساس، نرى الأوروبيين وهم لا يزالون أسرى وهْمهم المكتفي بوصف كل ما يحدث أمامهم، بأنه نتيجة لخطأ بوش وحليفه البريطاني بلير. وعليه فإن حال لسانهم يقول: وما ذنبنا نحن؟!

والأسوأ من ذلك كله، أن المسلمين الذين تذبح حياتهم ومستقبلهم أمام عيونهم، لزموا الصمت أيضاً مثل غيرهم. ولذلك فليس متوقعاً أن تثمر أي زيادة في عدد قواتنا في العراق، دون أن يصحبها ويسبقها مد أخلاقي، أو استراتيجية مضادة للنزعة العدمية، ترمي لنزع الشرعية عما يقوم به الانتحاريون الإرهابيون. وأهم أدوات هذه الاستراتيجية وكوابحها هي العوامل الثقافية والاجتماعية والدينية. وفي حين ران الصمت المطبق على المنطقة الشرق أوسطية العربية المسلمة بمجملها، فإننا نلاحظ مظاهر اللامبالاة إزاء ما يجري أمام هذه القرية وتحت سمعها وبصرها، أو نرى مظاهر الرعب والخوف وقد هيمنت عليها! أما أسوأ هؤلاء المتفرجين على الإطلاق، فهم أولئك الذين يؤيدون المليشيات السُّنية المنشغلة بذبح الشيعة وقتلهم. "ولم يبرز في العالم العربي كله من جهر بعد بصوته في شجب وانتقاد ما يجري حوله في العراق، بما في ذلك تخطئة قتل أطفال المدارس الأبرياء". ذلك هو ما قاله مأمون فندي، مدير برنامج الشرق الأوسط بـ"المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية". ويمضي مأمون فندي للقول إن هناك من الناس من يعتقد على نحو أو آخر، أن في قتل العراقيين وذبحهم لبعضهم بعضاً خير لهم، لأنه يبقيهم في أسر ارتباطهم بالأميركيين. وبذلك إنما يبرر هؤلاء رغبتهم في تقويض المشروع الأميركي، بقتل العراقيين لبعضهم بعضاً.

"وفي حين يبدي العالم قلقاً متعاظماً إزاء خطر اليورانيوم شديد الخصوبة -كما يقول فِندي- إلا أنه في رأيي الشخصي على العالم أن يبدي قلقاً أعظم إزاء تنامي خطر "الإسلام شديد التطرف والراديكالية". وأعني بذلك على وجه التحديد، الإفراط في التطرف السُّني والشيعي". فذلك هو السوس الذي ينخر عظم الدولة المسلمة، على نحو ما تفعله حركة "الإخوان المسلمون" في مصر، أو تنظيم "القاعدة" في ركن ما من أركان العالم الإسلامي. وفي كل الأحوال، فإن النتيجة واحدة لا ثاني لها: فليس هناك من مصدر لسلطة عربية مسلمة، يتسم بالشرعية واللياقة والقبول، أو ليس هناك مركز جاذبية، عربي إسلامي، يدفع الناس دفعاً لإرساء جذورهم الروحية فيه، كما يقول فندي. وفي ظل واقع كهذا، تطلق يد الانتحاريين الإرهابيين، ويترك لهم الحبل على الغارب ليفعلون كيفما شاءوا. ثم يسترسل فندي إلى القول: أما بعض وسائل الإعلام العربية "القومية"، فهي تهلل لأسامة بن لادن وأتباعه، وتقول لهم "برافو" هيا.. هيا.

والرسالة المسكوت عنها، التي يبعث بها هذا الإعلام لأسامة بن لادن وأمثاله هي: إنك تفعل بالغرب ما أردناه، وعجزنا عنه. وما دام الحال هكذا، فلنعلم أنه ما لم يُمارس المزيد من الضغوط على العالم الإسلامي كله، ويتواصل حثه على إصدار فتاوى تشجب هذه الأعمال الإرهابية، وتنبذ كل من يأتيها، فإنه لا سبيل للتقدم خطوة واحدة في مكافحتنا للإرهاب.

وعليه يخلص "مأمون فندي"، إلى أن "ميدان المعركة الرئيسي اليوم في العالم العربي، لم يعد العراق ولا في فلسطين ولا لبنان، وإنما في فصول الدراسة واستديوهات الأخبار. ففي هذين المكانين بالذات، يربض مصممو "البرامج الناعمة" وينهمكون في تصميم وصنع تلك الصور واللغة الرمزية، التي تمجد الفعل الإرهابي الانتحاري، وتضفي عليه شرعية، هو أبعد ما يكون عنها. وما من أحد قادر على هزيمة هؤلاء، سوى أقرانهم من المبرمجين والمصممين العرب المسلمين".

ومهما يكن، فإن هناك أصواتاً عربية مسلمة نزيهة، ترتفع من حين لآخر في أنحاء تلك "القرية الشرق أوسطية"، مما يحملك على التفاؤل والاعتقاد بأن أصواتاً أخرى سترتفع وتشق سماء الصمت. ومنها على سبيل المثال، تلك القصيدة الاحتجاجية الصارخة، المنشورة في بعض مواقع الإنترنت فمن بين المعاني التي ترددت في متن هذه القصيدة التي حملت عنوان "عندما" ما يلي:

عندما ترى غالبية الناس وهي تعادي الحرية وتفضل عليها أن ترسف في أغلال عبوديتها.. فاعلم أنك في إحدى الدول العربية...

وعندما ترى الدعاة وهم يرمون الديمقراطية بالهرطقة، في حين يواصلون تشبثهم بكل سانحة لارتقاء المناصب العليا، فكف عن أن تندهش، واعلم أنك في إحدى الدول العربية. وما أن تدرك أن للأرض والأطيان قيمة أعلى من الإنسان، حتى ينبغي عليك أن تدرك أنك في إحدى الدول العربية.. وهكذا وهكذا تمضي القصيدة في نقدها للواقع العربي.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" – 3-2-2007