الدبلوماسية لا الحرب... المقاربة المطلوبة إزاء إيران

 

بيل ريتشاردسون

 

الاتفاق التجريبي الذي تم التوصل إليه مؤخراً مع كوريا الشمالية، يعد دليلاً على الكيفية التي يمكن بها للدبلوماسية أن تنجح في تحقيق نتيجة حتى مع نظام يعتبره الكثيرون من أكثر الأنظمة رداءة في العالم. لكن مما يؤسف له أن الأمر قد استلزم من إدارة جورج بوش ما يزيد عن ستة أعوام كي تدرك هذه الحقيقة وتدرك أهمية اللجوء للعمل الدبلوماسي. وخلال هذه المدة من التأجيل الذي لم يكن له أي داعٍ، تمكنت كوريا الشمالية من تطوير وإجراء اختبارات على سلاح نووي لم يوافق رئيسها "كيم يونج إيل" على تفكيكه حتى الآن، على رغم المحاولات العديدة التي بذلت لإقناعه بذلك خلال المفاوضات. ولو كنا قد اشتبكنا مع الكوريين الشماليين منذ البداية، بدلاً من تصنيفهم ضمن "محور الشر"، وبدلاً من الحديث عن تغيير نظامهم، فلربما كنا قد نجحنا في منعهم من التحول إلى قوة نووية. كان بإمكاننا، بل كان من الواجب علينا، التفاوض معهم على اتفاق بشروط أفضل وفي وقت قبل الآن.

وكما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تواً، فإن إيران عمدت مرة ثانية إلى تحدي إرادة المجتمع الدولي، ومضت قدماً في برنامجها النووي. وعلى رغم ذلك فإن إدارة بوش لا تزال مصممة على تكرار نفس الأخطاء التي ارتكبتها من قبل في التعامل مع كوريا الشمالية. فبدلاً من الاشتباك المباشر مع الإيرانيين حول برنامجهم النووي، نجد أن الرئيس بوش يرفض الحديث معهم، وعندما يوافق على ذلك الحديث فإنه يكون في صورة تهديد ووعيد أو في صورة تحريك لحاملات الطائرات إلى الخليج، وتوزيع اتهامات لا تسندها أدلة قوية ضد إيران، تتعلق بمساعدة المتمردين في العراق وتزويدهم بأسلحة لقتل الجنود الأميركيين هناك!

لكن هذه ليست استراتيجية للسلام، بل هي في الحقيقة استراتيجية لحرب لم يفوض الكونجرس بها. ويجب علينا ألا ننسى كذلك أن معظم حلفائنا -بل ومعظم الأميركيين- لا يصدقون رئيسنا الحالي، الذي كثيراً ما قام بتهويل خطر ما دون مسوِّغ حقيقي.

إن قعقعة السلاح ليست الطريقة الجيدة التي يمكن بها لأميركا أن تقنع الإيرانيين بالتعاون... ولكنها من دون شك طريقة جيدة لبدء الحرب. وهذه الحرب لو اندلعت فستكون كارثة ليس فقط للشرق الأوسط، ولكن أيضاً للولايات المتحدة وللعالم بأسره. كما ستقضي على ما تبقى للولايات المتحدة من مصداقية في المجتمع الدولي.

والنهج الأفضل من ذلك هو أن تتفاوض الولايات المتحدة مباشرة مع الإيرانيين، وأن تقود هجمة دبلوماسية عالمية لمنعهم من تصنيع أسلحة نووية، فنحن بحاجة إلى مباحثات بناءة ومباشرة، ليس فقط مع إيران ولكن أيضاً مع حلفائنا، وخصوصاً روسيا، وذلك لإقناعهم بمساعدتنا في تقديم حزمة موثوق بها من الجزْر والعصيّ لإيران.

لم يحدث من قبل أن تم إرغام دولة على التخلي عن سلاحها النووي، لكن الذي حدث هو أن هناك الكثير من الدول اختارت أن تفعل ذلك من تلقاء نفسها. فالإيرانيون لن ينهوا برنامجهم النووي لأننا نهددهم ونشتمهم ونصنفهم ضمن "محور الشر"، ولكنهم سيفعلون ذلك إذا ما أقنعناهم بأنهم لو تخلوا عنه فسيكونون أكثر أمناً ورخاءً مما لو تمسكوا به. بيد أن تحقيق هذا الإنجاز سيتطلب منا ما هو أكثر من التهديدات والإهانات، إنه سيتطلب منا قيادة دبلوماسية أميركية بارعة.

والدبلوماسية ليس معناها الحديث مع الآخرين، وإنما تعني أكثر من ذلك؛ أن يكون الحديث واضحاً وصارماً، ومن موقع قوة. وبحكم خلفيتي كسفير سابق للولايات المتحدة في المنظمة الدولية، وكوزير للطاقة وعضو في الكونجرس ومبعوث دبلوماسي -قبل أن أشغل موقعي الحالي كحاكم لولاية نيو مكسيكو- فإنني كنتُ أعمل دائماً من أجل مفاوضات فعالة وموثوق بها ومباشرة مع الخصوم.

ولكي يكون موقفك صلباً في المفاوضات، فأنت تحتاج إلى تحالفات قوية، وإلى قوة عسكرية تدعم موقفك... ولكي تكون طرفاً موثوقاً به وذا مصداقية، فلابد أن يكون وراءك تاريخ كامل من الوعود التي وفيت بها ولم تتراجع عنها. هذا ما تحتاج إليه أي دولة، إذا ما أرادت إجراء مباحثات دبلوماسية جيدة... أما ما تقوم به إدارة بوش من لجوء إلى إقصاء الخصوم، وتوجيه التهديدات الفارغة، وتبني موقف عدائي ضد الجميع دون استثناء... فلن يؤدي سوى إلى تقويض نفوذها وإضعاف قوة تأثيرها الدبلوماسي الذي كان يجب أن تعمل من أجل تقويته.

نحن بحاجة إلى تغيير مسارنا وإلى تبني مسار جديد. وعلى رغم أنه ليس هناك من شك في أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً للعالم، فإن الذي لم تنتبه إليه إدارة بوش هو أن هذا التهديد يتيح أمامها في الوقت نفسه فرصة للبدء في إعادة بناء مصداقية أميركا وقيادتها مجدداً... وهي المصداقية والقيادة اللتين ضعُفَتا بسبب عدم الكفاءة التي اتسم بها عمل أميركا خلال الأعوام الستة الماضية.

إن زمننا الحالي ليس زمن التباهي بإظهار القوة أو إطلاق صيحات الحرب واللجوء إلى سياسات حافة الهاوية... وإنما هو زمن بناء التحالفات، والاشتباك المباشر، والمفاوضات التي تتم وجهاً لوجه.

ولذا يجب على الولايات المتحدة، والحال هكذا، أن تعرف أن قيامها بمهاجمة إيران عسكرياً، دون استنفاد جميع الخيارات الدبلوماسية المطروحة أمامها سيمثل خطأ فادحاً جداً.

*حاكم ولاية نيومكسيكو وأحد المرشحين المحتملين لخوض انتخابات الرئاسة القادمة عن "الحزب الديمقراطي" .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -25-2-2007