القوى والأحزاب في البيئة السياسية العراقية الجديدة

 

 

 

د. هيثم كريم 

 

شهدت الساحة السياسية العراقية ومنذ نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921، تحولات سياسية تمثلت في تحوله من النظام الملكي الى الجمهوري ثم اتحادي فيدرالي الذي اقر هذا العام 2005، وقد توالت الاحداث تعاقبا في مسألة التنظيم الحزبي في العراق اذ في النظام الملكي نلاحظ بان هناك اجراءات صارمة في الممارسة السياسية فضلا عن محدوديتها واستمرت حتى عام 1958، وبعد هذا العام الذي وضع نهاية العهد الملكي نلاحظ انتعاش في مسألة التنظيم الحزبي في العراق واستمر طيلة الفترة الممتدة 1959 -1968، حيث بدأت بوادر مرحلة جديدة تقوم على قمع التنظيمات الحزبية وساد في العراق ما يسمى بسياسة (الحزب الواحد) ويمكن اعتبار عام 2003، نهاية تلك المرحلة لتعود مرة اخرى البيئة السياسية العراقية تشهد عودة التنظيمات الحزبية وليكون لها دور كبير في الممارسة السياسية في العراق وهذا ما نشهده الان على الساحة السياسية العراقية من وجود عدد كبير جدا من الاحزاب والقوى والتكتلات السياسية بشكل لم يشهده العراق من قبل وهذا دليل على الانفتاح السياسي والادراك الواعي والعميق لمتطلبات المرحلة الراهنة ولاهمية العمل الحزبي في العراق.

ومن اجل اعطاء صورة واضحة عن اهمية العمل الحزبي في العراق سوف نقسم الدراسة على الاتي:

 الحزب ...دراسة في المفهوم :

 هناك عدد من التعاريف لمفهوم الحزب في الادبيات السياسية الا اننا سوف نقتصر على البعض منها، وقد تعدد الكتاب والباحثون في تناول قضية المفهوم وقد اجمعوا على انه تنظيم يسعى الى وضع ممثليها المعلنين في موقع الحكم، وعرف ايضا بانه جماعة  سياسية تتقدم للانتخابات وتكون قادرة على ان  تقدم من خلال الانتخابات مرشحين للمناصب العامة، وهناك من ذهب ايضا الى تعريفها بانه جماعة منظمة تؤسس طبقا لاحكام قانون تعمل بموجب الوسائل السياسية والديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاجتماعية وذلك عن طريق المشاركة في مسؤوليات الحكم.

ومن كل تلك التعاريف يمكن ان نضع التعريف التالي للحزب (عدد من الافراد ذوي حنكة وخبرة سياسية تربطهم ايدولوجية فكرية واحدة وبرنامج عمل ذي اهداف متعددة يسعون للوصول الى مركز صنع القرار او المشاركة فيه بالطرق السلمية خدمة للصالح العام).

القوى والاحزاب في البيئة السياسية العراقية الجديدة

تنطوي البيئة السياسية العراقية الجديدة على عدد كبير من القوى والاحزاب السياسية وهذا جاء نتيجة لعملية الانفتاح السياسي الداخلي في العراق على اثر تغير النظام السياسي في العراق عام 2003 اذ ان النظام السابق قد فرض حظراً على اي نشاط سياسي او حزبي في العراق وكان يرفض مبدأ التعددية السياسية والحزبية تحت مبررات الامن الوطني وان البلد يمر بظروف استثنائية لا تسمح بتعددية حزبية (من وجهة نظر البعث)، وعليه فاننا في العراق لم نكن نفرق بين صدام وزبانيته وبين الحزب (حزب البعث) من جهة ثانية فصدام هو الحزب والحزب هو صدام رغم ان الحزب لم يكن يمتلك من مقومات الحزب الا الاسم، اذ افرغ من اي محتوى حزبي واصبح اداة لقمع الشعب وانه اصبح يمارس جميع السلطات وله اليد الطولى في كل شيء وهذا يعني انصهار الدولة والحزب في بوتقة واحدة وهذا قمة الدكتاتورية التي عاشها العراق لسنوات طوال.

الا انه وبعد التغيير الذي طال العراق بعد عام 2003 وهي المرحلة التي شهدت زوال البعث من ممارسة الحياة السياسية ظهرت لدينا قوى واحزاب وتيارات سياسية عدة تشكل في مجموعها الوان الطيف السياسي في العراق وهي ظاهرة صحية لاية دولة لانها تضمن التداول السلمي للسلطة مستقبلا في العراق وهذا الوضع حرمت منه العديد من الدول العربية في المرحلة الراهنة.

ويمكن تقسيم تلك القوى والاحزاب الفاعلة في الساحة السياسية في العراق على النحو الاتي:

 اولا: الاحزاب والقوى الدينية

ومن هذا نلاحظ بان البيئة السياسية في العراق تشهد حركة حزبية قوية لكي تعمل على التداول السلمي للسلطة وتتجنب حالة احتكار السلطة التي عانى من نيرها العراق لعقود عدة، ويمكن ان نؤشر حقيقة مهمة وهي ان تلك القوى والاحزاب تمثل عاملاً مهماً من عوامل ديمومة استقرار العملية السياسية واستمراريتها بشكل يحقق مصالح جميع الفئات المكونة للشعب العراقي.

اشكاليات العمل الحزبي في العراق

ان العمل الحزبي في العراق يواجه عدداً من الاشكاليات التي يمكن تاشيرها بالاتي:

1- بطء سير العملية الديمقراطية في العراق، اذ ما يزال العراق يمر بالمراحل الاولى للديمقراطية ونتيجة عدم توفر الفهم والادراك الحقيقي لمعنى الديمقراطية فضلا عن عدم تبلور مؤسسات الديمقراطية فهي لا تتحقق الا في ظل وجود مؤسسات ما تزال اطرها غير واضحة المعالم في العراق فعلى الرغم من ان الخطاب الديمقراطي هو السائد في الساحة العراقية الا ان العملية ما تزال دون المستوى المطلوب ، وبما ان العمل الحزبي هو احد مظاهر الديمقراطية فان الاول يكون نتيجة للثانية وبما ان الديمقراطية لم تكتمل بعد بشكلها النهائي في العراق فان ذلك يعد احد اشكاليات تفعيل العمل الحزبي في العراق فما زلنا ننظر الى الاحزاب الموجودة نظرة ضيقة تتسم بالطائفية والعرقية وليس على اساس انها ادة من ادوات تداول السلطة واساس المواطنة الحقة.

2- بيئة عدم الثقة في الساحة السياسية العراقية بل حتى على المستوى الشعبي فالمواطن العراقي ما يزال يرفض امكانية انضمامه الى حزب من الاحزاب الموجودة في الساحة العراقية وهذا في حد ذاته عامل كابح بوجه توسيع قاعدة الاحزاب الجماهرية.

3- الثقافة السابقة والنظرة السلبية الموروثة من قبل المرحلة السابقة التي مر بها العراق وسيادة مفاهيم القمع والاقصاء والتهميش من قبل حزب (البعث المنحل) وهذا خلق ثقافة رافضة لاي تنظيم حزبي من قبل المواطن العراقي

وهذه الثقافة تشكل احد اهم كوابح العملية السياسية في العراق وهذا بدوره يتطلب تنمية ثقافة حزبية جديدة تقوم على اسس العمل الحزبي الصحيح وكما معمول به في الدول المتقدمة.

4- الظروف الصعبة التي يمر بها العراق وشيوع ظاهرة عدم الاستقرار السياسي والامني وهذا ببي في العراق في ظل ظروف وضعه الراهن.

5- حداثة التجربة السياسية والحزبية  في العراق فقد عاش العراق والشعب العراقي لمدة طويلة في عزلة كبيرة عن العالم الخارجي وعزلة داخلية عن ممارسة العمل السياسي والحزبي بل اصبح المواطن العراقي يبتعد عن الاهتمام بالقضايا السياسية والحزبية لانه يريد البقاء حياً، وعليه لابد من اغناء التجربة العراقية في مجال العمل الحزبي والسياسي بصورة عامة بالتجارب المماثلة في مجالات العمل الحزبي والتنظيم السياسي والتعرف على قوانين الاحزاب السائدة في دول العالم وان تكون هناك دورات في هذا المجال.

6-عدم بلورة قانون (تنظيم الاحزاب في العراق) يعمل على تنظيم وصياغة العملية الحزبية بالشكل الذي يجعل منها عملية ذات فاعلية ودور في انجاح العملية السياسية في العراق  ويضع الاسس الصحيحة لممارسة العمل الحزبي في العراق.

ومن كل ذلك نقول بانه ومن اجل تحقيق ديمقراطية حقيقية في العراق لابد من التخلص من جميع المشاكل والقيود التي تحول دون تطور العمل الحزبي والسياسي في العراق وهنا اؤكد دور وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بان تأخذ دوراً كبيراً في عملية التوعية الحزبية وخلق وعي وادراك باهمية العمل الحزبي في العراق الجديد ومن اجل الغاء الثقافة الموروثة السلبية لفكرة الحزب وخلق مكون ثقافي حزبي جديد يتناسب ومتطلبات الوضع الراهن لضمان نجاح العملية السياسية في العراق.

المصدر: جريدة الصباح-30-12-2005