شركاء الصين لابد أن "ينتبهوا" فقد تطرأ على نظريتها الداعية إلى الاحترام المطلق للسيادة تغيرات عدة

 

 

أورفيل شيل

 

أمـمـيــــة بكـــين الجـــديـــدة

بدت جولة هوو جينتاو الأخيرة في أفريقيا، على أكثر من صعيد، تسييرا طبيعيا للأعمال بالنسبة إلى بكين. وقد زار الرئيس الصيني ثمانية بلدان في غضون أسبوع موقّعا عقودا تجارية ومعفيا دولا من الديون وممددا مدة تسديد قروض وضامنا الحقوق بالموارد الطبيعية. فطوال سنوات، توددت الصين إلى شركاء اقتصاديين جدد وحاولت النفاذ إلى النفط ومواد خام أخرى حول العالم، وبدا أن هذا النموذج ملائم للأعمال فقد ارتفعت قيمة التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا من 10.6 بليون دولار عام 2000 إلى 40 بليون دولار السنة الماضية. (وعلى سبيل المقارنة، تصل قيمة التبادل التجاري حاليا بين الولايات المتحدة والصين إلى نحو 60.6 بليون دولار). وسحرت مقاربة عدم التدخل المتبادلة في الشؤون الداخلية أنظمة الحكم المريبة. فلا شك أن الزعيم السوداني، عمر البشير، ابتهج لزيارة هوو الخاطفة إلى الخرطوم في 2 فبراير عندما منح الرئيس الصيني هذا الدكتاتور قرضا بلا فوائد بقيمة 13 مليون دولار لبناء قصر جديد وأعفاه من قرض بقيمة 70 مليون دولار. كما دعا هوو البلدان الأخرى "إلى احترام سيادة السودان" على الرغم من المجازر المرتكبة في دارفور.

لكن لا بد أن يتنبه شركاء الصين البغيضون: قد تبدأ بكين قريبا بتغيير خطابها. ومع ضلوع الصين المتزايدة القوة بشؤون السوق العالمية المعقدة وبالساحة السياسية، تتغير المعطيات من حولها لذلك قد تطرأ على نظرية الصين القائلة بالاحترام المطلق للسيادة عدة تغيرات.

أما العامل الرئيسي لهذا التغير فالاحترام: وهو الأمر الذي تتوق له الصين أكثر من أي شيء آخر. والاحترام في العالم العصري لا يأتي فقط من المساعدات أو التجارة الدولية. بل ينبع أيضا من تقييم استعداد بلد ما للتخلي عن بعض صلاحياته السيادية حتى يصبح مواطنا عالميا أفضل.

وفي أوج السياسة التعاونية الزراعية المحمومة التي أطلقها ماو تسي تونغ في الخمسينات من القرن الماضي، قال القائد العظيم إنه قادر على رؤية تفتح "البراعم الخضراء" للشيوعية. اليوم تبدأ "براعم خضراء" لتحول مختلف كليا في النمو. فالصين تتخلى عن التفسير الضيق للسيادة وتعتمد أممية جديدة تقوم على قدر أكبر من المشاركة.

انظر على سبيل المثال إلى سلوك الصين بعد التجارب التي أجرتها كوريا الشمالية لسلاح نووي في أكتوبر الماضي. فقد دانت بكين بسرعة التجارب ودعت إلى "خطوات عقابية" بحق بيونغ يانغ: وهذا دليل على أن الصين ربما فهمت أن حماية مصالحها القومية تقضي أحيانا بانتهاكات لسيادتها أو سيادة الآخرين.

وكذلك الأمر في الشرق الأوسط حيث بدأت الصين بلعب دور ناشط في معالجة النزاع العربي الإسرائيلي عبر المفاوضات مشيرة إلى أنها على استعداد لإعادة تحديد، ولو بحذر شديد، الطريقة التي تفهم بها الدبلوماسية.

ومن ثم هناك مسألة أفريقيا. فرغم تعليقات هوو غير المساعدة في الخرطوم بشأن الحاجة إلى احترام سيادة السودان، فإن الأحداث الدائرة هناك تدفعها ببطء نحو اعتماد مقاربة جديدة. وقد بدأ بعض القادة الأفارقة، وبينهم رئيس جنوب أفريقيا ثابو أمبيكي، بتحذير الصين من التحول إلى "مستعمر" جديد. وأرسلت هذه التصريحات، كما انضمام بعض الحكومات الأفريقية إلى الغرب في دعوته لاتخاذ خطوات في دارفور، إشارة واضحة إلى بكين تدل على أن تكتيكاتها القديمة لم تعد صالحة هناك. وأخذت الصين علما بذلك ولم تكتف بعدم التصويت في أغسطس ضد قرار في الأمم المتحدة بشأن تدبير دعا إلى قوة مشتركة جديدة بين الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية لحفظ السلام في دارفور بوسعها الحلول مكان قوة منظمة الوحدة الأفريقية الضعيفة وغير الفعالة، لكنها قامت أيضا عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة، وانغ غانغيا، بالمساعدة على نيل موافقة السودان. وخلال زيارة هوو للخرطوم، وبعد أن حذر بلدانا أخرى من التدخل في الشؤون السودانية، سارع إلى تذكير البشير بأن "دارفور جزء من السودان وينبغي لكم معالجة هذه القضية".

ولا تشير هذه التدابير بعد، إذا أخذت مجتمعة، إلى سياسة صينية جديدة بشكل جذري. لكنها تشكل علامات مشجعة لزيادة الثقة والنضج والحس بالمسؤولية في السلوك الصيني على الساحة الدولية. وقد يستفيد العالم من وجود بضع أمم "عظيمة" (عدا القوة العظمى الوحيدة) قادرة ومهتمة ليس فقط بالدفاع عن مصالحها الشخصية الضيقة بل أيضا بقيادة مجموعات من البلدان بشكل بناء لمعالجة تحديات العالم الصعبة. ولعل الصين لم تبلغ بعد هذه النقطة. لكن مع ازدياد قوتها وثرائها، تستطيع الصين، لا بل يجدر بها، أن تلعب دورا مماثلا وأن تصبح قائدا فعليا للمرة الأولى منذ عدة سنوات.

شيل هو المدير القادم للمركز الجديد للعلاقات الأمريكية والصينية في جمعية آسيا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: newsweek-20-2-2007