الصين والدول النامية... وخطر "المساعدات المارقة"

 

موازييه نعيم

 

لقد كان واضحاً أن صديقي تعرض لهزة قاسية عندما فقد أحد عملائه لصالح منافس صيني. "إنه لأمر مذهل، لقد استطاع الصينيون إخراجنا من السوق، ولم نعد قادرين على منافسة ما يقدمونه". بالطبع لا يوجد ما يثير الدهشة في هذا الكلام بعدما أصبح فقدان الوظائف المرتبطة بالمجال الصناعي لصالح الصينيين أمراً مألوفاً، لكنّ ما هو غير مألوف أن صديقي لا يعمل في المجال الصناعي، بل في المساعدات الخارجية. وتتمحور قصته حول شبكة السكك الحديدية في نيجيريا. فهذا البلد يتوفر على ثلاثة خطوط للسكك الحديدية، لكن إدارتها غارقة في الفساد وعدم الكفاءة ما جعلها على حافة الانهيار. لذا اقترح البنك الدولي، حيث يعمل صديقي، مشروعاً لإصلاح السكك الحديدية يقدم بموجبه قروضاً للحكومة النيجيرية، لكنه يشترط الإشراف على إنجاز المشروع بسبب الفساد المتفشي في دواليب الدولة هناك. وبعد أشهر من التفاوض اتفق البنك الدولي والحكومة النيجيرية على تنفيذ مشروع بقيمة 5 ملايين دولار يسمح لشركات خاصة بإصلاح قطاع السكك الحديدية في البلاد.

لكن في الوقت الذي أوشك الطرفان على توقيع الاتفاق منحت الحكومة الصينية نيجيريا 9 مليارات دولار لإعادة بناء مجمل شبكة السكك الحديدية دون مناقصة، أو شروط، ولا حتى الإشارة إلى الإصلاح. وهي اللحظة التي حزم فيها صديقي أمتعته وقفل عائداً إلى المطار. واللافت أن تلك ليست حالة منعزلة، حيث عمدت الأنظمة الغنية وغير الديمقراطية في السنوات الأخيرة إلى تعطيل السياسات التنموية من خلال برامج المساعدات الخاصة بها. وهي المساعدات التي يمكن أن ننعتها بأنها "مارقة" تأتي من مصادر غير ديمقراطية وتفتقد إلى الشفافية، والنتيجة دائماً تعطيل التقدم وإلحاق الأذى بالمواطنين. ومن تلك الدول التي تسير على ذلك النهج تبرز الصين بما تقدمه من مساعدات مالية سخية إلى البلدان الأفريقية من خلال تمويل شق الطرق وإقامة المحطات الكهربائية وبناء الموانئ، حيث ارتفعت نفقاتها في هذا الإطار من 700 مليون دولار عام 2003 إلى 3 مليارات دولار خلال السنتين الماضيتين.

والأمر لا يقتصر فقط على أفريقيا، بل يمتد أيضاً إلى مناطق عديدة من العالم بعدما وافقت الصين على تمويل شبكة كهربائية في إندونيسيا خلال فترة وجيزة لا تتعدى بضعة أشهر. والأسوأ من ذلك أن الصفقة تنص على إقامة محطات كهربائية تعتمد على تكنولوجيا صينية ملوثة للبيئة لم تكن لتقبل بها أية وكالة دولية مختصة في تقديم المساعدات للدول النامية.

وفي الفلبين حيث وافق "البنك الآسيوي للتنمية"، الذي يمنح قروضاً للدول الفقيرة بنسبة فائدة مخفضة، على تمويل مشروع مد قناة مائية، ولكن الحكومة الفلبينية أخبرته لاحقاً بأنها لم تعد بحاجة إلى التمويل، لأن الصين منحتها قرضاً بفائدة أقل، ودون أسئلة. فما الذي يقف وراء هذا الحماس الصيني لتقديم المساعدات لدول العالم؟ تتلخص الإجابة في أمور ثلاثة: وفرة المال، والسياسة الدولية، والرغبة في الوصول إلى المواد الأولية. فبالبنك المركزي الصيني يتوفر على أكبر احتياطي من العملات الأجنبية في العالم يصل إلى 1.06 تريليون دولار. لذا لا تتردد بكين في توظيف هذا المخزون المالي الهائل لضمان الحصول على المواد الأولية، ولدعم أجندتها على الساحة الدولية. فأي شيء أفضل من المال لتأمين علاقات جيدة مع بلد غني بثروته النفطية مثل نيجيريا، أو بلد يزخر بالمعادن النفيسة مثل إندونيسيا؟

بيد أن الصين ليست الوحيدة التي وظفت المساعدات الخارجية لتعزيز مصالحها في العالم، فقد سبقها إلى ذلك الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة من خلال عقود من تقديم المساعدات للأنظمة الديكتاتورية مقابل تأمين ولائها لصالح معسكر على حساب الآخر. وإلى غاية اللحظة مازالت الولايات المتحدة تقدم مساعدات لمصر وباكستان على أساس جيوسياسي. لكن ومع بداية سنوات التسعينيات، شهدت محددات منح المساعدات الخارجية بعض التحسن النوعي الطفيف، حيث دفعت وسائل الإعلام البلدان المتقدمة إلى وقف ممارساتها سيئة السمعة. كما أن المشاريع التي تسهر على إنجازها منظمات التمويل العالمية مثل "البنك الدولي" باتت تخضع لرقابة لصيقة من قبل جماعات المراقبة. ورغم أن نظام المراقبة مازال ينطوي على بعض أوجه القصور، فإن المساعدات الأجنبية أصبحت أكثر شفافية من السابق حينما كانت تُوظف لمساعدة أنظمة الحكم الديكتاتورية على البقاء في السلطة.

وليست الصين أيضاً الوحيدة التي تقدم مساعدات "مارقة"، إذ لم يتردد الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز في استخدام الريع النفطي لتجنيد الحلفاء في الخارج. وقد عبر عن هذا الواقع السفير الفنزويلي لدى نيكاراجوا، حيث أعلن صراحة أن الهدف من تقديم مساعدات مالية كبيرة لذلك البلد هو "إصابة نيكاراجوا بعدوى النموذج الفنزويلي". أمام المساعدات التي يقدمها هوجو شافيز لكوبا فهي تفوق بكثير ما كانت تحصل عليه الجزيرة الصغيرة من الاتحاد السوفييتي في أوج قوة المعسكر الشيوعي. وهو الأمر الذي قضى على تطلعات الشعب الكوبي في الانفتاح على العالم التي راودته بعد اقتراب بلاده من حافة الإفلاس. وبسبب تدخل شافيز في الشؤون الكوبية وإصراره على تقديم المساعدات يتحتم على الشعب الكوبي الآن الانتظار لفترة أطول قبل البدء في إنجاز الإصلاحات الضرورية للخروج من الأزمة وللتصالح أخيراً مع العالم. والأمر نفسه ينطبق أيضاً على المساعدات التي تقدمها إيران لحركة "حماس" في الأراضي الفلسطينية، أو لـ"حزب الله" في لبنان، إذ في الوقت الذي يؤدي فيه ذلك إلى تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة، فإنه يضر بشعوب المنطقة بنفس الدرجة التي يضر بها هوجو شافيز بشعوب أميركا اللاتينية.

*رئيس تحرير مجلة "فورين أفيرز"

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر الذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-المرسل:علي-18-2-200