الهجوم العسكري الأمريكي على إيران، بين الفرضية والواقع

 

 

د. محمد مسلم الحسيني

 

وفيما لو حصل نزاع عربي - إيراني في المنطقة، سيكون الخاسر الأكبر فيه هم الإيرانيون. لأن نزاعا كهذا سوف يجمع الأمريكيين والأوربيين في بوتقة واحدة، وستطيب النفوس أمام النزاع الجديد بعد أن تكدرت بسبب النزاع القديم!. فهل سيدرك الإيرانيون حساسية الموقف وخطورته، ويتعاملون مع الحدث ومتطلباته بواقعية وحنكة وذكاء وفطنة؟، أم سيكون ذلك بعد فوات الأوان، كما حصل لجارتهم من قبل.

منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران والى يومنا هذا ولعبة القط والفأر بين أمريكا وإيران لم تتوقف بعد!. اللعبة طويلة وشاقة ومضنية بل ودموية في بعض الأحيان، إلاّ أن القط لم يستطع ابتلاع الفأر والقضاء عليه نهائيا!. وبقي يتربص به وينتظر الفرصة الذهبية الملائمة للانقضاض عليه!.

وهكذا جاءت الفرصة المنتظرة بعد أحداث 11 أيلول 2001م وبزوغ إشعاعات المشروع الأمريكي الجديد، والذي سميّ بـ"مشروع الشرق الأوسط الكبير". فكان العراق المحطة الأولى في المشروع وربما تكون إيران المحطة الثانية، حيث اعتقد الأمريكيون بأن نجاح التجربة في العراق سوف يشجع قوى المعارضة الداخلية في إيران على التحرك السياسي والعسكري، والذي سيتم بمساعدة تقنية واسعة من قبل الجار الجديد المرابط على الحدود!

إلا أنه "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"!. فقد أخفق الأمريكيون في إنجاح خطوتهم الأولى في العراق، وتوقفت مراحل مشروعهم الكبير، الذي ابتدأ يلملم حقائب الفشل والخيبة ليعود من حيث أتى!. وهكذا فقد بقي الأمريكيون حيارى أمام الوضع غير المحسوب في مخططاتهم واستراتيجياتهم. وبقيت الأمور معلقة ورهينة بيد الأحداث والمستجدات على الساحة. وظل المحلل السياسي محتاراً في رأيه وتصوره لما ستؤول إليه الحالة وما الذي سيصنعه الأمريكيون وكيف سيتصرفون إزاء إيران، التي لا تزال مصممة على المضي قدما في برنامجها النووي.

من الثوابت المتفق عليها، هو أن ما سيحصل في الموقف الأمريكي تجاه إيران مستقبلاً سيكون معتمداً إلى حد ما على الوضع الأمريكي في الساحة العراقية. كما سيبقى الانقضاض على إيران هدفا أمريكيا إن لم يتحقق في فصول مشروع الشرق الأوسط الكبير، فسيتحقق في مشروع مكافحة انتشار السلاح النووي، أو عبر أية حجة أو مشروع آخر لم يظهر أسمه بعد، فقد تعددت الأسباب والهجوم على إيران واحد!

المتتبع للأحداث اليوم، يرصد تحركات أمريكية واضحة وملفته للنظر ومنصبة على الشأن الإيراني، ومنها:

1- التصريحات المتوالية لكبار المسئولين الأمريكيين، ابتداء بما قاله السيد بوش ونائبه السيد تشيني وغيرهم من مسئولي الإدارة الأمريكية، والمنصبة على أن إيران تلعب دورا هاما في زعزعة الوضع الأمني في العراق، وعلى الأمريكيين إيقاف ذلك.

2- التحرشات الأمريكية في إيران من خلال اعتقال بعض الرعايا الإيرانيين وبعض دبلوماسييها في العراق بحجة انتمائهم إلى فصائل إيرانية مسلحة.

3- التهديدات التي أطلقها السيد بوش على بعض العراقيين، الذين تربطهم علاقات ولاء وصداقة مع إيران، بالقتل أو الحبس لانتماءاتهم غير الشرعية ولكونهم عملاء إيرانيين!

4- الرحلات المكوكية والمحادثات السياسية التي أجرتها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية مع كبار المسئولين في كل من الأردن ومصر والسعودية، والتي كانت منصبة على الخطر الإيراني في المنطقة.

5- التصريحات الهادفة لكبار المسئولين في تلك الدول، التي كان له لون سياسي وطعم تحريضي ورائحة طائفية، والمتمثلة بتحذيرات ملك الأردن من خطر منطقة "الهلال الشيعي"، وتصريحات السعوديين بحماية "سنة" العراق لو تدخلت إيران في الشأن العراقي، وكذلك تصريحات الرئيس حسني مبارك بعدم وقوف مصر مكتوفة الأيدي أمام "التهديد النووي الإيراني".

6- إرسال حاملة طائرات نووية ثانية (يو أس أس جون ستينيس) إلى منطقة الخليج، إضافة إلى حاملة الطائرات الموجودة أصلا في المنطقة، والتي تحمل أسم (دوايت إيزنهاور). بالإضافة إلى نشر أنظمة صواريخ باتريوت لمنع الصواريخ الإيرانية من الوصول إلى أهدافها. كل هذه التلميحات والتحركات تشير الى برنامج هجومي أمريكي مبيت ضد إيران!.

إلا أنه رغم قوة هذه الحجج والدلائل، قد يتساءل المحلل العسكري مستغربا: كيف تهاجم أمريكا إيران عسكريا والقوات العسكرية الأمريكية مرابطة في داخل المدن العراقية وخارجها!؟. إذ إن أي هجوم عسكري بريّ أمريكي كاسح على إيران، سيكون ضعيف الاحتمال من المنظور العسكري، وذلك للأسباب التالية:

1 ـ عدم قدرة القوات البرية الأمريكية على شن هجوم بري على إيران، انطلاقاً من العراق، وذلك لقلة عدد جنودها وضعف معنوياتهم، وانشغالهم الكامل بالهم العراقي الثقيل الذي يصعب تحمله واستيعابه.

2 ـ اندلاع أي نزاع عسكري أمريكي- إيراني، سيجعل الكثير من القوى الشيعية العراقية تتعاطف مع الجانب الإيراني وتساعده، مما يزيد حجم المقاومة ويوسع رقعتها ضد القوات الأمريكية المتعبة أصلا. وقد تسقط القوات الأمريكية في كماشة القوى العراقية المضادة من الداخل والقوات العسكرية الإيرانية المدافعة.

3 ـ فشل الأمريكيين في السيطرة الأمنية داخل العراق، جعلهم يدركون خطر إقحام قواتهم في مغامرات مباشرة لدى الغير، وهذا من شأنه أن يقوض فكرة الحروب المباشرة والاكتفاء بحرب النيابة أو الحرب بالوكالة، وذلك بدفع أطراف متبرعة في القيام بدور الشرطي وتنفيذ الأوامر، إلا أن وجود القوات الأمريكية داخل العراق لا يسمح بحصول حرب النيابة على إيران.

وهكذا، فإن بقاء القوات الأمريكية في العراق على ما يبدو هو صمام أمان ضد أي هجوم أمريكي عسكري بري أو حتى جوي متوقع على إيران، على عكس ما يتوقعه المحللون وما تصوره وسائل الإعلام، وكذلك عكس الرغبة الإيرانية الملحة في انسحاب القوات الأمريكية من العراق!

إن خروج الأمريكيين من العراق خروجا غير مبرمج أو انهزامي، يعني جعل العراق أرضا محروقة، وذلك من خلال اندلاع حروب أهلية داخلية طاحنة، لا تتدخل أمريكا لإطفاء نارها، إن لم تشجعها أو تغذيها. وقد ينجر إلى هذه الحروب الأهلية جيران العراق، وخصوصا العربية السعودية والأردن، وذلك بتشجيع ومساعدة تقنية وعسكرية أمريكية مباشرة وغير مباشرة، لجر إيران وضربها أو محاربتها.

سيكون هذا السيناريو بداية للنزاع العسكري الأمريكي الحقيقي والمتوقع مع إيران. وفيما لو حصل نزاع عربي - إيراني في المنطقة، سيكون الخاسر الأكبر فيه هم الإيرانيون. لأن نزاعا كهذا سوف يجمع الأمريكيين والأوربيين في بوتقة واحدة، وستطيب النفوس أمام النزاع الجديد بعد أن تكدرت بسبب النزاع القديم!.

وهكذا هو شأن دول العالم، وكل له حساباته وأجندته الخاصة. فهل سيدرك الإيرانيون حساسية الموقف وخطورته، ويتعاملون مع الحدث ومتطلباته بواقعية وحنكة وذكاء وفطنة؟، أم سيكون ذلك بعد فوات الأوان، كما حصل لجارتهم من قبل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: مجله المثقف-6-2-2007