هل إيران هي التالية؟

 

يوشكا فيشر

 

السياسة قد تكرر أخطاءها

تجهيز الرأي العام الأمريكي لحرب ضد إيران ستكون محصلته كارثة تامة بكل المقاييس

هل من الممكن أن تتعلم السياسة من التاريخ؟ أما أنها خاضعة لدافع قسري مهلك يحملها دوماً علي تكرار نفس الأخطاء، علي الرغم من دروس الماضي الرهيبة؟ لقد كانت إستراتيجية الرئيس بوش الجديدة في العراق سبباً في طرح هذا السؤال الفلسفي التاريخي الأزلي من جديد.لقد شرع بوش، في الظاهر، في تبني استراتيجية سياسية عسكرية جديدة في التعامل مع العراق الذي مزقته الحرب. ونستطيع أن نلخص خطة عمل بوش الجديدة تحت ثلاثة عناوين رئيسية: المزيد من القوات الأمريكية، ومنح العراقيين المزيد من المسئوليات، والمزيد من تدريب الولايات المتحدة للقوات العراقية.إذا ما طبقنا هذه الخطة الجديدة علي العراق وحده، فلسوف تلفت أنظارنا علي الفور إلي أمرين ظاهرين: الأول أن الخطة تتجاهل كافة المقترحات الواردة في تقرير بيكر-هاميلتون، والثاني أن الخطة في حد ذاتها تبالغ في التبسيط في مواجهة الفوضي السائدة في العراق. فعلي ضوء فشل كافة الإستراتيجيات الجديدة السابقة الرامية إلي تحقيق الاستقرار في العراق، لن نجد أية دلائل تشير إلي أن أحدث الإستراتيجيات الجديدة سوف تصادف حظاً أوفر من سابقاتها، علي الرغم من القوات الإضافية التي يبلغ قوامها 21 ألفاً من جنود الولايات المتحدة.إن المثير للاهتمام والجديد حقاً في الخطة التي أعلنت عنها إدارة الولايات المتحدة مؤخراً هو الأسلوب الذي تتجاوز به العراق، فتمتد إلي التعامل مع إيران، وسوريا، ودول الخليج. ففي هذا السياق سوف نري أن إدارة بوش قد أعلنت عن قرارات غير متوقعة وجديدة حقاً: تحرك حاملة طائرات أمريكية إضافية إلي الخليج العربي؛ وإنشاء بطاريات صواريخ باتريوت المضادة للطائرات في دول الخليج؛ والواحد والعشرون ألف جندي الذين يتجاوز عددهم ما كان الجنرالات الأمريكيون يطالبون به من زيادة في أعداد القوات للتعامل مع العراق. وعلي هذا فإن المرء لا يملك إلا أن يتساءل عن الغرض من هذا الشحن العسكري. إني أكاد أتصور أن صدام حسين ما زال حياً وما زال ممسكاً بزمام السلطة، وأنه لابد من الإعداد للإطاحة به من جديد.إن المفاجأة الحقيقية في خطة بوش الجديدة تتلخص في تحول التركيز السياسي من العراق إلي جارتيه المباشرتين. ذلك أن بوش يتهم سوريا وإيران بالتدخل في العراق، وتهديد سيادته الإقليمية، وتعريض القوات الأمريكية للخطر، وبصورة أكثر عموماً، السعي إلي إضعاف حلفاء أمريكا في المنطقة. وإذا ما أضفنا إلي هذا إلقاء القبض علي دبلوماسيين إيرانيين بواسطة قوات تابعة للولايات المتحدة في مدينة أربيل في شمال العراق، بأوامر من الرئيس بوش، فلسوف تبرز أمامنا صورة جديدة تماماً لخطة الرئيس بوش: إن الإستراتيجية الجديدة لا تتجاهل النصائح الواردة في تقرير بيكر-هاملتون فحسب، بل إنها تعود من جديد إلي الإستراتيجية المخربة الفاشلة التي يتبناها المحافظون الجدد. لقد أصبحت إيران الآن تحت أنظار القوي العظمي في العالم، والحقيقة أن موقف الولايات المتحدة اليوم يذكرنا بالمرحلة التمهيدية التي سبقت شن الحرب علي العراق بكافة تفاصيلها.تُري إلي أين يقودنا كل هذا؟ ثمة احتمالان رئيسيان، أحدهما إيجابي والآخر سلبي. ومما يدعو للأسف أن الاحتمال الإيجابي يبدو الأقل ترجيحاً.إذا ما كان تهديد القوة تلك القوة التي تعبئها الولايات المتحدة بكل وضوح يهدف إلي تمهيد الأرض للدخول في مفاوضات جادة مع إيران، فلا ينبغي لأحد أن يعترض. أما إذا كان هذا التهديد، من ناحية أخري، يشكل محاولة لتجهيز الرأي العام الأمريكي لحرب ضد إيران، وعزم أكيد علي شن هذه الحرب حين تسنح الفرصة، فإن المحصلة سوف تكون كارثة تامة بكل المقاييس.من المؤسف أن هذا الخطر بات حقيقياً ومؤكداً. وبما أن إدارة بوش تنظر إلي برنامج إيران النووي وطموحها إلي فرض هيمنتها باعتبارهما التهديد الرئيسي في المنطقة، فقد بنت إستراتيجيتها الجديدة علي تحالف غير معلن مناهض لإيران، تم تشكيله حديثاً مع الدول العربية السُنّية  و إسرائيل. والبرنامج النووي يشكل العامل الديناميكي هنا، وذلك لأن الجدول الزمني للتحركات سوف يتحدد علي أساس تطورات هذا البرنامج.إلا أن شن غارات جوية علي إيران، وهو ما تعتبره أمريكا حلاً عسكرياً، لن يجعل العراق أكثر أمناً، بل إن النتيجة سوف تكون علي العكس من ذلك تماماً. ولن يتحقق الاستقرار الإقليمي، بل إن المنطقة بالكامل سوف تسقط في الهاوية. فضلاً عن ذلك فإن حلم تغيير النظام في طهران لن يتحقق، بل إن المعارضة الديمقراطية في إيران سوف تتكبد ثمناً باهظاً، كما سيكتسب نظام رجال الدين الحاكم في إيران المزيد من القوة.الحقيقة أن الخيارات السياسية القادرة علي تحقيق الاستقرار في العراق والمنطقة بالكامل، فضلاً عن ضمان تجميد البرنامج النووي الإيراني لمدة طويلة، لم تستنفد بعد. كما أن وضع البرنامج النووي الإيراني الحالي لا يدعو إلي العمل العسكري الفوري. بل إن التركيز لابد وأن يكون علي الجهود الدبلوماسية الرامية إلي فصل سوريا عن إيران وعزل نظام طهران. إلا أن هذا يستلزم أولاً أن تكون أمريكا علي استعداد للعودة إلي الدبلوماسية والتحدث مع كافة الأطراف المعنية. إن إيران تخشي العزلة الإقليمية والدولية. فضلاً عن ذلك فقد أكدت الانتخابات العامة التي أجريت في إيران مؤخراً أن المراهنة علي الدبلوماسية والتحول الإيراني من الداخل تشكل خياراً عملياً واقعياً. ما الداعي إذاً إلي التهديدات الحالية ضد إيران؟لقد كان الإخفاق التام متوقعاً في العراق منذ البداية، ولقد تنبأ بهذا الإخفاق بشكل واضح عدد كبير من شركاء وأصدقاء أمريكا في تحذيراتهم إلي إدارة بوش. وإن الخطأ الذي توشك الولايات المتحدة أن ترتكبه الآن لا يقل وضوحاً عن الأخطاء السابقة. فالحرب الباطلة لن تتحقق لها الشرعية بتمديدها وتوسيع نطاقها وهذا هو الدرس المستفاد من تجارب فيتنام، ولاوس، وكمبوديا.لقد كانت الإستراتيجية القائمة علي الإيديولوجية والرامية إلي تغيير النظام بالقوة العسكرية سبباً في انزلاق الولايات المتحدة إلي كارثة العراق. كان الدخول إلي العراق والإطاحة بصدام أمراً سهلاً، إلا أن أمريكا أصبحت متورطة هناك اليوم ولا تدري سبيلاً إلي كسب الحرب أو الخروج من العراق. ولا يمكن إصلاح الخطأ بتكراره مرة بعد الأخري. والإصرار علي الخطأ لا يصحح الخطأ؛ بل لن يؤدي إلا إلي تفاقمه. بعد تنفيذ الخطة الأمريكية الجديدة سوف نجد الإجابة في الشرق الأوسط من جديد علي السؤال القديم حول ما إذا كان بوسع السياسة أن تتعلم من التاريخ. وأياً كانت الإجابة فإن العواقب سواء كانت طيبة أو وخيمة سوف تكون بعيدة الأثر واسعة المدي.

*يوشكا فيشر - كان وزيراً لخارجية ألمانيا ونائباً لمستشارها في الفترة من 1998 إلي 2005. وهو أحد زعماء حزب الخضر منذ ما يقرب من العشرين عاماً، ويعمل حالياً أستاذاً زائراً بكلية وودرو ويلسون في جامعة برينستون.

و لك ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-12-2-2007