هيلاري والبناء على سياسات كلينتون

 

 

 

جوناثان تشيت

 

 

هناك أمر مزعج للغاية يطغى على الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأعتقد أني أعرف ما هو: إنه يتعلق بالتعديل الثاني والعشرين من الدستور الأميركي الذي يمنع الرئيس في الولايات المتحدة من ترشيح نفسه للانتخابات بعد قضائه الولاية الثانية في المكتب البيضاوي. ويرجع إدخال هذا التعديل على الدستور الأميركي إلى اقتراح تقدم به "الجمهوريون" في عهد الرئيس روزفيلت للحؤول دون بقائه في السلطة وقطع الطريق على ما اعتبروه وقتها ميولاً ديكتاتورية من الرئيس روزفلت. ورغم أن الهدف من إدخال التعديل الثاني والعشرين على الدستور الأميركي هو منع وصول الرؤساء إلى ولاية ثالثة وبالتالي التقليل من هيمنة الرئيس على الحياة السياسية الأميركية، فإن ذلك التعديل يؤدي في بعض الأحيان إلى إرباك السياسة الداخلية الأميركية، لا سيما خلال الحملات الانتخابية كما يجري هذه الأيام.

وللتدليل على ذلك ما عليكم سوى النظر إلى "الديمقراطيين"، وتحديداً إلى الحملة الانتخابية لـ"هيلاري كلينتون" بما هي امتداد للتصويت لزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون الذي لا يستطيع الترشيح لولاية ثالثة. ولست بصدد التشكيك في قدرة هيلاري ولا في ذكائها لتولي منصب الرئاسة، لكن أعتقد بأنه لو كان زوجها هو المرشح لما قدمت نفسها. فالناس يتفاعلون مع ترشحها للرئاسة على أساس تفاعلهم مع سياسات زوجها بالدرجة الأولى، بحيث تحظى بمساندة الذين يرغبون في عودة سياساته مجدداً، ويعارضها الذين لا يؤيدون سياساته خلال فترته الرئاسية. والواقع أن الحملات الانتخابية التي خاضها "الديمقراطيون" منذ رحيل بيل كلينتون لم تكن سوى استفتاء بالوكالة على سياساته. فخلال الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي في عام 2000 حظي المرشح "آل جور" بدعم أعضاء الحزب الموالين لكلينتون، بينما ساند منافسَه "بيل برادلي" "الديمقراطيون" المناوئون لسياسات كلينتون. فقد انكشف المشهد داخل الحزب "الديمقراطي" على جناحين متنافسين: "الديمقراطيون الليبراليون" الذين عارضوا تقتير كلينتون في الإنفاق على البرامج الاجتماعية، و"الديمقراطيون المحافظون" المستاؤون من عجز كلينتون في الحد من الإنفاق الحكومي.

وفي السياق نفسه حظي المرشح "هاورد دين" في الانتخابات الداخلية للحزب "الديمقراطي" لعام 2004 بدعم "الليبراليين الديمقراطيين" الذين عارضوا السياسة السابقة للرئيس كلينتون. وهكذا جاءت أجندته الحزبية التي ركزت على إجراءات محاربة الفقر بمثابة انتقاد ضمني لتركيز كلينتون على الطبقة الوسطى ومساندته لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية. أما المرشح "الديمقراطي" "باراك أوباما"، فقد نأى بنفسه عن مهاجمة السياسات التي اعتمدها كلينتون، ودعا إلى تجاوز مجمل النقاش السياسي الذي طبع سنوات التسعينيات. ويبدو أن الناخبين "الديمقراطيين" مطالبون اليوم باتخاذ قرارهم حول سياسات كلينتون، دون أن يطلب منهم ذلك بطريقة مباشرة. لكن ألا يجدر بنا التصويت على الشيء الحقيقي بدل التصويت على كلينتون بالوكالة؟ واللافت أن الأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة للحزب "الجمهوري"، بل هو أكثر مدعاة للإحباط. فالرئيس جورج بوش الذي يتأهب للخروج من البيت الأبيض وسط تدنٍ غير مسبوق في شعبيتة أمام الرأي العالم الأميركي مازال يحظى بتأييد "الجمهوريين"، حسب آخر استطلاع للرأي يكشف بأن ثلاثة أرباع أعضاء الحزب "الجمهوري" راضون عن أداء الرئيس بوش!

ولأن بوش لا يستطيع ترشيح نفسه لولاية ثالثة لا يهتم "الجمهوريون" بما إذا كان عليهم الالتفاف حول بوش، أو التخلي عنه. لذا يرسل المرشح عن الحزب "الجمهوري" "جون ماكين" بمؤشرات متباينة، إذ تارة يظهر وهو يعانق الرئيس بوش، وتارة أخرى يلوم سياساته في العراق، وإن كان لا يتمادى في ذلك. وأستطيع أن أجزم هنا بأن خطة "ماكين" ترتكز على إقناع "الجمهوريين" بأنه سيواصل نهج الرئيس بوش للحصول على تزكية الحزب، ثم الفوز بالرئاسة وبعدها يعلن انحرافه الجذري عن سياسات بوش السابقة. ولأني من أشد المعارضين للرئيس بوش فإني أعتقد بأنه يتعين الإشارة إلى سياساته الخاطئة ما دام موجوداً في البيت الأبيض بدل الانتظار لإسقاط من يمثلها في الانتخابات الرئاسية التي تحولت إلى انتخابات بالوكالة يتقاسمها بوش وكلينتون.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست" -4-2-2007