نِجاد بين تجاذبات الداخل وضغوط الخارج

 

 

 

درويش زاهدي

ميد ميماريان

 

 

أدى القرار الذي اتخذته إدارة بوش بتشديد الضغط على طهران من خلال ملاحقة عملائها داخل العراق، مقروناً بالعزلة الاقتصادية والدبلوماسية التي تعاني منها الجمهورية الإسلامية، إلى دفع "المحافظين" داخل إيران إلى الابتعاد أكثر فأكثر عن رئيسهم المتشدد محمود أحمدي نجاد.

وكان العديد من "المحافظين" البراجماتيين والتقليدين بما فيهم الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني، وأمين مجلس الأوصياء "آية الله أحمد جناتي"، قد وجهوا انتقادات للطريقة التي يدير بها أحمدي نجاد السياستين الاقتصادية والخارجية، وذلك قبل أن تقوم القوات الأميركية في العراق مؤخراً باحتجاز أعضاء من الحرس الثوري الإيراني والاستخبارات الإيرانية في مدينة "أربيل" في شمال العراق.

وهذا الحادث مقروناً بالعقوبات التي فرضها مجلس الأمن على إيران بسبب رفضها التخلي عن برنامجها النووي، دفع 50 برلمانياً -كما جاء في الأنباء- إلى التوقيع على رسالة تدعو أحمدي نجاد إلى المثول أمام البرلمان لشرح سياساته. وهناك أنباء أخرى تفيد بأن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية "علي خامنئي" قد أعطى البرلمان ضوءاً أخضر لانتقاد أداء الرئيس أحمدي نجاد. وهذه التطورات، إذا ما أضفنا إليها الأداء المتدهور للاقتصاد الإيراني، يمكن أن تدفع خصومه إلى السعي لاستبداله برئيس أقل تشدداً.

في إيران يمتلك الفرع التشريعي والمؤسسات الإشرافية مثل "مجلس الأوصياء" صلاحيات خاصة تخوله مراقبة سياسات البلاد للتأكد من أنها تتماشى مع الدستور وشرائع الإسلام ومصالح الجمهورية الإسلامية. وهذا الوضع يجعل الرئيس مسؤولاً أمام ناخبيه، ولكنه يحرمه في ذات الوقت من امتلاك الصلاحيات والسلطات التي تمكنه من الوفاء بالوعود التي يقطعها على نفسه أمام هؤلاء الناخبين، وهو ما اكتشفه الرئيس الإيراني السابق "الإصلاحي" محمد خاتمي وكان سبباً في استيائه.

وقبل الانتخابات البلدية التي جرت في ديسمبر الماضي وتعرض فيها حلفاء وأنصار أحمدي نجاد لهزيمة ساحقة، كان "المحافظون" الشباب (نسبياً) الذين يسيطرون على البرلمان الإيراني ومعهم "المحافظون" الأكثر تقليدية الذين يدينون بالطاعة والولاء لرجال الدين غير متأكدين من الشعبية التي يحظى بها أحمدي نجاد. ونتيجة لذلك فإنهم تساهلوا معه كثيراً حيث سمحوا له بمجال واسع من الحرية في إدارة السياستين الخارجية و الداخلية للبلاد. وعندما أجريت الانتخابات البلدية وخسر 90 في المئة من أنصار أحمدي نجاد المعركة، أدى ذلك إلى تشجيع المعارضين له وجعلهم أكثر جسارة في انتقاده.

وكان أحمدي نجاد قد انتخب عام 2005 على أجندة شعبوية تعهد فيها بمقاومة الفقر ومحاربة الفساد وبتوزيع أكثر عدلاً للثورة النفطية الإيرانية. وهو يُحسب على الفصيل الأكثر تشدداً من الناحية الدينية في إيران وهو الفصيل المعروف بـ"أتباع حزب الله". ويمكن توصيف هذا الفصيل بأنه فصيل يميني شعبوي ذو خلفيه أمنية وعسكرية، ينتمي أفراده للحرس الثوري ومليشيا "الباسيج" التابعة له. وكان الرئيس أحمدي نجاد حريصاً على استرضاء هذه القوى المتطرفة من خلال منحها عقوداً بمليارات الدولارات في مشاريع لإنشاء البنية التحتية لقطاع النفط والغاز في البلاد بالإضافة إلى مشاريع أخرى عديدة غيرها. كما أن جهده الأكثر لفتاً للأنظار هو محاولته الحثيثة لاستعادة الوجه أجواء الثورة الإيرانية وإعادة توجيهها نحو ما يعتبره جوهرها الأساسي وهو الانحياز للطبقات الشعبية ومناهضة الصهيونية.

وقد أدى هذا إلى إغضاب "المحافظين" البراجماتيين والتقليديين في البلاد الذين يرى الكثيرون منهم أن مؤتمر إنكار وجود المحرقة الذي عقد في طهران الشهر الماضي، وتهديدات أحمدي نجاد المستمرة بمحو إسرائيل من الخريطة، هما ما دفع الصين وروسيا للتصويت بالموافقة على العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي على إيران بسبب رفضها التخلي عن برنامجها النووي.

ويمثل الاقتصاد مشكلة عويصة لأحمدي نجاد حيث أدى قراره بضخ كميات ضخمة من عائدات النفط في شرايين الاقتصاد والانخراط في سياسة تقوم على الإنفاق بالعجز إلى زيادة معدلات التضخم، وتفاقم الصعوبات التي يعاني منها الإيرانيون الفقراء في تدبير أمورهم المعيشية خصوصاً بعد ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل اللحوم والدواجن والفواكه بنسبة 25 في المئة والإيجارات بنسبة 30 في المئة.

وفي بادرة غير مألوفة في الممارسة السياسية في إيران وجه "المحافظون" نقداً لأحمدي نجاد، يفوق النقد الذي وجهته له الولايات المتحدة عقب الإعلان عن اعتقال خمسة إيرانيين في مدينة أربيل العراقية. وينظر بعض المراقبين إلى الرد الإيراني المعتدل على قيام السلطات الأميركية في العراق بالقبض على هؤلاء الإيرانيين على أنه يمثل دليلاً على أن صوت أحمدي نجاد في صوغ السياسات الإيرانية قد بدأ يخفت. وهناك تطورات أخرى تساهم كلها في إضعاف نفوذه، منها رفض الرئيس بوش اتباع توصية "مجموعة دراسة العراق" بالسعي إلى الحصول على تعاون إيران في تحقيق الاستقرار داخل العراق، وهو ما سبب قلقاً للكثيرين في النخبة الحاكمة الإيرانية. والتطور الثاني هو نجاح الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لتجفيف مصادر التمويل لمشاريع تطوير قطاع النفط والغاز وغيره من القطاعات في إيران، والتي كانت طهران في مسيس الحاجة إليها. أما التطور الثالث فهو قبول دول مهمة مصدرة للنفط بتخفيض أسعار النفط والغاز من خلال زيادة الإنتاج وهو ما سيضيف المزيد من الضغوط على الاقتصاد الإيراني الذي يعتمد على عائدات النفط بشكل رئيسي.

ونظراً لتوجهاته الدينية فإنه ليس هناك من شك في أن أحمدي نجاد يدعو ربه من صميم قلبه ألا يجعل الولايات المتحدة تكتفي بعزلة إيران الدبلوماسية والاقتصادية، وتقدم على توجيه ضربات عسكرية ضد منشآتها النووية.

فهذا العمل قد لا يؤدي إلى إعادة الطموحات النووية الإيرانية إلى الوراء، ولكن الشيء المؤكد أنه سيمنح حياة متجددة لفصيل أحمدي نجاد المتشدد، وهو ما سيمكنه من تجميع الجماهير تحت رايته، وإجبار منتقديه من "المحافظين" على الانضواء في صفوفه والوقوف وراءه في معركته لسحق فلول المجتمع الإيراني الليبرالي وقواه الديمقراطية.

درويش زاهدي : مدرس بقسم الاقتصاد السياسي ودراسات السلام والصراع في جامعة كاليفورنيا- بيركلي

أوميد ميماريان : صحفي إيراني حاصل على جائزة منظمة "هيومان رايتس ووتش" التقديرية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبان في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"- 23-1-2007