مقالات و محاضرات

 

 

  

 

تركيا والعراق: خطوط حمر جديدة والتخلي عن سياسة التفرج!

 

 

 

د. محمد نور الدين

 

تبدو تركيا على أبواب مرحلة جديدة من سياستها الخارجية، ولاسيما في محيطها الإقليمي.

فمنذ احتلال العراق في مارس 2003، والبوصلة التركية اتّـجهت إلى الإتحاد الأوروبي، خيارا استراتيجيا يُـحفِّـزها إلى ذلك عاملان: الأول هو اتخاذ أنقرة مواقف غير مُـنسجمة مع الولايات المتحدة، فلم تبد مجرّد دُمية في يد واشنطن، كما كانت تظهر في السابق، وثانيا، وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، بما يحمِـله من توجّـهات جديدة انفتاحية في السياسة الخارجية.

تكبّـلت يدا تركيا في العراق بسبب وجود "الجار الأمريكي الجديد"، وتطورت الأوضاع هناك في اتجاهات لا تَـسُـر أحدا في الداخل التركي، لكنها كانت لا تزال في طور الاحتمالات غير المُـتبلورة بعدُ بأشكال نهائية.

وكانت تركيا تنقل هواجسها إلى واشنطن بشتّـى الطرق السِّـلمية، وفي مقدمتها إنهاء الوجود العسكري لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وعدم المُـضي في صيغ تُـتيح استقلالا كاملا لأكراد العراق.

في الأشهر الأخيرة من عام 2006، كان المأزق الأمريكي في فشله في اجتثات "الإرهاب" وإرساء الاستقرار والسلم في بلاد الرافدين، بدأ يتحوّل إلى خطر انفجار فِـتنة مذهبية وعرقية، هي في الأساس متفجرة بنسبة كبيرة، ولم يكن تشكيل لجنة بيكر – هاملتون سوى محاولة لتلمس مخرج من المأزق المذكور.

غير أن تزاحم التطورات في الأسابيع الأخيرة من عام 2006، بلغت حُـدودا خطيرة تنذر بانفجار واسع للحرب الأهلية، التي قد تفتح على تقسيم فعلي، ليُـسارع كل طرف محلي إلى نيل حصّـته من الجبنة العراقية المتعفنة أساسا.

اقتراب العراق من حوافي الخطر على دول الجوار، ولاسيما تركيا، كان باعثا لتلمس أنقرة سُـبل إبعاد الكأس المرّة عن شفتيها.

الإشارة الأولى للخيارات الجديدة، كان تصريح رجب طيب اردوغان، رئيس الحكومة التركية في نهاية العام المنصرم، من أن العراق تحوّل في هذه اللحظة إلى أولوية بالنسبة لتركيا، تتقدم على ملف الإتحاد الأوروبي. وكان هذا التصريح خطيرا، لأن رِهان العدالة والتنمية كان بالكامل على أوروبا.

الإشارة الثانية، جاءت بعد أيام قليلة على لسان رئيس الاستخبارات التركية ايمري تانير يوم 5 يناير الجاري، والذي حذّر فيها من استمرار سياسة التفرج تُـجاه ما يجري في المنطقة، ودعا تركيا إلى أن تكون شريكا مُـؤسسا في اللُّـعبة الإقليمية.

ولدى زيارته إلى بيروت في مطلع العام الجديد، نعى اردوغان عملية التنسيق مع واشنطن في شمال العراق بشأن حزب العمال الكردستاني، ما اعتبرته وسائل الإعلام التركية بأنه إشارة على احتمال قيام تركيا بعمليات عسكرية في شمال العراق للمرة الأولى منذ احتلال العراق، عِـلما أن بعض الصحف ذكّـرت بأن القوات التركية قامت فعلا بعمليات محدودة في شمال العراق في الصيف الماضي.

يوم الثلاثاء 9 يناير، كان اردوغان يطلق التحذيرات الأقوى، التي لم تتردد وسائل الإعلام التركية بنعتها بالخطوط الحمر الجديدة.

خطوط حمر جديدة قديمة

 حاذرت تركيا منذ سقوط خطوطها الحمر السابقة في العراق، أن ترسم خطوطا حمرا جديدة قبل اتِّـضاح التطورات. اليوم، لا يختلف اثنان في تركيا على أن هناك تحوّلا في التعاطي التركي مع المنطقة، ولاسيما في العراق.

تُـدرك أنقرة جيِّـدا خطورة أي انفلات كامل للحريق المذهبي والعرقي في العراق، إن هذا معناه شيء واحد: انفتاح الطريق أمام تقسيم العراق وقيام الدولة الكردية المستقلة، ولو بعد حين، وهذا هو مقتل الدولة التركية، التي محورت مواجهة مشكلة أكرادها وحماية أمنها القومي على منع قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق، من دون أية معالجات جدّية على الصعيد الداخلي التركي.

أعاد اردوغان في خطابه أمام نواب حزبه رسم الخطوط الحمر الجديدة لتركيا:

- حماية الوحدة السياسية والجغرافية للعراق.

- تصحيح الخلل في التوازنات بين المجموعات العراقية.

- حماية الإشراف الحصري للحكومة المركزية على ثروات النفط والمصادر الطبيعية الأخرى.

- إشراف الحكومة الحصري على المداخل الحدودية للعراق.

- تشذيب الدستور العراقي من أية عناصر تقسيمية.

- حل قضية كركوك بالتفاهم بين سكانها.

- حماية حقوق التركمان وضمانها دستوريا.

- إنهاء تواجد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

هذه بعض من خطوط تركيا الحُـمر الجديدة، وهي في الواقع تجديد للخطوط القديمة في ضوء المستجدات، وتستهدف أساسا الواقع الكردي. الفارق الأساسي أن تركيا تبدو كما لو أنها تخلت عن حذَرها في التعامل مع واشنطن، ورفعت الصوت عاليا، ولم تخطئ تركيا في تحديد الجهة التي تخاطبها، إنها واشنطن المُـمسكة بتلابيب الحكومة العراقية وبمصير الأكراد في الشمال.

طاحونة المزايدات التركية

لا يجب هنا أن نغفل أن تركيا تتحسّـس التجاهل الأمريكي لدورها ولمصالحها في العراق. فلا حزب العمال الكردستاني قد ضُـرب، ولا منعت واشنطن الأكراد من تغيير ديموغرافية كركوك ولا من تبلور كِـيان كردي في الشمال، كما عملت واشنطن على تأجيج النزعات المذهبية والعرقية، وفي كل ذلك تأثيرات سلبية كبيرة على تركيا الهشّـة البِـنية، عرقيا ومذهبيا.

ولعل ما يُـضاعف من المخاوف التركية من المرحلة المقبلة، أن جهود إدارة بوش لتشكيل تحالفات بين الدول "المعتدلة" ضد إيران وسوريا و"الهلال الشيعي"، تستثني تركيا بجميع قواها، وهو ما دفع بوزير الخارجية عبد الله غول إلى طلب زيارة واشنطن في شهر فبراير المقبل، مع احتمالٍ غير مؤكّـد بعد، لزيارة مماثلة لرئيس الأركان التركي ياشار بويوك أنيت.

سياسة تركية جديدة تُـجاه المنطقة، والعراق تحديدا، عنوانها "عدم التفرج"، لكن السؤال المُـهم، هو عمّـا إذا كانت أنقرة تملِـك الوسائل الفعلية لانتهاج سياسة مبادرة فاعلة، لا تستبعد الخيارات العسكرية في ظل الوجود الأمريكي في شمال العراق.

 إن رفع الشعارات الكبيرة من دون امتلاك القُـدرة على التدخل المباشر، يُدخلها في طاحونة المزايدات التركية الداخلية في سنة الانتخابات النيابية، فضلا عن الاستحقاق الرئاسي. ففي أية طاحونة تقع الخطوط الحُـمر الجديدة لأنقرة؟ هذا ما سيتّـضح في عام الامتحان وعام المصير، كما وصف اردوغان بنفسه عام 2007.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: سويس انفو-13-1-2006