بلير...هل هو مفكر؟

 

 

ديفيد أغناتيوس

 

 

يمتلك بلير مواهب سياسية رائعة كانت ستساعده على أن يكون رئيس حكومة عظيما، وواحدا من أكثر القادة السياسيين تميزا في عصره. وهذا ما يجعل حكايته حزينة جدا: هذا السياسي الموهوب جدا، ابتلعه العراق. وبدعمه للرئيس الأميركي، استمر في التفكير بطريقة خاطئة، اعتقد معها أن بوسعها أن تثني بوش عن الوقوع في الخطأ.

بمراقبة الخطاب الوداعي، الذي ألقاه بلير في ندوة الاقتصاد الدولي بدافوس في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وجدت أنه قدم خطابا رؤيويا حول قيم الاعتماد المتبادل على المستوى العالمي، وكم سيكون ذلك ضروريا بالنسبة للقرن الواحد والعشرين من أجل بقاء العالم. وكان الخطاب بالنسبة لي إعلانا عن الاستقلال عن الرئيس بوش، الذي أخذ الكثير من بلير ولم يعطه مقابل ذلك سوى القليل جدا.

من حيث سمعة بلير، لن يساعد إعلانه العالمي على تحسين صورته، لأنه جاء متأخرا جدا. وحينما يغادر منصبه كرئيس وزراء، ربما في هذا الصيف، فإن تركته ستختصر بكلمة واحدة: العراق. لكن قد يجد بعض المرشحين الديمقراطيين للرئاسة، الذين تنقصهم الأفكار، أن من المجدي الإلتفات إلى ما قاله بلير في دافوس.

حاول بلير أن يعالج الفصل المهم في العالم الحديث ما بين الاقتصاد العالمي، الذي راح يندمج ببعضه البعض، والنظام السياسي العالمي، الذي أصبح في حالة تفكك وعجز مستمرين. وهو تناول جوهر هذه المشكلة للإدارة العالمية والمتمثل بهذا السؤال: كيف يمكن إصلاح المؤسسات، بحيث تتمكن من مواجهة الأكثر أهمية في القرن الواحد والعشرين، مثل تغير المناخ والفقر في أفريقيا والنزاعات في الشرق الأوسط؟

اقترح رئيس الوزراء البريطاني حلولا محددة تبتعد عن السياسة الأميركية الحالية. فلتقوية مجلس الأمن الدولي، اقترح إضافة ألمانيا واليابان والبرازيل والهند، وربما بلد مسلم أو أفريقي من خلال «آلية بناء الجسور» وهذا سيوفر وضعا شبه دائم لا يتطلب فرض الفيتو. ولجعل الأمم المتحدة أكثر فعالية، حث على تعزيز وكالاتها المختلفة، بحيث تتمكن من التحدث بصوت واحد في كل بلد. واقترح دمج صندوق النقد الدولي مع البنك الدولي، وتحسين فعاليتهما. وحث على توسيع «مجموعة الثماني» لتضم دولا أخرى، مثل تلك التي برزت اقتصاديا بقوة حاليا: الهند والصين.

وقال بلير: «نحن بحاجة إلى التعددية التي تكون قوية»، فالعالم لا تنقصه الإرادة الطيبة، بل غياب آليات فعالة لتطبيق الأهداف التي يوافق عليها الجميع. وذكّر بالإبادة الواقعة في دارفور، التي وصفها بأنها «فضيحة؛ لا مشكلة، إنها فضيحة». كذلك حاجج لصالح اتفاقية ملزمة جديدة حول الاحتباس الحراري على مستوى الأرض لإحلالها محل اتفاقية كيوتو، وحث العالم على الوصول إلى الهدف، الذي حددته بريطانيا لنفسها، بتخفيض الكربون بنسبة 60% قبل انتهاء عام 2005. وفي كل هذه الأمور بدا أنه زعيم يحتاج العالم بشدة إلى أمثاله.

إنه أمر غريب أن يصبح شخص مثل بلير، يؤمن بعمق بالتعددية، مدافعا عن الأجندة الأحادية الخاصة بإدارة بوش في التاريخ المعاصر. يقول أنصار بلير إنه لم يجد بديلا بعد 11 سبتمبر 2001 سوى الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة. وفي كل خطوة هبوط داخل العراق، كانت شكوكه – مثل مطالبته بقرار ثان من مجلس الأمن الدولي لتوفير الشرعية للحرب. لكن حينما فشل التصويت لصالح هذا القرار، وبعد أن حاول ثني الإدارة الأميركية عن المضي في تنفيذ سياستها الخاصة بالشرق الأوسط، اتبع بوش بضعف. وجاءت الإهانة الأخيرة حينما وقف صامتا بجانب بوش في ديسمبر الماضي، بعد رفض الرئيس الأميركي لاقتراحاته الجديدة الهادفة إلى التحاور مع سورية وإيران. وكان بلير محقا حينما أجاب عن سؤال بعد خطاب دافوس، قال فيه إن لحديث الغرب اللطيف عن الديمقراطية والحرية معنى ضئيلا، إذا لم يكن مستندا إلى مبدأ العدالة. وبدون قيم وطيدة كهذه لن يكون لأهداف حلف الأطلسي أي معنى. إنه لمن المحزن أن يكون هذا القول شبيها بنقش على قبر: زعيم عظيم وضع في الغالب قيمه جانبا لإرضاء رئيس أميركي.

* خدمة «واشنطن بوست» ـ خدمة «الشرق الأوسط»

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية- 3-2-2007