المثقف العربي وازدواجية الخطاب الفكري

 

صباح محسن كاظم

 

العقم الثقافي العربي اتجاه قضايا التنوير والحرية ورفض النظم الاستبدادية يتجلى بوضوح في الموقف السلبي والسيء من مأساة الشعب العراقي المبتلس بالنظام الفاشستي الدموي صاحب اعلى رصيد في المقابر الجماعية والهزائم العسكرية في حروبه المجنونة التي اهلكت الحرث والنسل واوقفت التنمية الاقتصادية والثقافية والتربوية

لقد اغمض المثقف عينية عما يجري في الساحة العراقية بل اتخذ موقفاً مغايراً وسلبيا حيال الام ومحنة شعبنا النبيل وساهم بفعالية لتظليل الراي العام العربي من خلال الاعلام المرئي والمسموع والمقروء الذي وجه باموال كوبونات النفط رغم ان الحصار الاقتصادي اخذ ماخذه من نهش الجسد العراقي المدمى بالحروب والعنف والقمع. لقد ساهم المثقف العربي الانتهازي بصناعة الدكتاتوريه من خلال ما كتبه شعرا ونثرا وتاليفا وتمجيدا فقد كتب المصري امير اسكندر _ صدام مفكرا ومناضلا وانسانا ومحمد المسفر ومصطفى بكري وعبد الباري عطوان وحميدة نعنع وكذلك فؤاد مطر صدام الرجل والقضيه والمستقبل ومدير الجزيره فأي مناضل يعمل لقتل ابناء شعبه واي مفكر لا يحسن نطق جملة بلغته العربية واي انسان يقتل اقرب الناس اليه .ان تذمر المثقف العربي من القرار العادل الالهي بإعدام اكبرجزار في التاريخ الانساني يعد مشينا ومنكرا ومستفزا لمشاعر الملايين من العراقيين والكويتيين والايرانيين الذين اعتدى عليهم بحربين لاناقة ولاجملا فيها للشعب العراقي.. فتبا للاصوات النابحة ,والمحزنة بلبس السواد في قنوات الدجل والطائفية. ان علاقة المثقف بالسلطان لها جذرها التاريخي فلطالما تحالف المثقف مع السلطان والوالي والخليفة والحاكم واعتبره قائما بامر الله حتى ولو أهلك العباد والبلاد وقد ضلت هذه الاشكالية الثقافية تتناسل عبر الجينات الثقافية المتوارثه عن الاسلاف طلبا لفتات الموائد ودراهم السحت من قصور الطواغيت التي يقدمها الحاكم المعتوه والمتخلف والمخالف للشرع والاخلاق السياسية التي تجعل من يتولى الامر ان يحكم بالعدل والمساواة لا بالغلبة والاستبداد والقهر وحكم التوريث من الامويين الى العباسيين صعودا الى حكام العرب الجدد ، لقد دأب الحاكم العربي على الاستئثار بالسلطه كملك عضوض وربط الرعيه بالتبعيه والانقياد الاعمى خلف قراراته وتوجهاته فقد استخدم ابن زياد شريح القاضي في فتواه بقتل من يخرج على امام زمانه يزيد وذبح الحسين (عليه السلام ) بتلك الفتوى وكذلك افتى فقهاء الدينار لصدام بجواز كتابة القران بالدم ولم يجرؤ احد في التاريخ على هذا الفعل المنكر ولم يدان من المثقف العربي ومصادر الفقه العربي بالمقابل كان الاحرار يمثلون رموزا تاريخيه كعمار بن ياسر ، ابو ذر الغفاري ، الحر الرياحي و ....نماذج رائعه مشرقة في التاريخ العربي تتمثل بالمثقف العضوي الفاعل الذي يتلمس هموم شعبه ويقاوم الظلم ويشهر سوط الكلمة بوجه الجلاد ، لقد ادت ثقافة الايديولوجيا الواحدة الى تغييب العقل وايقاف النشاط الفكري وحبس الالسن عن البوح بالقيم والمثل والافكار التي تخالف هوى الحاكم المهووس بجنون العظمة لما يسمعة من اطراء من بائعي الحرف ومن غشاشي الحاكم ومن بطانة السوء ، ان هذا الاستقواء للحاكم على حساب ضحايا ه يتماهى في نفوس الظلمه من خلال المديح والتبجيل واضافة الاساطير وهالة التاليه التي يقدمها النخبوي العربي على طبق من ذهب وولاء الطاعة للطواغيت يزرع الصنمية في من يتصدى لقيادة المجتمع وبالتالي يحدث الوبال والنكوص الحضاري ويعطل العقل الجمعي باتباع الحاكم الاوحد والنتيجه الحتمية الاستبداد والدكتاتوريه. المنظومه القيمية والتربوية والاخلاقية تحتم على الكاتب والشاعر والمثقف الوقوف تجاه ادلجة الفكر واختزال واحتواء الاراء براي واحد يصادر عقول وافكار الاخرين. النخب الثقافية ينبغي عليها عدم الانحياز لسلطة القمع العربي فلم نرى الجامعة العربية تدين قتل العلماء والقتل الجماعي في الانفال وحلبجة وتدمير الاهوار والحروب المجنونة على الجوار العراقي بل ان التبرير السلبي للمثقف العربي على فضائع البعث ادى الى الاسراف والايغال في الجرائم نتيجة للصمت العربي وحين يعرض العراقيون مظلوميتهم على مرأى ومسمع من العرب لم يبالي احدا به وعندما كانت بعض القنوات الاعلامية تحاول ايصال صرخة الشعب وعذاباته وقيودة المكبله بالمعتقلات والتصفيات والابادة كان هؤلاء المثقفون العرب يدافعون عن ظلم النظام السابق وهتكه الحرمات ففي احدى القنوات التي تستظيف في التسعينيات الى ما قبل السقوط الدراماتيكي في برنامجها السياسي النخب الثقافية وعندما يناظر المحاورون من العرب ومن العراقيين في المنفى ويقدمون ادلتهم على الجرائم يتنكر المثقف العربي تلك الافعال بل يتهجم على الضحايا باعتبار القائد لا يخطىء !!!! وبعد سقوط الصنم انبرت النخب الثقافية العربية التي اعتاشت على كابونات النفط على الدفاع عن النظام والادعاء بان الارهاب الاسود الذي دمر البلاد والعباد هو مقاومة شريفة فالمرتجى من المثقف ادانة الاستبداد والارهاب وتسويق قيم العدل والحرية و حقوق الانسان والتنوير بان الاستبداد اساس كل ظلم كما قال : الكواكبي وهذا ما نادى به الافغاني ومحمد عبده ومحمد باقر الصدر وكل المصلحين والوطنيين فانطلاق الامة من كبوتها وتخلفها الحضاري يتطلب من المثقف العربي الوقوف الى جانب قضايا شعبه ويقول (كفاية) للطغاة والمطالبة بالانتخابات وكتابة الدستور والاستفتاء عليه كما فعل العراقيون في ملاحمهم . ان الموقف السلبي لاتحاد الادباء العرب من عضوية اتحاد الادباء العراقي في ليبيا والجزائرالا استمرارا للمواقف المشينه للنخب العربية تجاة قامة العراق التي هي اعلى القامات فالمثقف العراقي اصبح صوت الشعب اما مثقفهم فصدى الحاكم وشتان بينهما . ان اقامة سرادق العزاء في نقابة الصحفيين المصريين وفي مناطق من اليمن وليبيا ومناطق عربية اخرى لهو من العار على المثقف العربي ان يقوم بهذا الموقف الاستفزازي الذي يجرح الشعب العراقي لكن المثقف العربي افراحنا احزانه واحزاننا افراحه,,ان مسؤولية المثقف بناء الانسان وليس هدمه كما يفعل المثقف العربي الانتهازي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة كل العراق-16-1-2007