الساعات المائة الأولى من عمر الكونغرس الديمقراطي

 

 

 

بمجرد الإعلان عن فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب عقب انتخابات الكونغرس في نوفمبر الماضي وترشيح النائبة الديمقراطية نانسي بلوسي كأول سيدة ترأس مجلس النواب في تاريخ الولايات المتحدة ، أعلنت بلوسي عن أجندة "المائة ساعة الأولى" The first 100 hour Agenda من عمر الكونغرس الجديد، والتي قصد منها اعتماد حزمة من القوانين والتشريعات التي سعى الديمقراطيين لتمريرها في الماضي لكنهم فشلوا نظرا لسيطرة الجمهوريين على الكونغرس خلال السنوات الـ 12 السابقة. وبالطبع فإن المقصود بالساعات المائة هو الوقت الفعلي الذي استغرقه مجلس النواب في المناقشة والتصويت على هذه التشريعات.

أثارت خطة بلوسي ورفاقها الديمقراطيين الكثير من الجدل في الأوساط السياسية الأمريكية حول المبالغة في التعبير وحول قدرة الأغلبية الديمقراطية في إحداث تغيرات تشريعية سريعة وهيكلية، وقد بلغ النقد إلى حد السخرية من أجندة الساعات المائة ، حينما علق أحد مقدمي برامج إذاعة WMAL 630 المحافظة قائلا إن الله طبقا للكتاب المقدس لم يخلق العالم في مائة ساعة فقط ، بل احتاج إلى 144 ساعة، فهل تستطيع بلوسي أن تقوم بإصلاح نظام الرعايا الصحية، والتعليم، ورفع الحد الأدنى للأجور، وإصلاح نظام الضرائب، ومحاربة الفساد، والحفاظ على البيئة في 100 ساعة فقط.

ولكن يبدو أن بلوسي كانت مصممة في سياق رمزية الانتصار الذي حققه الديمقراطيون ووجودها على رأس السلطة التشريعية على تنفيذ ما تعهد به رموز الحزب أثناء الحملة الانتخابية والإسراع في تنفيذه قبل إلقاء الرئيس بوش خطابه السنوي "حالة الاتحاد" في الثالث والعشرين من يناير، وقد بدأ العد التنازلي للساعات المائة الأولى بمجرد أن قام نواب وأعضاء الكونغرس الجديد بأداء القسم في الرابع من يناير الجاري.

تفاصيل أجندة المائة ساعة
تركزت مشاريع قوانين أجندة الساعات المائة الأولى من عمر الكونغرس على القضايا الداخلية التي تميز المبادئ السياسية للديمقراطيين مثل محاربة الفساد السياسي، وتخفيض نسبة الفائدة على ديون الطلاب الدراسية، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتشجيع بحوث خلايا منشأ، ودعم مشروعات وبحوث الطاقة البديلة وحماية البيئة. وقد تقدم نواب الحزب الديمقراطي إلى مجلس النواب بست تشريعات في هذا السياق تم مناقشتها، ثم تمريرها والموافقة عليها من قبل المجلس في الفترة ما بين الرابع والثامن عشر من يناير الجاري وقبل مرور نصف الساعات المائة.

وفي الجدول التالي نورد قائمة بأسماء التشريعات، ونتيجة تصويت المجلس عليها، وتوقيت الموافقة عليها في إطار الساعات المائة الأولى كما جاء في صحيفة نيويورك تايمز:

 

 

 

 

اسم التشريع

المضمون

التوقيت

نتيجة التصويت

لجنة 11 سبتمبر

تفعيل توصيات لجنة 11 سبتمر،خاصة ما يتعلق منها بإعادة توزيع ميزانية مجابهة الإرهاب على مناطق الخطر

9 يناير

موافقة 299 نائب في مقابل معارضة 128

 

 

في الساعة السادسة من الساعات المائة

68 نائب جمهوري انضم إلى الجانب الديمقراطي أثناء التصويت

الحد الأدنى للأجور

رفع الحد الأدنى للأجور على مستوى الولايات المتحدة إلى 7.25 دولار في الساعة

10 يناير

موافقة 315 نائبا في مقابل معارضة 116

 

 

* في الساعة الـ 12 من الساعات المائة

82 نائب جمهوري انضم إلى الجانب الديمقراطي أثناء التصويت

بحوث خلايا المنشأ

إلغاء قرار الرئيس بوش السابق بوقف التمويل الفيدرالي لبحوث خلايا المنشأ

11 يناير

موافقة 253 نائب في مقابل معارضة 174

 

 

في الساعة الـ 17 من الساعات المائة

37 نائب جمهوري انضم إلى الجانب الديمقراطي أثناء التصويت

تكاليف الدواء

لزوم قيام وزير الصحة بإجراء مفاوضات مع شركات صناعة الأدوية لتحديد أسعار الأدوية

12 يناير

موافقة 255 نائب في مقابل معارضة 170

 

 

في الساعة الـ 22 من الساعات المائة

24 نائب جمهوري انضم إلى الجانب الديمقراطي أثناء التصويت

ديون الطلاب

تخفيض قيمة الفائدة على ديون الطلاب الدراسية إلى النصف خلال السنوات الخمس القادمة

17 يناير

موافقة 356 نائب في مقابل معارضة 71

 

 

في الساعة الـ 34 من الساعات المائة

34 نائب جمهوري انضم إلى الجانب الديمقراطي أثناء التصويت

سياسة الطاقة

إعادة 14 مليار دولار محصلة الامتيازات الضريبية المستحقة لشركات صناعة النفط وتوجيهها إلى مصادر الطاقة البديلة

18 يناير

موافقة 264 نائب في مقابل معارضة163

 

 

في الساعة الـ 36 من الساعات المائة

36 نائب جمهوري انضم إلى الجانب الديمقراطي أثناء التصويت

 

 

فيتو الرئيس

لا يصبح مشروع القانون قانونا إلا بعد أن يوقع عليه الرئيس الأمريكي طبق للدستور، حتى وإن تم التصويت لصالحه في الكونغرس. ورغم تمرير مشاريع القوانين الست في مجلس النواب بأغلبية مرضية للديمقراطيين، خاصة وأن عددا كبيرا من النواب الجمهوريين قد انضموا إلى صفهم أثناء التصويت، فإن هذه التشريعات معرضة لعدم الاعتماد في حالة استخدام الرئيس بوش حق الاعتراض (فيتو). حيث ينص الدستور الأمريكي على أن من حق الرئيس عدم التوقيع على أي قانون يصدر عن المجلس التشريعي إذا لم يحصل القانون على موافقة ثلثي أعضاء المجلس. وهو الأمر الذي لم يتحقق في أي من حالات التصويت على القوانين الست التي تم تمريرها. ويتوقع المراقبون أن يستخدم الرئيس هذا الحق مع تشريعي بحوث خلايا المنشأ وأسعار الأدوية. وقد علق توني سنو المتحدث باسم البيت الأبيض بالفعل في أعقاب التصويت على قانون بحوث خلايا المنشأ بالقول إن مشروع القانون سوف يستخدم أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل بحوث تدمر حياة الإنسان. وأضاف المتحدث أن الرئيس بوش قد استخدم حق الاعتراض في الماضي ضد نفس التشريع وسوف يفعل نفس الشيء في المستقبل.

 ماذا تعني هذه التشريعات للمواطن الأمريكي

مشاريع القوانين التي تمريرها في الساعات المائة الأولى من عمر كونغرس يمثل الديمقراطيون أغلبيته، وبغض النظر عن البعد الرمزي لأجنده الديمقراطية ، فإن أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين، قد حاولوا التأكيد على أنهم أكثر قربا من المواطن الأمريكي العادي الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة الدنيا من خلال مشاريع رفع الحد الأدنى لأجور العاملين وتخفيض قيمة الفائدة على ديون الطلاب، ومحاولة تخفيض أسعار الأدوية.

1 الحد الأدنى للأجور

فإذا نظرنا إلى الحد الأدنى للأجور لوجدنا أن الحد الأدنى الحالي وهو 5.15 دولار للساعة وهي أخر زيادة اعتمدتها إدارة الرئيس الديمقراطي السابق بل كلينتون، تعتبر بمثابة ظلم اجتماعي كبير لقطاع كبير من المواطنين الأمريكيين، ويتضح ذلك بإجراء عملية حسابية بسيطة، فإذا افترضنا أن مواطنا أمريكيا يحصل على الحد الأدنى للأجور وهو 5.15 دولار X 40 ساعة في الأسبوع ،الحد الأقصى لعدد ساعات العمل في الأسبوع، لكان راتب هذا المواطن شهريا 892 دولار، وبالتالي فإن الدخل السنوي لهذا المواطن سيكون 10,712 دولار، ويتضح مدى التفاوت بين هذه الفئة وفئات المجتمع الأخرى، إذا عرفنا أن معدل الدخل القومي للمواطن الأمريكي هو 36 ألف دولار في السنة. المواطن الأمريكي الذي يحصل على الحد الأدنى للأجور يتساوى في الإنفاق مع مواطن أخر يحصل على 150 ألف دولار سنويا عندما يدفع حوالي 3 دولارات لغالون الوقود في أي محطة وقود سيارات على امتداد الولايات المتحدة، ويتساوى في دفع نفس القيمة عندما يذهب ليشتري ساندويتش برغر(حوالي 3 دولارات) من ماكدونالدز، كما يتساوى في دفع نفس قيمة ضرائب السلع التي يشتريها من أي متجر حتى وإن كان متجر ول مارت الذي يدعي أن أسعاره تلاءم الطبقات الأدنى في المجتمع.

 2 تخفيض الفائدة على ديون الطلاب

التعليم الجامعي في الولايات المتحدة ليس مجانا مثل بعض الدول الأوربية أو دول الشرق الأوسط، حتى وإن كنت طالبا في جامعة حكومية ، الطالب الأمريكي في الجامعة الحكومية يدفع سنويا ما بين 4 آلاف و11 ألف دولار سنويا مصاريف الدراسة بالإضافة إلى مصاريف أضافية لاستخدام المعامل وشراء الكتب ، والسكن إذا فضل الإقامة قي سكن الطلاب. أما الطالب في الجامعات الخاصة فيدفع سنويا تقريبا ثلاثة أضعاف هذه المبالغ، ففي جامعة جورجتاون بواشنطن يدفع الطالب سنويا حوالي 35 ألف دولار. وفي ظل ارتفاع تكاليف الدراسة الجامعية يضطر الطلاب إلى الحصول على قروض طلابية ميسرة، حيث يبدأ الطالب بمجرد تخرجه وحصوله على عمل يدفع مثلا 150 دولار شهريا على مدار عشر سنوات أو أكثر. ومن أجل تشجيع الطلاب على مواصلة الدراسة والتخفيف عن أصحاب القروض من الطلاب، دعت الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس الجديد إلى تخفيض نسبة الفائدة على قروض الطلاب بمقدار النصف، أي من 6.8% إلى 3.4% .

 3 محاولات تخفيض أسعار الأدوية

أقر مجلس النواب في 12 يناير مشروع قانون يلزم وزير الصحة الأمريكي بالتفاوض مباشرة مع شركات صناعة الأدوية عند تحديد أسعار الأدوية، وألا تترك عملية التفاوض لشركات التأمين الصحي التي تعمل في الغالب لمصلحتها دون الاهتمام بقدرة المريض على دفع هذه التكلفة.

التشريعات الثلاثة الأخرى التي وافق عليها مجلس النواب، فيتعلق أولها بتفعيل توصيات لجنة الحادي عشر من سبتمبر، خاصة بنود الإنفاق في مجابهة الإرهاب وقضايا الأمن ، فعلى سبيل المثال يطالب مشروع القانون البدء في تزويد كافة نقاط التفتيش في الموانئ الأمريكية خلال السنوات الخمس القادمة بأجهزة مسح إشعاعي. أما مشروع قانون البحث عن مصادر طاقة بديلة ، فيعتمد على تحويل مبلغ 14 مليار دولار من استقطاعات الضرائب التي كانت تمنح لشركات صناعة النفط وتحويلها للبحث عن مصادر طاقة بديلة. وأخيرا، يأتي مشروع قرار خلايا المنشأ الذي يثير انقساما كبيرا في المجتمع ورفضا أخلاقيا من جانب المحافظين الذين يعارضون البحوث، حيث يتم قتل أجنة للحصول على خلايا المنشأ، بينما يرى الديمقراطيون أن أجراء البحوث سوف يؤدي إلى إحداث طفرات نوعية في علاج أمراض مستعصية مثل السكري والزهايمر.

انتهت الساعات المائة الأولى من عمر الكونغرس بنجاح الديمقراطيين في تنفيذ أجندة داخلية رمزية لأهم أولويات وتوجهات الحزب، وعاد التوازن مرة أخرى إلى العملية السياسية في واشنطن ، الأمر الذي من شأنه أن يجعل جلسات الكونغرس رقم 110 في تاريخ أمريكا من أكثر الجلسات إثارة وحراكا في الحياة السياسية الأمريكية .

 و كل ذلك بحسب المصدر المكذور.

المصدر: تقرير واشطن-27-1-2007