ملاحظات على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق

 

حمزة الجواهري

 

لماذا فشلت السياسات الأمريكية بالقضاء على العناصر المسلحة؟ أجاب الرئيس الأمريكي على هذا السؤال بأن العناصر المسلحة كانت تعود بعد خروج القوات الأمريكية منها! وبهذا المعنى أجاب وزير الدفاع الجديد أمام الكونجرس وأمام مجلس الشيوخ! لكن وبالرغم من أن أعضاء الكونجرس وأعضاء مجلس الشيوخ لم يتركوا كبيرة ولا صغيرة إلا وسألوا عنها، لكنهم لم يسألوا عن شيء واحد، غاية بالأهمية والبساطة، وهو أن الفشل رافق العمليات العسكرية الأمريكية مدة ما يقرب من أربع سنوات متتالية، وفي كل يوم تنظف هذه القوات مناطق كانت قد نظفتها من قبل أكثر من مرة، فلماذا لم تنتبه الإدارة الأمريكية ووزارة الدفاع تحديدا لهذه المسألة إلا بعد هذه السنوات الطويلة؟!

كان الوزير السابق،رامسفيلد، يرفض رفضا قاطعا زيادة عديد القوات للاحتفاظ بالمناطق بعد تنظيفها، في كل مرة كان يترك للإرهابيين طريقا آمنا للهرب نحو مناطق أخرى أيضا في العراق، وخاضعة لنفوذ القوات الأمريكية. فلماذا تركوا يهربون؟ ولماذا لم تتعقبهم القوات إلى هناك وهم منهكين؟ وفي أحيان كثيرة بلا سلاح؟وهناك أسئلة كثير يمكن طرحها بعد ذلك السؤال عن سبب الفشل، فهل كان أعضاء مجلسي النواب الشيوخ والإدارة الأمريكية غافلين عن هذا الخطأ الواضح كل هذه الفترة، أم متغافلين؟

إن تغافل أعضاء مجلسي النواب والشيوخ والإدارة الأمريكية عن كشف الحقائق المتعلقة بهذا الأمر أضحى من أبرز الحقائق على الساحة السياسية العراقية، لأن العناصر الإرهابية، من تحالف البعث والقاعدة، والتي سميت أخيرا بالعناصر المسلحة بعد أن أبعدت عنها صفة الإرهاب، بقيت تعبث بأمن العراق لمدة ثلاث سنوات متواصلة منفردة، واستمرت لحد الآن تقتل على الهوية، وتهجر السكان من منازلهم، وتفجر السيارات المفخخة، والعبوات الناسفة، وترسل الانتحاريين لقتل الأطفال والمتسوقين والمصلين، وتخطف وتساوم على الفدية وتقترف من الجرائم ما لم نسمع به من قبل، كلها كانت تجري تحت مسمى المقاومة! والقوات الأمريكية تمنحها الفرص بلا حساب لقتل المزيد من الأبرياء على أساس من الهوية، ولم تكن يوما ما جادة بالقضاء على هذه العناصر المتمردة.

بدا واضحا أيضا أن من أبرز تضاريس خارطة العنف في العراق هو أن التراخي الأمريكي مع تحالف البعث والقاعدة كان ومازال متعمدا، وذلك إكراما لدول الجوار الإقليمي من أصدقاء أمريكا، الأدهى والأمر من ذلك، بقيت الصيحات عالية، تشق الآذان، مطالبة الحكومة بالقضاء على المليشيات! وإعطاء دور أكبر للقوى السياسية التي تدعم الإرهاب البعثي والقاعدي في العملية السياسية لمزيد من التخريب من داخل العملية، الإسلام السياسي الشيعي الذي يرأس الحكومة يعتبر مثل هذا الطلبات الغير معقولة نوعا من الانتحار السياسي، فهل القصد هو تجريد العراقيين من أسلحة الدفاع عن النفس أمام الإرهابيين من كلا الطرفين؟

الخطة الجديدة تهدف من حيث الأساس القضاء على التمرد البعثي المتحالف مع القاعدة وحل المليشيات الشيعية، لكنها لا تحدد بشكل واضح بأي من الأطراف سوف تبدأ!وهذا يعتبر ضعفا بالخطة، أو ربما نوعا من البنود السرية فيها، لكن مع ذلك يمكن مناقشة الموضوع، فلو قضت أمريكا على تحالف البعث والقاعدة أولا، فإنها بذلك تغضب أصدقائها من دول الجوار الإقليمي.أما لو صفت المليشيات الشيعية أولا دون ضمانات للمواطن المستهدف أصلا من تحالف البعث والقاعدة على أساس من هويته، فإنها بذلك ستجد أن أربعة أخماس الشعب العراقي يخرج عن حالة الحياد التي وقفها على مدى السنوات الأربع المنصرمة.

أضف إلى ذلك إن أمريكا أصلا في حرب على الإرهاب العالمي بقيادة القاعدة، وبالتالي فإن تصفية عناصر تحالف البعث والقاعدة أمر محتوم وفق هذه الخطة، وهذا يعني أنها ستغضب أصدقائها العرب.

إذا غضب الجوار الإقليمي العربي في كل الأحوال أمر محتوم، إلا إذا تخلت أمريكا عن حربها على الإرهاب، وتركت عناصر البعث والقاعدة تفلت من القصاص العادل، فهل يعقل هذا الأمر؟

كما وأن الولايات المتحدة بدفع محموم من قبل دول الجوار الإقليمي العربي سعت لزج جميع الفرقاء في العملية السياسية، وقد تم بالفعل زج نوعين من السياسيين، تحت مسمى السنة، الأول دخل العملية من أجل تخريبها وتقديم أفضل الخدمات للعناصر المتمردة من خلال شل القرار السياسي أولا، وخلط الأوراق السياسية لإبعاد الهدف الأساسي منها وهو القضاء على الإرهاب ثانيا، وهناك نوعا آخر من السياسيين دخلوا العملية كاستجابة حقيقية لها، لكنهم لم ينسجموا مع الكتل الأخرى ولم يحققوا الدفع المطلوب من وراء دخولهم للعملية. في الحقيقة النوع الأول، التخريبي، كان ينبغي إبعادهم عن العملية السياسية بعد أن تبين بشكل واضح مسألة دعمهم للإرهاب، أما الاستمرار بجلب المزيد للعملية السياسية لم يعد أمرا مقبولا بعد كل التنازلات الكبيرة التي قدمت لهم، لكن مع ذلك نجد أن الخطة تلزم الحكومة لجلب المزيد من هؤلاء المخربين بربطات العنق الغالية والمتحذلقين بتصريحاتهم لأجهزة الإعلام!

من الواضح أن أمريكا لا تكترث لمصالح إيران أو سوريا، لكن بالنظر لموقع الدولتين بالنسبة للمنطقة التي تنتج ثلث احتياجات العالم من النفط، الذي يعد شريان الحياة في بلدانهم، تتضح أهميتها بشكل جلي، مما يحتم على أمريكا والعالم أن لا يعرضا المصالح الإقليمية الإيرانية أو السورية للخطر وللحد الذي تشعر به أيا منها أنها مهددة من قبل دول الجوار بالكامل، لأن الضرر في مصالح هذه الدول له أبعاد خطيرة، وإن تفجر الصراع وامتداده على المستوى الإقليمي في المنطقة يعني كارثة بالنسبة للجميع، هذا الأمر يعني أن على أمريكا أن تعيد النظر وإعطاء إيران وسوريا دورا مناسبا مادمت تعطي للدول الأخرى دورا معتبرا، لأنها لا يمكن أن تحسم الصراع على حساب هاتين الدولتين، خصوصا وأن إيران كانت قد تعهدت للرئيس العراقي بمساعدته على حل المليشيات الشيعية وقد فعلت سوريا الشيء نفسه من خلال اتصالات مباشرة معها.

أما إذا أصرت أمريكا على تجاهل دور هاتين الدولتين، ومادام غضب أصدقاء أمريكا أمر محتوم كما أوضحنا، عليها إذا نسيان أصدقائها وأعدائها دفعة واحدة وعدم إشراكهم بالحل، لأن لو تبنت أمريكا مطالب أصدقائها على حساب الطرف الثاني سيدفع الشعب العراقي الثمن غاليا لوحده، كما وأن الصراع الإقليمي لا ينتهي بحدود الدم العراقي، وسوف يستمر الصراع سواء حلت القضية العراقية أم لا.

في الخطة الجديدة كان يفترض أن تتولى الحكومة العراقية قيادة العمليات العسكرية وفق خطة عراقية بالتعاون مع الأمريكان، لكن ما أعلن يدل دلالة واضحة أن القيادة سوف لن تكون بيد الحكومة العراقية، وإن القوات العراقية مازالت لا تمتلك السلاح الكافي لمواجهة المهمة، فالجندي العراقي لا يحمل إلا18 رصاصة فقط وهو يدخل في معركة يكون الخصم فيها مدججا بالسلاح حتى آذانه! ومع ذلك يطلب من الحكومة تصفية الإرهاب في العراق خلال شهرين فقط! وإذا لم تفعل، يكون لأمريكا كلمة أخرى! بذات الوقت، الحكومة غير قادرة على تسليح الجيش ولا الشرطة بأسلحة فعالة، لأن قرارات الأمم المتحدة لا تسمح بذلك، والأمريكان أصلا لا يسمحون أيضا في الوقت الحالي على الأقل، فهل تقبل الحكومة هذا التحدي وتقود عمليات عسكرية واسعة وهي شبه مجردة من السلاح؟

أن التغييرات الأخيرة على الخطة الأمريكية التي تقلل من دور الحكومة العراقية في عمليات التطهير المطلوبة، قد أغضبت كل المتعاطفين مع المشروع الأمريكي في العراق، وعليها أن تتوقع عدم التجاوب الكامل مع الخطة إذا ما أبعدت الحكومة عن دور القيادة والقوات العراقية بقيت مجردة من السلاح تحارب بأجساد الجنود فقط.

البعض يقول إن البديل لهذه الحكومة لو فشلت بالمهمة هو حكومة إنقاذ وطني، لكن في حال رفض البرلمان الحالي حل الحكومة الحالية، فإن حل الحكومة يمكن اعتباره انقلاب، ربما عسكري، فهل سيقبل الشعب مثل هذه الحلول؟ وهل تقبل أمريكا بالعودة لسياسة الانقلابات من جديد؟ وأي حكومة، مهما كان شكلها، يمكنها تصفية الإرهاب وهيتعمل بقرار سياسي مشلول وجنود حفاة بأيد عارية؟

صحيح أن توصيات لجنةبيكر هاملتون كانت تعد نوعا من الانقلاب والعودة بالعراق إلى أزمنة الحديد والنار والتعتيم الإعلامي، لأن التوصيات كانت ترضي فقط أنظمة الجوار الإقليمي العربي دون سواهم، وبإعادة ترتيب التوصيات، نجد بجلاء أنها تعيد سيناريو ال91 بالكامل، لكن الشعب العراقي لم يعد كذلك الشعب الذي أخذ على غفلة منه خلال العام91، ولم يعد الواقع الموضوعي خارج العراق كما كان عليه الأمر آن ذاك، فهل من وسيلة غير هذه الطريقة لفرض حكومة الإنقاذ الوطني ما لم يقبل الشعب بها؟

الشعب العراقي يطالب بشيء واحد فقط، على الأقل في الوضع الحالي، وهو إعادة الأمن والأمان، وذلك بالقضاء على كل من يحمل السلاح خارج السلطة، لكن لا يمكن أن يقبل الشعب تجريده من سلاح الدفاع عن النفس وترك تحالف البعث والقاعدة يمارس هواية القتل المجاني على هواه إرضاء لأصدقاء أمريكا، فربما نكون قد أخطأنا بقراءة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، لكن لا يمكن أن نخطأ بقراءة ما يريده الشعب، ولا يمكن أن نخطأ بقراءة ردود الفعل الشعبية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة كل العراق-16-1-2007